السبت، نوفمبر 26، 2016

فقه الموسطاشات


الموسطاشة ابتكار جزائري لوصف حالة غير سوية لامرأة منظورا إليها بعين رجالية لا تقتصد في الإدانة متجاوزة الموجود والواقعي نحو المثال والمرتجى كلما تعلق الأمر بعلاقة بين المرأة والرجل في ظروف غير التي استبطنها الوعي الرجالي الذي لا يزال محكوما بتراتبية العلاقة، حيث الرجال رجال بما كسبوا وبما أنفقوا وبما كانت لهم من سلطة ونفوذ ومسموع الكلام اتجاه الحريم النسائي المحيط بهم، وحيث النساء نساء بما وهبن من جمال ودلال وبما اكتسبنه من خبرة ودراية بسبل الاعتناء بمتطلبات الرجل.
وحين يكون المثال المستبطن في المخيال الجمعي مفارقا لما يلتقي به الفرد في واقعه ومحيطه وعلاقاته، فإنه إما يتأقلم مع الواقع والموجود، وإما يرفضه ويدينه، رغم أنه مجبر على التعامل معه، منتصرا، بشكل هروبي، للمثال الخيالي المستبطن في عمق الوعي والمخيال الجمعي، ويبدو أن الحل الثاني هو الذي يلجأ إليه الأفراد في المجتمعات التي لم تحسم خياراتها اتجاه الحداثة وما تفرضه متطلبات العيش المشترك في مجتمع مجبر على تجاوز موروثاته القيمية والثقافية بشكل كبير إذا أراد التصالح مع واقعه

إن الرجل وهو يلتقي بحداثة عرجاء تفتح أمام حياته المثقلة بوعي بدوي سبلا جديدة وغير مألوفة فيختلط مع النساء ويعاملهن بشكل يومي وتنفتح أمامه فرص الخلوة والاختلاء، ولكنه يصدم حين يجد النموذج الانفتاحي الذي في ذهنه عن المجتمعات المختلطة يتصادم من جهة مع ما توفره له بيئته من علاقات مع الطرف الآخر، ومن جهة ثانية يتصادم مع النموذج المثالي الماضوي الذي يستبطنه عن بنت الفاميلية. 
من عمق هذه التصادمات التي يحتقبها وعي الرجل الجزائري ولد مفهوم الموسطاشة ، كمفهوم إجرائي لإدانة وضع غير سوي، ثم لاحقا تم سحب المفهوم على حالات كثيرة جعلت منه تهمة وصفة في نفس الوقت يمكن إطلاقها على الكثير من النساء المختلفات عن بعضهن البعض بشكل حاد. فالموساطشة كلمة ذات ثراء دلالي ملفت؛ إنها من جهة تلك التي لا تؤمن بالحب إلا إذا كان مرتبطا بمصلحة ما: زواج، انفاق، هدايا، علاقات لقضاء المصالح ... وكل من يحاول الخروج عن هذه النفعية في العاطفة يجابه بالعبارة السحرية:نحبك كي خويا.
إن الموساطشة في المجتمع الجزائري هي رسم كاركاتوري لواقع المرأة الجزائرية التي تفتقد أكثر ما تفتقد للأنوثة التي بها وعن طريقها تستطيع أن تكون امرأة وسط الرجال، أي أنثى يتنافس الرجال للفوز برضاها لا للسخرية منها كما هو حاصل الآن ويحصل بشكل أكثر اتساعا بمرور الوقت وازدياد انكشاف الوضع الذهني والنفسي الغير محبب للجزائرية عن طريق اتساع وسائل الاتصال وبالتالي التمكن أكثر من رسم صورة أكثر تنوعا لنسائنا اللواتي تتسم الموسطاشات منهن بميزة أساسية تتعين بكون ما يمتلكنه من إمكانيات ومؤهلات أقل بكثير مما يبدينه من أطماع وطموحات.
الموسطاشة قد تكون جميلة جدا، مع أن الكثيرين يعتقدون أن العبارة تحيل بشكل مباشر على القبيحات شكلا، ولكن التوصيف يتجاوز الشكل ليشمل صفات نفسية وخصائص اجتماعية، تتعين في حالة المرأة الجميلة بالطمع وقلة والوفاء والاعتقاد بأن الجمال وحده يغني عن كل ما عداه، فتكون الجميلة موسطاشة حين تسعى بجمالها لبلوغ مكانة ليست مؤهلة لبلوغها: منصب عمل، تحصيل منافع مادية بتوظيف وبذل الجمال أو الإيحاء بإمكان بذله، زواج غير متكافئ مع رجل له من الثقافة والمؤهلات الاجتماعة ما يجعله ستحق أفضل منها .... وكثير من الحالات غير السوية التي يكون انخراط المرأة الجميلة فيها مدعاة لوصفها بأنها موسطاشة. مع أن حالات الجميلات الموسطاشات قليلة مقارنة بالحالات الأبرز لنساء لم يؤتيهن الله جمال وجه ولا رقة خلق ولا خفة روح، فهو أقرب لخشونة الرجل في السلوك والقول وبرودة العواطف، ومن هذا الشبه نشأ مبرر التسمية الذي يحيل على الموسطاش وهو ميزة الرجل، ورمز رجولة تحيل على الحدة والخشونة، هذه الحدة والخشونة التي يكون توفرها مستحبا في الرجل، في حين تصير عيبا منفرا إذا توفرت في المرأة، وطبيعة التكوين النفسي للمرأة الجزائرية التي فرضت عليها الظروف التاريخية ( الحروب المتعددة خاصة ) أن تتسم ببعض الخشونة لمواجهة ظروف قاسية، ولكن تلك الخشونة انطبعت فيها واستقرت حتى بعد زوال الظروف الداعية لوجودها، ومع الانفتاح الاجتماعي وتزايد سبل الاتصال انكشف صفات السلب في الجزائرية خاصة وأن تلك الصفات غالبا ما تقارن بنماذج ميدوية تسوقها الأفلام والمسلسلات والروايات، وتقدمها بشكل مغري ومشتهى، عجزت إبداعاتنا الجزائرية: روايات، أفلام ومسلسلات، أغاني، عن إنتاج وتسويق البديل عنها، بل إنها عمقت الصورة السلبية عن المرأة الجزائرية، كامرأة غير عاطفية ونفعية، ووصولية، وغير ذات حس فني ولا ذوق تتميز به في المأكل والملبس، أي المرأة الموسطاشة بتعبير شباب الفايسبوك.

الأحد، نوفمبر 13، 2016

باختين والتاريخ الثقافي

كان باختين واحدا من المفكرين الأكثر تأثيرا، ولو بشكل غير مباشر، في مسار التاريخ الثقافي خاصة من خلال عمله الرائد: "إبداع فرانسوا رابليه والثقافة الهزلية الشعبية في العصور الوسطى وعصر النهضة". هذا العمل  في أصله رسالة دكثوراه تقدم بها باختين للأكاديمية السوفياتية للعلوم سنة 1946، ولم تصدر ككتاب إلا سنة 1965 لكن سرعان ما نالت نجاح واهتمام كبيرين من طرف الباحثين خاصة في مجال النقد الأدبي، في بداية الأمر، ثم في مجالات الأنثروبولوج
يا والتاريخ الثقافي لاحقا، ولقد ترجمت هذه الرسالة إلى الانجليزية حاملة عنوانا ذو طبيعة أدبية: " رابليه وعالمه" سنة 1986، ولم تنشر بالعربية إلا سنة 2015 تحت عنوان: "أعمال فرنسوا رابيليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبان عصر النهضة"
هذا العمل الذي انبتت عليه شهرة باختين في مجال التاريخ الثقافي، شكل، بالإضافة إلى بعض مفاهيمه كالحوارية وتعدد الأصوات، ركيزة أساسية في أعمال الكثير من المؤرخين الثقافيين. عمل باختين من خلاله على رسم صورة بانورامية عن " أشكال الشعائر والطقوس والعروض الفولكلورية والاحتفالات الشعبية والكرنفالات وأدب النجاسة، والأسفل الجسدي، والمأدبة وغيرها من الصور التي سادت خلال القرون الوسطى وإبان عصر النهضة، وذلك من خلال الكشف عن أعمال رابليه التي تتجلى فيها تمظهرات الثقافة الهزلية للمرحلة، إذ تعكس بشكل صارخ الإيماءات والحركات والأقوال والأمثال والمقالب والحماقات والنبوءات الشعبية، التي استقاها مباشرة من أفواه البسطاء والمجانين من عامة الشعب في الساحات العمومية"([1]). واستفادة التاريخ الثقافي من المفاهيم والتصورات الباختينة المتعلقة بأشكال التعبير الشعبية كانت كبيرة وتأثيرها كان من الشساعة بحيث يمكن تلمسه لدى الكثير من المؤرخين الثقافيين، فقد شكلت الاشتغالات الباختينية حول مواضيع مثل " الكرنافالية (carnivalizatio ) و"خلع العروش"  (uncrowing ) و"لغة الأسواق"، و"الواقعية الغرائبية" (grotesque realisme ) التي تخلط بين الرعب والسخرية"([2]) مواضيع بحث مستقلة حينا، وحينا آخر مصادر ذات ثراء لا ينضب له معين لاستقاء المادة التاريخية المقصاة من كتب التاريخ الرسمية المرتبطة بالسلطة واستراتجياتها، كما أنها شكلت المجالات لأرحب لدراسة ثقافة المهمشين التي تعد واحدة من أهم مواضيع التاريخ الثقافي، حيث أن أشكال التعبير الأدبية ذات الصبغة الشعبية، وبالإضافة لفعاليتها في دراسة الأدب الشعبي والأنثروبولوجيا، أمدت التاريخ الثقافي المأخوذ بمناهج الأنثروبولوجيا ومفاهيمها، خاصة أنثروبولوجيا غيرتز، بمواضيع ومفاهيم ومجالات قائمة على تصور مغاير، وحديث، لمفهوم الوثيقة التاريخية ولدلالة المصدر التاريخي، والتي صار يمكن التقاطها مباشرة من أفواه الناس، ليس كشهادات فقط، إنما  كترنيمات وأحاجي ونكت وأغاني وسباب وشتم وأمثال وألعاب، وألبسة احتفالية ... وكل ما ينتجه العوام وهم ينخرطون في حياتهم ويمارسون طقوسهم واحتفالياتهم المختلفة، تلك الطقوس والاحتفاليات التي درسها باختين باقتدار مشهود، معتمدا، وناقدا في الوقت نفسه، على أعمال رابليه، وعلى الكثير من الدراسات الرابلية التي ازدهرت، في فرنسا خاصة، خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقبل ذلك بقليل. لم تكن " دراسة الكرنفلات الشعبية، والمواكب الساخرة وغيرها التي تعبر عن الثقافة الشعبية وما تحمله من عقائد وطقوس سائدة"([3])؛ أي أشكال التعبير الأدبي هي مجال الاستفادة الوحيد الذي أمدّ به باختين حقل التاريخ الثقافي، فقد شكل مفهوم تعدد الأصوات، والذي يشير عند باختين إلى تعدد الإيدلوجيات التي تصدر عنها الخطابات المختلفة، والتي "عبر عنها بثلاث مصطلحات متلازمة هي: heteroglossia, polyglossian polyphony  " ([4]) والتي يقابلها ممصطلح آخر هو الحوارية Dialogisme والذي شكل لبنة أساسية في باختين النقدي الذي امتدت أثاره خارج مجال النقد الأدبي، وقد شبه بيتر بورك تعدية الأصوات " بوثائق الأنا ego_dovuments) ) التاريخية المكتوبة بضمير المتكلم، التي تحوي حوارات لأصوات متعددة"([5]) مما يسمح لمختلف الأفكار والتصورات من التعبير عن نفسها داخل الخطاب الذي يتخذ أشكالا متعددة، رغم أن باختين في سياق حديثه عن الحوارية وتعدد الأصوات كان بصدد التأكيد على خاصية أساسية للخطاب لروائي حصرا، ولم يشمل اهتمامه أشكال التعبير الأخرى التي أولاها عناية كبيرة في كتابه عن رابليه المذكور أعلاه، والذي يظل غير مستنفذ الفائدة بالنسبة للتاريخ الثقافي.






السبت، نوفمبر 12، 2016

السيد ظروفي: الأديب الشاب الواعد



يبدو أن الكتابة الأدبية صارت كالدابة الشاردة الكل يعتقد أن له الحق في امتطائها، لدرجة أن صار كل من يجيد رصف مجموعة كلمات بعضها لبعض يعتقد أنه كاتب، وأنه سيظهر يوما على العالم بمؤلفاته العظيمة.
أقول هذا الكلام وأنا أطالع بعض الخربشات التي لا يمكن وصفها سوى بأنها غبية وتافهة لأحد المعتوهين الذي أتاني منذ أيام للمكتبة ليحدثني عن مشروعه الكبير لإصدار كتاب يناقش أعقد قضايا الأمة العربية، مستشيرا أياي عن أفضل الناشرين وأكثرهم احترافية من أجل نشر كتابه الذي أكد لي أنه سيكون له تأثير كبير، الأمر الذي دفعني إلى طلب الإطلاع عليه إن كان ذلك ممكنا، وهو ما حدث، حيث زودني صاحبنا بنسخة الكترونية مكتوبة على الوورد من كتابه الذي اتضح انه لا يتجاوز 40 صفحة، وأنه يحكي عن المواقع المحرمة وما شابهها بأسلوب دروس الوعظ والإرشاد المصاغة بأساليب إنشائية فجة طلقها حتى تلاميذ المتوسط والثانوي.
هذا السيد الذي يعتقد أنه نبي أتى لتطهير النفوس من التيه والضلال لا يختلف عن إحدى السيدات التي أتتني المكتبة أيضا تبحث عن نصوص مسرحية جزائرية، وقدمت نفسها لي بأنها روائية وكاتبة قصة وشاعرة وناقدة، وقد طلب منها، ولا أدري من ذا الذي طلب منها، أن تكتب المسرحية أيضا لهذا تريد أخذ فكرة عن كيفية كتابة المسرحية لكي تنسج على منوالها، لأكتشف بعد حديث قصير معها بأن هاذ المخلوقة لا تزال ثقافتها الأدبية في مرحلة مكر مفر مقبل مدبر كجلمود صخر.

هذه المخلوقة التي تعتقد بأن الرواية هي حديث عن المشاكل الاجتماعية كالطلاق والخيانة، ذكرتني بالسيد ظروفي كأول أديب مدرح عرفته في حياتي، وهو شخصية طريفة جدا من أدعياء الأدب والفكر الذين قد يكون عشقهم للأدب أصيلا، لكن قدرتهم على كتابته معدومة ومستحيلة، كان السيد ظروفي صحفيا، ويقدم نفسه دائما كصحفي مع أنه في الحقيقة مجرد راقن بجريدة، وحين كنا نلتقي بمقهى الآغا قبل إغلاقه كان يصر دوما على أن يقرأ لنا نصوصه  القصصية التي تجعلنا ندخل في هيستيريا ضحكلا ينتهي إلا بعد ان يرمقنا الحضور بنظرات استهجان واستغراب، لأنها غالبا ما تبدأ بداية رومانسية حالمة بأسلوب شفاف وتنتهي بمشاكله الاجتماعية كغريب عن العاصمة لا يجد مكانا للمبيت وحين يشعر بالتعب لا يستطيع الذهاب للفندق الحقير الذي ينام فيه لأن الفندق الذي هو في أصله حمام لا يفتح للزبائن إلا بعد الخامسة مساءا، وكانت كل قصصه تحكي بأسلوب  تقريري تلك المأساة اليومية التي يعيشها، ونظرا لكثرة شكواه من الظروف فقد أسميناه السيد ظروفي، وهو الإسم الذي أتذكره له بعد أن نسيت إسمه الحقيقي، وللعلم فالسيد ظروفي كان يؤمن بأنه يوما ما سيصبح كاتبا كبيرا لأنه قرأ مرة أن غابرييل غارسيا ماركيز كان يعيش نفس الظروف الصعبة، وتشبيه نفسه بماركيز مصيبة أخرى تنضاف لبلاويه التي لا تنتهي كأديب شاب وواعد حسب التعبير الساخر لأحد أصدقائنا.

الخميس، سبتمبر 01، 2016

الوحم الشيشة والسلفية

اتصل بي صديق من الفرقة الناجية، صديق قديم، قريب جدا لم يؤثر تحوله إلى سلفي متلحين على علاقاتنا التي بقيت خارج تلك التصنيفات الإقصائية، مع أنه أيضا لم يكن سلفيا بذلك المعنى المتجهّم، فقد ظل كما عرفته منذ أيام الثانوية ضحوكا فحشوشا يطرب لأحاديث البلاوي، خاصة لما تكون ضمن المجالس الحميمية الآمنة التي تجمعنا بين الحين والآخر. اتصل بي ودون أحاديث جانبية قال: نفحتلي على شيشة ودورت كل جيجل لم أجد محلا يبيع الرنجيلة، وحتى على الكورنيش لا أثر للخيم التي تقدم الشيشة هذا العام، ولأننا نملك ماض مجيد مع التشياش الذي بدأناه سويا قبل 11 سنة، كان يعتقد أنني الوحيد الذي أستطيع مساعدته في أمر الحصول على شيشة، وبما أنني انقطعت عن التشياش منذ سنين بعد انقطاعي عن التدخين فلم تكن لدي أية فكرة عن أماكن تواجد الرنجيلة. أنهينا الاتصال على أساس أنني اذا ما تذكرت أو عرفت شيئا يمكن أن يفيده في أمر نفحته سأعاود الاتصال به، غدا ليلا وبنفس التوقيت تقريبا عاود الاتصال لنفس الأمر، لكنه كان يبدو متوترا بعد أن جاب جيجل وضواحيها زنقة زنقة بحثا عن الشيشة دون فائدة، لكنه هذه المرة صارحني بحقيقة الأمر: المرا راهي تتوحم ونفحتها على شيشة واليوم قالتلي لو ما نجيبهاش غير ما ندخلش للدار. بعد وصلة ضحك أنهاها بقوله: واش يدير الميت في يد غسالو، أخذت الأمر بجدية باعتباره متعلق بالإبن المستقبلي لصديق العمر ولا يمكن التخلي عنه في مثل هذا الأمر، ولحسن الحظ كان العمدة، أخي الأصغر، قريبا مني واستمع للحديث وكان يعرف مكان تواجد الشيشة بإحدى المقاهي الشاطئية بتاسوست، فأخبرني وأخبرت صديقي السلفي الذي اتجه مباشرة لعين المكان وساهمنا جميعا في أنقاذ طفل لم يولد بعد من أن يولد مقعر الرأس على شاكلة قرعة الرنجيلا في حالة لم يتم تلبية طلبات أمه المتوحمة، المشكلة أن أختي الكبرى، التي كان يفترض أن تتفهم أمر التوحم أكثر منا، قالت ساخطة، بنات هاذ الجيل جاحو حتى في الوحم ديالهم، والله وجيت أنا في بلاصتو ما طاحتلها. قالت ذلك غاضبة فعلا بعد أن كانت تضحك لطرافة الموقف.

أساطير جزائرية: الزوالي




الزوالي شعار شعبوي،وهو إدعاء انتماء للذين قامت عليهم وبهم ومن أجلهم الثورة، ثورة الكادحين والفلاحين الذين مجدهم الخطاب الرسمي منذ الاستقلال باعتبارهم يشكون الجماهير التي قامت الثورة على أكتافها وقامت الدولة لخدمتها لاحقا، لهذا كان الانتساب للزوالية مفخرة من لدن الطامعين في المناصب والارتقاء السياسي أولئك القادرين على بيع الأوهام للشعب في المناسبات السياسية، فكل سياسي يزعم انه ابن زوالي، وكل من ارتقى يذكر أنه ابن زوالي كمفخرة، فالزوالي دائما فحل وما يرضاش الذل كما تقول الأغنية الشهيرة التي يدندن بها الزوالية الحقيقيين الذين يسهل على الطامحين والطامحين وأهل المصلحة أن يبيعوهم الوهم في كلمات تدغدغ رجولة مجروحة تحت وطأة الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يستنزف الكرامة يوميا.
الزوالي هو المقتنع بأن من حقه، ولو تحايلا، أن ينتفع من الخدمات الاجتماعية للدولة ( السكن، التعليم، العلاج، منحة التمدرس، قفة رمضان، منح الشيخوخة، والمعاقين والأمراض المزمنة ....الخ) وكل ما تمنحه الدولة لمواطنيها كنوع من التوزيع غير العادل للريع البترولي في مقابل ضمان ولائهم السياسي للنظام القائم، مؤمنا بأن كل ذلك هو جزء من "حقه في البترول". لهذا يكون الانتساب للزوالية وسيلة، تكاد تكون وحيدة بالنسبة للكثيرين، من أجل الحصول على ذلك "الحق" الذي يحتكر القريبون من مراكز السلطة والنفوذ الحق في أن يغرفوا منه وينتفعوا أكثر من غيرهم أضعافا مضاعفة ( قروض، رشاوي وعمولات، اختلاسات، ورواتب مضخمة ومدعمة بالمنح والعلاوات ...).
الزوالي أيضا هو ذلك الذي يرى في الوظيفة العمومية ( على هشاشة راتبها) مجرد شهرية وفي الشهرية حقه في الدولة، أو الريع الذي تحتكر حق توزيعه الدولة، لهذا يتحول الزوالي إلى مفهوم سوسيولوجي متجاوزا كونه مجرد توصيف لوضع اقتصادي سمته الهشاشة والبؤس تنتمي إليه فئات واسعة من أفراد المجتمع، إنه مفهوم مركزي في خطاب سياسي ظل لعقود متمركزا على الفلاحين والكادحين ( الزوالية)، أيضا مفهوم في سياق العلاقات الاجتماعية بين مختلف الفئات والطبقات التي تربطه بالقيم الريفية الأصيلية: الشرف، النيف، الرجلة ... كتعويض رمزي عن المهانة الواقعية التي يعانيها الزوالية، وهو تعويض قوي التأثير على العلاقة بين الطبقات، فالمجتمع الجزائري واحد من المجتمعات القليلة التي يستطبن فيها المواطن العادي، ذلك المطحون طبقيا في الكثير من المجتمعات، إحساسا قويا بالمساواة، لهذا نجد الأغنياء وأهل السلطة والمستربلون بالجاه والوجاهة أكثر تأكيدا على الروابط القرابية والجهوية "دون ترفّع" واضح على الفقراء وأهل منطقة الانتماء، هذا الوضع يعطي تفسيرا لعمليات الواسطة الكثيرة والمتعددة التي يقوم بها المتنفذون ومالكوا السلطة أو وسطاؤها لصالح أقربائهم ومعارفهم وأبناء منطقتهم، مهما كان مستواهم الاقتصادي، والأهم مهما كانت القرابة الدموية هشة، لأن الواسطة تقدم لابن الدشرة، ابن المنطقة، بغض النظر عن هويته.

عن الإسم

ث
بات الاسم، الإثم، الوشم، والصم الذي تشكل كلمة كانت هي المبتدأ فقالت التاريخ والمزايا والسجايا، وصفات الانتماء الذي يطيل كل واحد في شرحها وهو يتحدث عن الأصول العائلية التي ينتسب إليها إسما ودما. يظل ذلك الثبات رغم ما يعتريه من قدامة ميزة حداثية، والتغيير، كما يعاش افتراضيا عبر تغيير الاسم والهوية الافتراضية كل مرة تجديدا وهروبا من ماضي قصير لم يعد يعني صاحبه، يظل فوضى ما بعد حداثية حيث الدال يراوغ المدلول وينقلب عليه، وحيث الكلمات حمّالة أوجه لا تستقر على معنى إلا لتنقضه مرتحلة نحو معنى آخر يلوح لها من بعيد كعاشقة لعوب تغري بالوعد دون أن تحققه. ليس الثبات قدامة مرذولة، ولا الركون للمحدد آنفا وأبدا رجعية وانغلاق، حين يتعلق الأمر بالاسم، وصمنا الذي على الوجه، ورسمنا الذي على بطاقة الهوية، لا نكون بإزاء اختيارات كثيرة، فقط قد نبحث عن اسم رديف ليبقى الاسم الأصل متواريا حيث الرسميات وصدارة الشكليات المترصنة، الإسم وشم بادي للعيان ينهى عن النسيان وهو يؤبّد الهوية التي يحملها صاحبه، فالاسم كما وصفه النفري: مبتدأ الفتنة، وهو تمام اكتمالها حين يختصر الكل في كلمة تخبر عن التفاصيل كلها وتنوب عنها. ويبقى للاسم الثاني اسم الشلة، اسم الدلع اسم، العائلة الثاني الذي ينادى به الشخص تحببا، هو القريب من النفس هو حامل الدلالة الاجتماعية الأعمق وهو الأكثر لصوقا بالأنا حتى وإن راوغه نسيان، أو خالطه كذب وبهتان ونحن نتجاوزه إلى غيره حين ننخرط في بعض العلاقات العابرة التي نهيء لها اسما ووسما وصفات عابرة، مؤقتة، غير حقيقة، وإن كانت منا وفينا، تلك العلاقات العابرة التي نغيير فيها الاسم، نكذب في محددات الهوية لننخرط في النزوى واللهو مسكونين بإحساس العبور بين الكلمات التي نقولها ولا نعنيها، والوعود التي نعرف أننا لن نعمل على تحقيقها، فهي تقال فقط لذاتها، تقال لنزين بها بهاء اللحظة وجبروت النزوى التي تمضي إلى تمامها مجللة بالأكاذيب والوعود التي لا إسم لها.


الاثنين، ديسمبر 14، 2015

التنافر والانسجام


تكتب رواية البطل الإشكالي إنسانا يئن تحت العبء الوجودي للتنافر discordance مما يكسبه وعيا شقيا يجعله لا يلتقي بما يؤمن به في واقعه، فيكون البحث المستمر هو عنوان حياته الأبرز، على العكس من ذلك تكون الروايات الوجدانية والعاطفية متصالحة مع الواقع والتي ما هي في النهاية سوى إعادة إنتاج سردي لرؤية شعرية تستدعي التوافق concordance وتمجده. إنها تمنح راحة البال للقاريء، وهي لا تختلف كثيرا عن دروس وتعاليم التنمية البشرية التي تحل كل مشاكل الفرد في جملة عبارات، اختصارها أنت تستطيع. تلتقي هذه الرؤية التوافقية أيضا مع الرؤية الدينية ذات الطابع المعياري والتي غالبا ما تسوق حلولا جاهزة ومعلبة لكل المشاكل المطروحة على الفرد والمجتمع، وفي أحيان كثيرة حل واحد لمجموعة مشاكل تبدو متنافرة ولا رابط بينها. انها تنتج رؤى وتسوق خطابات مريحة، ومع أنها غير منتجة في الواقع الاجتماعي إلا كتسكين، إلا أنها مقبولة وغالبا ما يقبل عليها الأفراد ويتعاطونها كحلول مقدسة، ومقنعة، وهذا هو الغريب. على العكس من ذلك تقف الخطابات العلمية، وخطابات العلوم الاجتماعية خاصة التي تشترك مع تصور روايات البطل الإشكالي، في كونها فاقدة للثقة واليقين في القدرة على الجزم والوصول لنتائج لها طابع الديمومة، وبالتالي عاجزة عن تسويق ملاءمتها للواقع الاجتماعي ومشاكله وأزماته كخطابات مقنعة تحضى بقبول جماعي، رغم مردوديتها النسبية وقدرتها على إيجاد الحلول الجزئية والطويلة الأمد، الحلول التي لا تعبد الطريق إنما تشير إليه. تقف تلك الخطابات وحيدة مشكوك فيها ومنظور إليها بارتياب، ومجتنبة من طرف المجتمع الذي لا يبحث عن حلول يتعب في الوصول إليها والصبر على عنتها وتضحياتها، إنما تغريه الحلول الجاهزة التي تسوق في خطابات براقة تقنعه بأنه قادر ويمكنه أن يفعل، دون أن تأخذ بيده لمبتدأ الفعل ومسيرته لطويلة. حين نلاحظ أن روايات المنفلوطي وجبران خليل جبران وعبد الحليم عبد الله وإحسان عبد القدوس وغيرها من الروايات الرومانسية التي تصور عالما ممكن التمثل بسهولة لا تزال تقرأ على نطاق واسع من طرف أجيال متتالية في الوطن العربي، نفس الأجيال التي تحجم عن، وتتجنب الاقتراب من روايات بوجدرة وصنع الله إبراهيم وعبد الرحمان منيف نفهم أننا لم ندخل بعد زمن الرواية لأننا لم ندخل بعد زمن الحداثة. زمن البحث الذي لا ينتهي عن حلول مبتكرة وأصيلة لمشاكلنا وأزماتنا الفردية والمجتمعية.

الجمعة، نوفمبر 27، 2015

مصطلحات جزائرية: الزوفري


يقول المثل: ما يتهنى الزوفري من همو حتى يلقى البايرة اللي تلمو.
فالزوفري في المخيال لجمعي شخص منذور للبؤس والشقاء، وأقصى ما يمكن أن يحصل عليه من نعم ومتع الدنيا هو بايرة تمنحه بعض الدفء وبعض الأولاد الذين غالبا ما سيتبعون مسار أبيهم ويتشربون معاناته ويتوارثونها. كان ذلك المصير هو المسلك المتوقع والسائد الذي عاشت في ظل إكراهاته أجيال من الزوافرة منذ بدايات تشكل الظاهرة في الجزائر بعد 1870.
أصل الكلمة مأخوذ عن كلمة "ouvrier" الفرنسية التي تعني العامل، ولكنها بشكل أكثر تحديدا العامل اليدوي الذي يبادل عرقه وجهده بقوت يومه، لهذا ارتبطت في المخيال الشعبي بالأعمال الأكثر شقاء وتدنيا في سلم التراتبية الاجتماعية (الحمالون في الموانيء، العمال الزراعيين في مزارع الكولون، ولاحقا العمال المهاجرون في فرنسا والذين كانوا يشتغلون في المصانع والمنشآت التي تتطلب جهدا مضنيا في مقابل حصولهم على رواتب جد متدنية). تحول كلمة ouvrier إلى زوفري ارتبط بتحول في معناها أيضا، فقد صارت تعني على الأرجح الصعلوك، وفي بداية تفكيك البنى التقليدية للمجتمع الجزائري بعد 1871 كان الصعلوك هو كل خارج عن قبيلته، سواء مطرودا كعقوبة على ارتكاب جريمة أو جناية لا تغتفر، وهذا هو الغالب، أو فارا بسبب رفضه التأقلم مع نظام القبيلة الذي يقيد الحرية الفردية لأبعد الحدود. فالكلمة " استعملت من طرف عامة الناس لتشير إلى أولئك الأفراد الذين يغادرون قبائلهم في اتجاه مزارع المعمرين للعمل كأجراء، وهذا الطلاق بين الفرد وقبيلته والعيش بدون أسرة، جعلت نظرة القبيلة نحو هذا الفرد تتحول إلى نظرة سلبية وتحول معها مصطلخ "ouvrier " إلى " زوفري"، بمعنى الصعلوك أو المتسكع الذي خرج عن العادات والتقاليد وأخلاق القبيلة وأصبح يعيش حياة مختلفة عن تلك التي ترعرع فيها" . وفي الوقت الذي كان شعور الزوفري يزداد حدة بأن قبيلته قد تخلت عنه، وأنه صار فردا مفردا متروكا ليواجه مصيره وحده في عالم تسيطر على وسائل الإنتاج فيه قوة خارجية ( المعمرين، والإدارة الاستعمارية)، كان عدد كبير من الجزائريين يلتحقون بمزارع الكروم، ليس كأفراد كما كان عليه الحال سابقا في المرحلة الأولى لبروز أولئك الصعاليك، إنما كجماعات ذات انتماء قبلي واحد؛ وهم أولئك الذين انتزعت منهم أراضيهم وطردوا من السهول نحو الجبال القاحلة التي لم تكن قادرة، بسبب طبيعتها الجرداء والوعرة، على توفير لقمة العيش لعدد كبير من الأفراد لم يمارسوا طوال حياتهم سوى الزراعة والرعي، لهذا كان توجههم طبيعيا نحو المزارع الكبيرة التي كانت تزداد اتساعا ونموا بفضل التوسع في زراعة الكروم الذي يعد ركيزة الاقتصاد الكولونيالي في الجزائر، ليتحولوا إلى زوافرة وخماسة، ويتجه بعضهم ليصيروا عمال يدويين وحرفيين في المدن التي أنشأها الاستعمار، وخاصة في الموانئ كحمالين وبنائين، وعمال (زوافرة ) المدن هم الذين سيشكلون النواة الأولى للمهاجرين الجزائريين في فرنسا، والذين أخذ عددهم في التزايد بشكل ملفت منذ الحرب العالمية الأولى، وفي أوساطهم ستنشأ وتتطور الوطنية الجزائرية الراديكالية المطالبة بالاستقلال مع حزب نجم شمال إفريقيا وحزب الشعب لاحقا .
وما يجدر الإشارة إليه في سياق الحديث عن الزوفري كفاعل أساسي في تشكل الوطنية الجزائرية، هو أن المناطق التي انتشر فيها الزوافرة واستقروا بشكل كبير بعد أن أوجدت الظروف المشتركة بينهم رابطة انتمائية قائمة على التضامن، كسهول المتيجة التي طردت منها القبائل الأصيلة التي كانت تسكنها واستولى عليها المعمرون وصارت تحتوي على مزارع شاسعة تحتاج لأيادي عاملة كثيرة ودائمة، هي مناطق غابت عنها بعد الاستقلال البنية القبلية، وكان لهذا الغياب نتائج كارثية خلال عشرية التسعينات، حيث أن أغلب المجازور الجماعية " تركزت بالدرجة الأولى في هذه السهول والمناطق المجاورة لها لأن الفرد هنا... اكتشف حقيقة الأب الروحي [الداعية، صاحب المشروع السياسي المستمد من الشريعة] ووجد وسيلة للتعبير عن التضامن الاجتماعي في مفهوم الجهاد الذي يلغي كل التفرقة بين الأفراد والقبائل" فالكل سواسية، وهذا تعبير معكوس عن رغبة انتقامية دفينة من القبيلة التي حرمته دفء الانتماء في مرحلة سابقة، فالأصول المعروفة والقرابة المعترف بها، والمصانة ضمن قيم تضامينة شديدة الإلزامية، غالبا ما شكلت ذرع حماية للأفراد من الزيغ الاجتماعي..


السبت، نوفمبر 21، 2015

فضاءات مفتوحة ووعي منغلق




في المدن الكبيرة هناك ما نسميه بالغفلية المدائنية، أي ارتخاء الرقابة الاجتماعية على المرأة التي تجد حرية الحركة والفعل بعيد عن نظرات الإدانة التي تترصدها في محيطها الضيق وتعقب كل تصرف قد يوصف، أو يتم تأويله لاحقا، بأنه تصرف غير محترم أو طائش. في المدن التي يزيد فيها عدد النساء العاملات بنسبة كبيرة، وتتمتع فيها نساء الطبقات الوسطى بوضع امتيازي مقارنة بنساء الطبقة الوسطى فيالمدن الصغيرة والأرياف، تجد المرأة نفسها أكثر تحررا، وبالتالي أكثر رغبة، في بناء علاقات جديدة، وأحيانا علاقات متعددة، أو حتى متعارضة: علاقات مهنية، علاقات صداقة، علاقات حب، نزوات، دون أن تشعر بأنها مهددة بدفع ثمن باهظ مقابل انخراطها في بعض تلك العلاقات، خاصة في الحالات التي تتخللها علاقات جنسية. إن المرأة في ظل هذا الوضع المرتخي رقابيا، تتجه نحو تبني أخلاقيات وقيم ذاتية بعيدا عن القولبة التي يمارسها الضبط الاجتماعي، وهذا ما يجعلها تعمل، إنطلاقا من تجارب خاصة وما ينتج عنها من وعي، على بناء علاقات ذاتية مع جسدها التي تشعر، كلما حضيت بوضع اقتصادي أفضل وكلما ابتعدت أكثر عن الرقابة الصارمة للجماعة ( القبيلة، العائلة، الأهل ...)، بأنه ملكية خاصة بعيدا عن التنميط الاجتماعي شديد القوة للجسد الأنثوي في المجتمعات ذات الثقافة التقليدية كمجتمعنا الجزائري، وهذا الوعي المحدث بالجسد الذي ساعدت الفضاءات الحضرية المفتوحة وثقافتها على تشكيله يجعل المرأة نفسها، ورغم ما صارت تتمتع به من حرية ومن وضع اقتصادي يتيح لها إمكانية الاستقلال التام عن العائلة، تشعر بمأزق نفسي إزاء تصوراتها المحدثة التي انبنت نتيجة سيرورة غالبا ما تبتديء من مرحلة الثانوية وتتعزز مع انتقال المرأة للعمل وتموضعها في المجال العام كعضو فاعل ومستفيد مما يتيحه ذلك المجال ( الذي هو الفضاء المديني المفتوح) من إمكانات لتحقيق الذات بشكل مستقل عن العائلة وجماعات الانتماء القرابية، مأزق ينتج بسبب قوة التربية الأبوية التي تجعل المرأة تعيش انفصاما بين فضاء مفتوح في الخارج بكل ما يتيحه وما يسمح به، وفضاء مغلق نسبيا داخل المنزل رغم ارتخاء قيمه القامعة للمرأة بسبب وضعها الاقتصادي غالبا الذي يمنحها قوة اتجاه الأبوية التي يمثلها الأب والأخ داخل المنزل. هذا المأزق النفسي غالبا ما يؤدي إلى نكوص وردة إزاء التصورات المحدثة التي اكتسبتها الفتاة في عشرينياتها الصاخبة، فكلما تجاوزت البنت سن الثلاثين صارت أكثر ميلا للاحتماء بالعائلة وأكثر شعورا بالحاجة إلى إرضاء القيم العائلية التي لا تزال تساهم بشكل كبير، رغم قوة التحديث داخل المدن خاصة، في تشكيل وعي بالتبعية لدى المرأة الجزائرية، تبعية لا تشعر الجزائرية بالأمان إلا في ظلها. هذه التبعية التي تجد لها جذورا نفسية عميقة لدى الفرد الجزائري عامة، كرسها قيم تربوية شديدة القوة والنفوذ لأنها تنتمي للأصل وللهوية الحاضنة لميولات ورغبات الأفراد مهما تشتت واتسع نطاقها، هي التي تعطي تفسيرا لواقع اجتماعي يبدو للناظر من خارج المجتمع الجزائري بأنه متناقض أو غير سوي واقع يخبرنا بأن هناك عدد كبير من النساء العاملات والمستقلات اقتصاديا بشكل تام، في مقابل عدد قليل جدا من النساء المستقلات عن العائلة في مجال السكن. فالمرأة صاحبة بيت مستقل تقيم فيه لوحدها، هي عادة غير جزائرية رغم توفر كل الظروف التي تجعلها ممكنة.

الجمعة، يونيو 19، 2015

الزواج المأزوم


هناك حالة من التذمر وعدم الشعور بالرضا التي تنتشر بقوة وتتزايد لدى فئات واسعة من النساء المتزوجات حديثا، وبالتالي فشل الكثير من الزواجات، حيث لا الرجل راضي عن زوجته ولا هي راضية عنه، لقد تغير وعي كل واحد اتجاه علاقته بالأخر لصالح نزعة تمجد شيئا من الحرية والاستقلالية والرغبة في خلق مساحة للحياة الخاصة، تكون للفرد وحده دون شريكه ( زوجه)، رغم كون هذه الرغبة في خلق تلك المساحة غالبا ما ينظر إليها من طرف الشريك كتمرد وكخروج عن القالب المتصور مسبقا للزواج ولدور كل طرف فيه ولمدى التشارك المطلوب، إن الزوج خاصة، ينظر لتلك الرغبة في الخصوصية التي تبديها زوجته كنوع من " الخيانة" أو كأحد الأسباب التي يمكن أن تؤدي إليها، لهذا ينظر بارتياب شديد لهذا الأمر خاصة في بداية العلاقة عبر الخطوبة وسنة الزواج الأولى قبل مجيء الأطفال الذي سيغير الكثير من الأمر.
لكن ما يعمق الأزمة بين الطرفين هو كون الإثنين لا يعبران صراحة عما يريدان، بل، وهذا هو الأسوأ، يقولان عكس ما يضمران، وما يرغبان فيه فعلا وحقا، حيث لا يعترفان ولا يتصارحان بما يريدان خوفا من سوء التأويل، وإساءة الفهم التي قد تعمق المشكلة التي يحس كل طرف في بداية العلاقة بأنها أصلا عميقة وتهدد بشكل جدي استمرارية الزواج، لهذا نجد أن المرأة تتحدث بصوت جدتها ويتكلم الرجل بعقل أبيه، لكن كل واحد منهما يسلك سلوكا مغايرا لما يقوله، وينتظر من الأخر أن يكون صادقا فيما يقول ومخلصا لما يعلنه من أفكار والتزامات،دون أن يشعر هو أنه ملتزم بتنفيذ قوله السابق.
هذه إشكالية المجتمعات التي تعيش حداثة هجينة، تمجد الماضي قولا وتتجاوزه فعلا، وتحاكم فعل الحاضر بقيم الماضي، وهذا ما يخلق الأزمة التي تتعمق وتفتت الكثير من العلاقات التي كانت في الماضي تحضى بديمومة ومتانة لا يطالها تصدع، وصارت الآن هشة وتجابه دوما بعدم الرضا والتذمر من مختلف الأطراف الذين يشكلون أطراف تلك العلاقة، خاصة في موضوع الزواج، فكل امرأة تقبل فرحة على عش الزوجية غالبا ما تصاب بخيبة ولا يمضي عام حتى تبدأ في البحث عن تنفيس لتلك الخيبة قد يكون الطلاق وقد تكون المشاكل التي لا تنتهي وقد يكون قمع رغباتها وتطلعاتها بشكل حاد، وقد يكون شيء من البراغماتية التي ترضي الزوج في البيت وترضي رغباتها في الخارج بما في ذلك الخارج الافتراضي، وعلاقاتنا الفايسبوكية تطلعنا يوميا عن الكثير من حالات الخيبة ومن النساء المتذمرات، كما تطلعنا على الكثير من الرجال الخائنين والذين حسموا أمرهم بأن الزوجة صارت تعني بيت وطبخ وأولاد وأنه لم يعد قادرا على الالتزام اتجاهها بأكثر من المتطلبات البيولوجية والتمظهر الاجتماعي، أما نفسيا فإنه يبحث عن ملاذ وسلوى بعد خيبته في الزوجة التي لم تكن كما توقع وانتظر. هذه الحالة المتشنجة غالبا ما تكون بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية وهشاشة التكوين النفسي للكثيرين، سببا في انتشار الطلاق كظاهرة في طريقها للتطبيع في المجتمع الجزائري الذي لم يعد ينظر للمرأة المطلقة كأنها فضيحة كما في السابق، بعد أن صار عدد المطلقات والمطلقين يتزايد بشكل كبير وملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خاصة في المدن وبين فئة النساء المتعلمات / المتطلعات اللواتي يتمتعن باستقلال اقتصادي يجعلهن يشعرن بكرامة زائدة اتجاه العلاقة الزوجية التي تبدو لهن، بشكلها الحالي الذي ينتظم ضمن قيم ماضوية رغم حداثة مظهره، مبنية على امتهان للمرأة واحتقار لدورها كشريك في بناء الأسرة، خاصة مع تزايد مساهمتها في الجانب الاقتصادي للأسرة، وهذا ما يعمق حالة عدم الرضا والتذمر والشعور بالخيبة التي لا تستطيع الأمهات والجدات، تفهمها وقبولها لأنهن لم تشعرن بها في السابق، حيث كانت طبيعة العلاقة واضحة والأدوار لا خلاف حولها ولا اختلاف في تفسير طبيعتها.

الجمعة، أبريل 17، 2015

أساطير جزائرية: اللي قرا قرا بكري


مالذي يجعل التعليم منبودا بهذا الشكل من لدن فئات واسعة من الجزائريين، حتى "عامة المتعلمين" أنفسهم لا يثقون أنهم يمتميزون، نتيجة ما يكتسبونه من معارف، عن غيرهم من الذين لم تتح لهم فرصة تحصيل تعليم مقبول، فالجزائري يؤمن بأن اللي قرا قرا بكري، دون أن تكون فكرة تجاوز العلم كخبرة مكتبسة وذات مردودية مجتمعية واضحة في وعيه، فهو عاجز عن تحديد مرجعية زمنية لهذا " البكري"، إنه لا يفكر في الأمر أصلا ولا يتعب نفسه في طرح التساؤل الجوهري حول الفرق الأساسي بين الآن وبكري، ولماذا قراية ( تعليم) الآن مرفوض اتكاءا على قراية زمان ؟. فتعليم زمان هو المرجعية وهو الأصل وهو المبتغى أو ما يجب أن يتسم به المتعلم ويحصله من معارف، ومن ثم ما يستطيع تأديته من وظائف اتكاءا على ما حصله من تعليم، دون أن يكون للفرد المتلفظ بهذا المثل دراية عن طرائق التعليم زمان وعن طبيعة المعارف المقدمة للمتعلم، ولا عن الدور الذي يشغله لمتعلم في المجتمع، إلا ما كان من تصورات بسيطة ومسطحة عن مكانة " الطالب " في المجتمع، والتي هي مكانة تبجيل وتقدير مجتمعي نتيجة ما يمتلكه هذا " الطالب " أو المتعلم من معارف دينية "بسيطة" تساعده على تبؤ صدارة بعض التجمعات، كالصلاة بالناس أو الخطبة وتفسير بعض الأحاديث وأحكام الدين الحنيف، وهي وظيفة جد خطيرة ولكنها بسيطة بساطة المجتمع التقليدي الذي لم يكن بحاجة لما نسميه الآن " القراية " أي نظام تعليمي يلبي احتياجات المجتمع لليد العاملة المؤهلة للقيام بوظائف متشعبة ومتنوعة وتتجاوز في معظمها العمل اليدوي الذي كان هو السائد في المجتمعات التقليدية التي كان " الطالب " يعد من نخبتها وممثلا للمعرفة فيها؛ المعرفة التي يشكل العلم الديني عمدتها. فمفهوم العلم قديما، وخاصة في المجتمعات المسلمة التي لم تعرف ازدهارا حضاريا كالمجتمع الجزائري، كان يعني حصرا العلم الديني وما يتفرع عنه من معارف تكون مساعدة له حتى وإن بدت في الظاهر مستقلة عنه كالرياضيات التي كان تدريسها يتم لغاية ديمية جوهرية وهي تلبية حاجيات "الفريضة " أو تقسيم المواريث، فالمفهوم المعاصر للعلم في العربية لم يكتسب وجوده إلا منذ فترة ليست بالطويلة، مما يجعل العودة إلى المعنى الأصلي والقديم لكلمة علم، عودة للأصل، وهي عودة تنفي ضمنيا، الدور الحديث للعلم المعاصر الذي يعانق المجتمع والناس وآفاق الكون، ملقية به في أحضان الدين الذي يتحول في حالتنا الجزائرية الراهنة، التي تحاول إرجاع العلم الحديث إلى الأصل الديني القديم من خلال المثل: " اللي قرا قرا بكري "، إلى مصدر شرعية ذات طبيعة متعالية ومرجعية لا يمكن لأي علم ينفي الانتساب إليها بشكل قاطع وأخذ بركتها، أن يحضى بقبول جمعي من لدن أفراد المجتمع، لهذا يكثر عندنا كعرب القرن العشرين والواحد والعشرين مفهوم التأصيل كلما تناولنا علما من " علوم الغرب" التي استطاعت النفاذ إلى منظومتنا التعليمية والجامعية، والتأصيل عملية علمية تؤديها النخب الأكاديمية كرد فعل على الإنكار الاجتماعي الذي تجابه به "العلوم الوافدة"، وكتأكيد على الأصالة والعودة نحو أصل نعتقد أنه موجود في الماضي فإن لم نجده اختلقناه ارضاءا للنزوع الماضوي لشعب لا يزال يصر بأن اللي قرا قرا بكري.
ذلك الأصرار على ماضوية غير محددة الصفات ولا واضحة في وعي من يصر على العودة إليها، تنفي عن المتعلم أية مشروعية ومن ثمة تجعل دوره الاجتماعي منفصل بشكل تام عن الدور الذي لعبه المتعلم منذ قرن فقط، وهذا الانفصال هو منبت التشكيك في جدوى ما يتعلمه هذا الفرد وما بتكسبه من معارف، مادام الوعي الشعبي مشدود نحو النموذج والمثال القابع في الماضي مجللا بالأبهة والوقار والتبجيل الذي يجعل أنموذجيته حقيقة لا يطالها التشكيك في وعي عامة الناس الذي يحتقب معاني خاصة محمية بهالة من التبجيل ومحاطة بتصورات عن نجاعتها الاجتماعية تجعلها طابو لا يمس. تلك النجاعة التي كانت مؤكدة وحقيقية في فترات سابقة لكنها فقدت إمكانية الوجود في حاضرنا دون أن تفقد انموذجيتها في المخيال الجمعي الذي يتكيء عليها لإدانة مخرجات الحاضر المتهم كمنظومة بالمروق والهرطقة مقارنة بالماضي الأليف والحميمي والفردوسي الذي يعيد المخيال الجمعي إنتاجه بشكل مستمر مصبغا عليه كلما تباعد الزمن صفات لم تكن فيه. 
في الوعي الشعبي الجزائري ارتبط العلم وما يتفرع عنه من عمليات اجتماعية: تعلم، تعليم، خطابة، فتوى، طبابة ... بغايتين: وجاهة دنيوية وحسن عاقبة في الآخرة، وهذا التصور المغرق في تقليديته يمزج العلم بالدين ويجعل من الأول خادما للثاني، فالمتعلم إلى وقت قريب كان هو " الطالب " بالمعنى الدارج للكلمة والتي تعني بشكل يكاد يكون حصريا طالب العلم الشرعي أو حافظ القرآن، وهذا المعنى الذي اتخذته الكلمة يرجع إلى طبيعة نظام التعليم في الجزائر، الذي كان، ولقرون طويلة، يضم العلم الشرعي وما يتفرع عنه على رأس المعارف التي يتم تلقيها وتداولها بين طلاب العلم. وهذا النظام التعليمي الذي استمر لقرون طويلة قبل أن تهدمه تدريجيا المدرسة الفرنسية، وتقضي عليه بشكل كامل المدرسة الجزائرية عقب الاستقلال باستثناء ما ظل يسمى بالتعليم الأصلي والذي حافظ على غايته الدينية من خلال بقائه تابعا لوزارة الشؤون الدينية بدل وزارتي التربية الوطنية والتعليم العالي من جهة، ومن جهة ثانية حافظ على مخرجاته التي لم تتعارض من التصور الشعبي عن "الطالب" الذي يتعلم الأمور الدينية من أجل تثقيف المجتمع دينيا، وهو الدور الذي يقوم به الأئمة والمرشديين الدينين من خريجي معاهد التعليم الأصلي، في الوقت لذي سارت فيه المدرسة في اتجاه " علماني " قطع بشكل حاد مع نظم التعليم القديم الذي توطد مؤسساتيا ومخياليا خلال الفترة التركية من تاريخ الجزائر واستمر كنوع من المقاومة خلال الفترة الاستعمارية، وطبيعته المقاومة والتي رسختها جمعية العلماء المسلمين، هي التي وطدت مكانته التي تمس في المخيال الجمعي، ومن ثم تحوله، أي التعليم القديم تاع بكري، إلى مرجعية ونموذج شديد التعارض مع طبيعة التعليم الحالي ذو الطبيعة العلمانية غير المعلنة، وذو الأهداف المتجاوزة بشكل كبير لأهداف التعليم القديم، وهذا ما يجعل مقولة: اللي قرا قرا بكري تكتسب مشروعيتها في الوعي الشعبي الجزائري كأسطورة تؤثث سلوك الجزائري في الحياة اليومية.

أساطير جزائرية: بنت الفاميليا

كانت جداتنا تتحدثن عن بنت الأصل وصرنا نحن نتحدث عن بنت الفاميليا، وبين الأصل الذي يحيل على النسب والعائلة الممتدة وانتمائها القبلي والعشائري وما تمنحه من مزايا للمنتسبات إليها، وبين الفاميليا التي تحيل على نزعة عائلية صغيرة وانتماء يكاد يكون مقطوع الجذور عن ماضيه الأبعد من جيل وعن جغرافيته التي طوحت بالكثير من العائلات بعيدا عن أرض الانتماء "الجدودية" فرق الزمن وفرق الرؤيا، وفرق القيم التي تبدلت وتغيرت وانقلبت على أصيل الماضي فعلا محتفظة بدعوى الانتماء إليه قولا.
تحضر بنت الفاميليا في مخيالنا الجزائري كأسطورة ندعي واقعتيها أكثر مما نلتقي بها فعلا وتمثلا وسجايا ونبل خصال؛ إنها، في تصوراتنا القمعية، الطاهرة التي تتحصن بعفة الجسد وبراءة القلب من أدران الغرام وخيبات الهوى. هي في تحديد الصفات: محمودة النسب، مقبولة الجمال، عارفة بالتدبير، وهي سند الرجال إذا ما غدر الزمان، وهي، بالأساس، حافظة الشرف وحاملة ثقله: شرف العائلة وهي بنت، وشرف الزوج وأهله وهي أم وزوجة، دون أن نفهم من الشرف الذي نتحدث عنه أكثر من معنى العفة بمعناها الضيق الذي يحيل مباشرة على انعدام الخبرة الجنسية قبل الزواج وعلى الوفاء الجنسي بعده، وفي تحديد أكثر تضييقا لدى البعض: إنعدام المعرفة الجنسية. فالجزائري المأزوم الرجولة يؤمن، حين يتعلق الأمر بالمرأة والجنس، أن مصدر المعرفة هو التجربة، وهي القناعة التي ترمي بالعارفات بأمور الغرام ولواعج الوصال خارج دائرة بنات الفاميليا حتى لو لم يمسسهن إنس ولا جان.
بنت الفاميليا في عرفنا الجزائري هي غاية الباحثين عن الظفر بالزوجة الصالحة، وهي مطمح وأمل كل الرجال الخلاطين الذي فقدوا، نتيجة تخلاطهم، الثقة في النساء، ولأن بنت الفاميليا صارت لا يظفر بها كما لا يظفر بكل ما هو نادر وغير متاح بوفرة، إلا قلة ممن ترعاهم " دعاوي الوالدين " وتسدد خطاهم النوايا الطيبة وإن خالطها سوء الفعال.

الرواية والمدينة


يقول عبد الله العروي: تهدف الرواية الواقعية الغربية إلى الكشف عن بنية المجتمع من خلال تجربة فردية تتمثل في سلسلة من الانتصارات والهزائم الظاهرة والخفية، الاجتماعية والنفسانية، هذا هو موضوعها المفضل، وهو موضوع غير متوفر في المجتمع العربي بسبب الإلتحام وتحجر هياكله ".
يحيلنا العروي على وضع إجتماعي عربي شديد المغايرة للوضع الإجتماعي الغربي الذي أعطى الرواية الغربية موضوعها الأساسي: تجربة فردية كاشفة للبنية الإجتماعية يتعين هذا الوضع الإجتماعي المغاير في البنية العربية بغياب الفردانية كمفهوم وكسلوك، ويخبر عن إلتحام إجتماعي لا يزال شديد القوة رغم التضعضع الذي أصابه نتيجة التحديث القسري للبنى التقليدية في مجتمع لم ينجح بعد في إنشاء المدينة كفضاء وقيم حاوية ومنتجة لأشكال التعبير النثرية المعقدة كالرواية. فالمدينة العربية الحديثة وبعد قرن ونصف من بدايات الإنوجاد ( توسيع الخديوي إسماعيل للقاهرة وتخطيطها على طريقة المدن الغربية وبهياكل متشابهة) رغم التطور في التخطيط والتعالي في العمران بشكل مبهر أحيانا لم تنجح في، ويبدو أنها لا تنوي خلق قيم مدينية، تلك القيم التي تتعين بالحرية الفردية وبالديموقراطية وحرية التعبير وسيادة القانون وتموضع المؤسسات في قلب العلاقة بين الأفراد وبعضهم البعض من جهة والأفراد والدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى تموضع الآداب والفنون في صلب اهتمامات الأفراد، وقيام المؤسسات الثقافية ( المكتبات، دور السينما، المسارح، المتاحف، دور العرض ...) بلعب دور الوسيط بين منتجي السلع الثقافية ومستهلكيها من الأفراد والجماعات.
إن تلك التمظهرات للوعي المديني غير موجودة في المدينة العربية إلا بشكل استعراضي شكلاني يدعي ما لايؤمن به، فالمواطن العربي يسكن المدينة لكنه يتعامل معها بوعي ريفي أو بوعي سكان الضواحي الذين يحرصون على الإلتحام الأسري والقبلي والجهوي مكونين شبكة اجتماعية تحفظ المصالح وتدعمها وتدمج الأفراد ضمن منطقها. شبكة تجعل الفرد يتعامل مع المؤسسات لكن بتجاوز منطق المؤسسة الذي يفترض العقلانية والموضوعية والمساواة بين الأفراد وفق نمط معياري مؤطر قانونيا يحدد الحقوق والواجبات. فالفرد العربي وهو يقصد مؤسسة ما لقضاء حاجة، غالبا ما يقصد من يعرفه في تلك المؤسسة أو من يمتلك النفوذ الكافي لتمكينه من قضاء حاجته في المؤسسة المقصودة حتى لو كان غير مسموح له قانونيا بتحصيل المنفعة التي قصد المؤسسة لأجل تحصيلها، وغالبا ما يكون الفرد المقصود لتقديم الخدمة مندمج ضمن شبكته الاجتماعية أو ضمن شبكة أخرى مستعدة لتبادل خدمات مع شبكات موازية، وهذا الوضع الغير عقلاني والذي يقضي على كل معيارية في تعامل المؤسسات يجعل هذه الأخيرة تفقد دورها كوسيط حيادي بين الأفراد وبين الأفراد والدولة.
إن المناخ المذكور أعلاه الذي يسم المدينة العربية بسمات، ويزودها بقيم غير مدينية هو مناخ غير روائي لأنه معادي لروح المدينة وثقافتها، ولهذا نتساءل مع العروي: " هل يحق لنا رغم هذا أن نوظف شكلا صالحا للمركز لنصف به الضاحية؟! " أو لنكتب عبره حياة ومنطق وثقافة الضاحية؟

الأربعاء، مارس 18، 2015

لماذا يعادي المجتمع بعض النصوص الإبداعية؟!

نحن كقراء، لا نتخذ موقفا سلبيا، عدائيا أو متحفظا من نص ما نتيجة قراءة مغلوطة أو سوء فهم لمعناه الحرفي، أو إمكاناته التأويلية. فتلك حجج نخبوية لها غاياتها التي أساسها الظاهر الحرية، وباطنها رمي لكل مخالف إيديولوجي بقصور الفهم والعجز عن إدراك مرامي النص نتيجة القراءة المغلوطة التي سببها افتقاد أدوات الفهم والتأويل، وهذه حجج نخبوية يتم ترديدها باستمرار دفاعا عن النصوص والكتاب أمام " غضبة الجماهير " التي يكون سببها غالبا تنديد بعض القراء بنص ما أو كاتب معين وتلقف فئات واسعة من المواطنين لذلك التنديد وتبنيه كموقف شخصي اتجاه النص أو الكاتب.
جوهر القضية هنا يتمثل في السؤال التالي: مالذي يدفع فئات واسعة من المواطنين لا علاقة لها بالأدب والفكر وليسوا من جمهور القراء إلى تبني مواقف عدائية اتجاه نص أو كاتب معين؟

الأمر هنا مرتبط أساسا بمقدار اللاتوافق الذي يحمله النص المندد به مع قيم الجماعة ومكونات هويتها التي ترى أن المساس بها هو اعتداء لا يمكن السكوت عنه، وهذا اللاتوافق  غالبا ما يكون واضحا ولا يمكن للكاتب أو أنصار النص المندد به الدفاع عنه بحجة التأويل وطبيعة النص التخييلي وغيرها من الحجج التي تتكرر عند كل أزمة مشابهة، هنا يلعب الوسطاء الذين يتصدرون للدفاع عن قيم الجماعة دورا حاسما في التجييش من خلال تقديم قراءة مجتزأة وموجهة نحو ما يقدمه النص من دلائل على مقدار اللاتوافق المذكور، فتنتشر المقتطفات من النص ويتم استحضار النصوص السابقة في حالة احتوائها على تعارضات أخرى مع قيم الجماعة كما تتداول التصريحات على نطاق واسع. كل ذلك من أجل تكوين ملف إدانة يتم توظيفه غالبا بشكل يتجاوز النص أو الكاتب ويمضي نحو غايات سياسية وصراعات ايديولوجية بين النخب والتيارات التي لا يخبو الصراع بينها وينتظر هكذا اهتمام شعبي لتسجيل نقاط ضد الخصوم، كما أن ذلك الغضب الشعبي غالبا ما يكون خادما للكاتب المغضوب عليه من الناحية التجارية ومن ناحية الحضور أكثر داخل الحقل الثقافي الذي يبدي اتجاهه تضامنا وحسدا في نفس الوقت. فالنصوص الأدبية غالبا ما تكون مسرحا للصراعات والمعارك الإيديولوجية، وتلك خاصية سوسيولوجية لصيقة بطبيعة الأدب.

الجمعة، مارس 13، 2015

قوانين قمعية بلا سند اجتماعي



يبدو أن الذين وضعوا قانون العقوبات الجديد المثير للجدل لم يراعوا، أو ربما هم لا يعرفون، طبيعة المجتمع الجزائري الذي تشكل مركزية الرجل لبنة أساسية في طبيعة علاقاته، وهي مركزية مكرسة من طرف النساء أنفسهن أكثر من الرجال، لهذا يبدو أن النساء اللواتي وضع هذا القانون لصالحهن في ظاهره هن أكثر من سيتضرر منه، لسبببين: أولا وعلى عكس معظم القوانين المتعلقة بالأسرة ذات الطبيعة التنظيمية يتخذ هذا القانون طابع قمعي مما يولد الحنك والشعور بالضيم والتمييز لدى فئات واسعة من الرجال. ثانيا أن طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع الجزائري والمسيّجة بالطابهوات العائلية التي ترى في الخلافات العائلية أمرا خاصا لا يخرج للمحكمة إلا في حالات نادرة، تجعل منه قانونا دون تطبيق في غالب الأحيان من جهة، ومن جهة ثانية فالتحرش فعل  يصعب إثباته قانونيا، بله كون الحديث عنه بشكل علني يدخل بدوره ضمن الطابوهات العائلية التي يبدو أن هذا القانون قد أتى بشكل خاص لأجل تفكيكها، مع أن تفكيك بعض هذه الطابهوات المحمية بترسانة قيم وأخلاقيات مجتمعية وثقافة أبوية لا تزال تحضى بمقبولية كبيرة من لدن الجنسين، يعد بمثابة تفكيك للأسرة نفسها لأنه يفرض سلم علاقات لا تسنده الثقافة والقيم السائدة في المجتمع، بل وتعتبره شاذا، لأن المجتمع وثقافته وقيمه لم تتطور بعد للدرجة التي يحدث فيها نوع من التوافق حول مجموعة مفاهيم أساسية لوجود وتطبيق سليم لمثل هكذا قوانين، مثل مفهوم الحرية الشخصية والفردانية والمجال العام وما تنتجه هذه المفاهيم من ترسيخ لقيمة العدالة والمساواة بين الجنسين ليس على المستوى الخطابي والقانوني كما هو حاصل في الجزائر الآن وبالشكل الذي تسعى الجمعيات النسوية ومن يقفون خلف هذه التشريعات إلى ترسيخه، إنما بشكل أعمق يستند إلى واقع اقتصادي يمنح المرأة استقلالية أكبر بكثير مما تتمتع به الآن من استقلالية اقتصادية هشة، وواقع قيمي، وهذا هو الأهم، لا يدين المرأة بأنوثتها، ولا يعتبر جسد المرأة ملكية عائلية.
لهذا أتصور أن هذا القانون قد أتى من أجل تعميق أزمات مجتمعية مزمنة وعويصة كأزمتي العنوسة والطلاق، فشعور المرأة بأنها محمية و" محرضة " قانونيا يجعلها تتجاوز الدور الذي تحدده القيم والثقافة المجتمعية لها داخل الأسرة بشكل يؤدي إلى تزايد الصدامات العائلية مما سيؤثر بشكل كبير على الإستقرار الأسري الذي يعاني، نتيجة ضغوطات اقتصادية ونتيجة الحداثة المرتبكة التي ينخرط فيها المجتمع، من هشاشة تتجلى في ارتفاع متزايد لنسب الطلاق خاصة بين المتزوجين حديثا، من جهة أخرى ستسهم الطبيعة القمعية للقانون في الإحجام المتزايد عن الزواج من قبل الشباب مما يفاقم من مشكلة العنوسة في المجتمع، وقد سبق لي وتحدثت عن الأسباب القيمية والثقافية للعنوسة في مجتمعنا، بعيدا عن التفسير السطحي والمختزل للظاهرة والذي يرجعها إلى أسباب اقتصادية وإلى غلاء المهور وما إلى ذلك من أسباب قد تشكل جانب من محددات المشكلة لا غير.

conter