الاثنين، ديسمبر 28، 2009

عن الدين و السياسة

السبت، ديسمبر 05، 2009

الأمة العربية


الأحداث الأخيرة كشفت الكثير مما كنا نخفيه تحت الشعارات البراقة التي تتحدث عن الأخوة والعروبة والمصير المشترك، لندرك وبسبب مباراة في كرة القدم أن الكثير من الثوابت والمقدسات التي تربت عليها أجيال بأكملها لا يمكن أن تصمد أمام أحداث صغيرة كان يمكن التصرف معها بشكل مختلف عما حدث.
كنت في بداية الأمر لا أريد الدخول في هذه العاصفة رغم أن قوة الجذب كانت شديدة وقادرة على استدراج أي شخص يرى أن له ما يقوله (حق أو باطل )، لأن أهم ما ميز الحرب الإعلامية الأخيرة هو غياب العقل لدى كلا الطرفين الذين داس كل منهما على مقدسات كان يجب أن تظل بمنأى عن التجاذبات الظرفية التي تحدث بين الدول والشعوب العربية بين الفينة والأخرى.
قد يرى البعض أن الأحداث الأخيرة ساهمت في خلق إحساس عارم بالوطنية لدى كلا الشعبين الجزائري والمصري، وكشفت عن ترابط والتفاف نادرا ما يحدث بهذا الحجم حول قضية واحدة صورت على أنها مصيرية، هذا شيء ايجابي وهو واقع لا يمكن انه إنكاره رغم أن هذا الالتفاف وصحوة الوطنية ما هو سوى إحساس ظرفي سرعان ما يزول حين نعود ليومياتنا البائسة التي لا نكف عن التبرم والشكوى منها لأنها لا ترضي احد.
هذا على المستوى القطري لكل بلد، حيث نجحت الأنظمة الحاكمة هذه المرة على التماهي مع طلبات ورغبات شعوبها، أما على المستوى القومي، فاعتقد أن شعاراتنا الكبيرة وتلك التي كنا نسميها مقدسات هي الخاسر الأكبر، فنحن قد جعلنا العروبة والأخوة والدين واللغة المشتركة شعارات مدانة من طرف البعض وقابلة للتنازل عنها حين تتعارض مع المصلحة الوطنية ( رغم ضبابية التعارض الذي يتحدث عنه البعض)، لهذا وقع التأكيد من ظرف إعلاميين ومثقفين على فرعونية مصر في مقابل امازيغية الجزائر مع تجاوز نقطة الاشتراك السياسية وهي العروبة، رغم اعتراض الكثيرين على هذا التجاوز الذي وقع فيه البعض وسوقوا له كحل لفك رباط الأخوة.
النتيجة التي يمكن استخلاصها من الأحداث الأخيرة هي أن الرابط بين الشعبين المصري والجزائري والمتمثل أساسا في الإسلام والعروبة والإحساس بالانتماء المشترك للأمة العربية، اكتشفنا في لحظة أنه مجرد شعار يرفعه الرسميون ويتحدث عنه المواطنون كعادة درجوا عليها منذ الصغر وتلقفوها عبر مراحل التنشئة الاجتماعية في المدرسة والمسجد والإعلام، دون أن يكون له وجود قوي ومثر في سلوكياتنا اليومية وفي نظرتنا لبعضنا البعض التي يفترض أن تبنى على أساس تلك الشعارات، اكتشفنا في لحظة أن الشعارات البراقة غير متجدرة اجتماعيا بالشكل الذي كنا نظنه وأن العلاقة التاريخية والمصالح الإستراتيجية غير قادرة على الصمود أمام المصالح المرحلية ( التأهل لكأس العالم هنا )، واكتشفنا أن الأخ قد يتحول إلى عدو حين يهدد مصلحتي، فنحن لم نراعي المصلحة الجمعية لما نسميه الأمة العربية.
لهذا اتفق معك حين تقول أن " الرابط بين شعبين يستلزم شغلا جادا وليس لصقا تلقائيا "، وهذا الاشتغال الجاد على العلاقة بين الشعبين وبعبارة اعم بين الشعوب المشكلة للأمة العربية أرى أنه يمر عبر مراجعات جذرية لمفهوم الأمة العربية نفسه، ومن بعده لمفاهيم أساسية تربت عليها أجبال بكاملها كمفهوم القومية العربية الذي تراجع للخلف منذ سنوات عدة فاسحا المجال ( تحت تأثير الأزمات العربية الحادة ) لصالح مفاهيم ودعوات تمجد الانتماء القطري رغم أنها لا تلغي بتاتا الانتماء العربي لكنها تحصره في مجرد رابط روحي ووجداني لا يلتقي بالواقع كثيرا حين ننتقل لمجال الممارسة السياسية ولمجال الدفاع عن المصالح المشتركة للأمة العربية.
أزمة الأمة العربية تتجلى على الصعيد السياسي في تحول الهيكل التنظيمي الجامع للدول العربية وهو جامعة الدول العربية إلى مجرد هيكل بيروقراطي لا تأثير فعلي له على السياسات الوطنية لكل دولة عربية، فكل بلد ينطلق في سياسيته الخارجية من مصالحه القطرية، ويبنى سياسيته الخارجية على أساس ما تسمح به ظروفه الداخلية ومساحة المناورة المتاحة أمامه، دون أن يأخذ بعين الاعتبار ضرورة وجود سياسية غربية تكون الإطار العالم الذي تنبني داخل إطاره السياسات القطرية.
وهذا التشتت على المستوى السياسي نجده أقل حدة على المستوى الفكري والنخبوي الذي انبت داخل إطاره فكرة القومية العربية ومفاهيم المصير المشترك والأمة الواحدة ذات الماضي المجيد، إذن فإن فكرة القومية العربية هي فكرة ثقافية قبل أن تكون مطلب سياسي لدى النخب الحاكمة في الأقطار العربية، ونظرا للتجاوب الشعبي مع اشتغالات المثقفين على مفهوم القومية والأمة العربية، فقد وجدت النخب الحاكمة نفسها مضطرة لمجاراة الطموحات الشعبية والنداءات النخبوية لأمة عربية واحدة، دون أن تكون لتلك الأنظمة الحاكمة النية الفعلية في تجسيد مطلب الأمة العربية الواحدة على أرض الواقع.
إن مفهوم الأمة العربية وما يستلزمه من روابط بين الشعوب العربية قد فقد الكثير من صلاحيته بفعل الزمن من جهة وبسبب حالة التشرذم العربي من جهة ثانية، ومن واجب النخب الفكرية في الدول العربية أن تشتغل على تجديده وبعثه بصورة أكثر براغماتية واكثر استجابة للتحديات الراهنة التي تنبني فيها العلاقات بين الدول على أساس المصالح الاقتصادية المتبادلة أكثر مما تنبني على أساس الشعور الوجداني الذي تغنينا به لعقود طويلة دون أن نلتقي به في واقعنا السياسي والاقتصادي، إلا نادرا.

الثلاثاء، نوفمبر 17، 2009

عن كأس العالم التي لن تنالها مصر


عبد الوهاب معوشي
يقال عن مصر الشيء الكثير و يتندر بها الندماء في المجالس و تغوي هي دائما من يحب الأدب و المسلسلات و يلهث وراءها قوميا من يحب النكت و التنكيت، إن مصر فيها ملوحة ساحرة و مذاق غريب، حتى أن من يحبها يستطيع أن يحب أي شيء فيها أو أن يكرهه، يأخذ المصري

من الفرعونية الصلابة و الجسارة، و يأخذ من الدين الاستسلامية و الإيمان بالواحد فهو من يقدر و يحسب بدلا عنه، و يأخذ من السياسة شتات قوميات بعضها ناجع، أخاذ و بعضها كلام مصري قومي منفوخ، مبلول من ماء النيل··

ليس على أحد أن يماري في حب مصر، و لا أن يكرهها و لا أن يطلع عليها بالأكاذيب لسبب بسيط هو أنها هي من سيحبك قبلها و لن تكرهك فهي عنصرية في الكراهية و لا تفعل ذلك و لكن ستمن عليك بحفنة أكاذيب و سلة مفردات و قفة مبالغات لا تنتهي إلا بالتقبيل و اللمس و الصخب و الهرج و المرج···

إذا أحببتها فاذهب و ضع هناك··· إذا ضعت هناك لا تنسى جيوبك و لسانك··· كن الشاطر هناك ·· فهي أرض الشاطر حسن و الشاطر بيومي و الشاطر مدبولي··و هي بخيت و عديلة·· و حسنين و نعيمة ··

عندما قال لي صديق لبناني ما معنى االمتشائلب و هو يسمع التوصيف لأول مرة من السيد عمرو موسى رئيس الجامعة العربية متوسطا فرقاء السياسة و لطائفة في لبنان، قلت له فيما يشبه المزحة هو عنوان رواية لفلسطيني معروف اسمه اميل حبيبي، غير أن عمرو موسى و هو يمط الشفة السفلى على العليا إذ يتلفظ بالكلمة المناسبة في الوقت المناسب ليس ذلك إلا من فنون الدبلوماسية الكلامية و روح التسالي التي تزدهر صناعاتها في مصر، اأنا المتشائلب، هكذا يكون المصري واعيا من مسافة أبعد، إذ لا يجلب نقمة على نفسه، و لا يترك غمة في مجلس في مجلس قد ينفض إلى حرب يتناهش فيها اللحم و العظم و داحس و الغبراء··

كنت دائما أراها غريبة، و محيرة، تتشابه مع مسلسلاتها و أفلامها، و ثرثراتها، و متشائلة فهي تحب فورا من قبل النظرة الأولى و تطلق مع شهر عسل و خمر و لبن مصفى، الفقير يغنى بسرعة كضربة قمر، و الغني أيضا يبكي و هو الأكثر رومانسية من بني البشر الآخرين، و الدكتورة -قدٌ الدنيا- تخمش بقدميها السماء فلا أحد يضاهيها في الفلسفة و الطب و كرة القدم، و المهندس عالي الشأن يدغدغ أحلام أطفال المدارس و يفشل هو في اللحاق بكلية الهندسة بسب ابنة الجيران، رجل القضاء يلاحق الفساد و أهله، المحامي يعيد المسجون إلى عائلته بفوهة عبارات سليمة لا عوج فيها، الأعراس و الفنادق مع بيوت الصفيح، و أحياء شبرا و اللوق و قرافة القاهرة و بيت الرٌيس، حضرة الضابط و الناطور و معيد الجامعة و الراقصة و الناظرة و الزمالك و الأهلي و الشيخ الشعراوي و عادل إمام، مهرجان سمر في الكلام و في الإشاعة، في المطة وفي الشدة، في الشدة و في الأنس و الطيبوبة··

هي مصر ··· أم الدنيا ··· و أم فتحي ··· و أم عباس ··· و أم جمالات ··· و أم فتاكات ···

أم كل الإشاعات و الدعايات و الأحلام و اللطائف و الأكاذيب و الرؤى و النغمات، تعود دائما كي تقول أنها باقية و أنٌ أحلامها الوضيئة لا يعوضها غير من كان كعمرو موسى أو عمرو خالد أو عمرو دياب أو عمرو أديب ···

إن الجزائريات اللواتي اقتربن من حلقات المسلسلات يمكن عدهن بالملايين على مر التاريخ -الما بعد الإستعماري- كنٌ مسرورات من دهشتهن، مسرورات من مبالغات ما فوق واقعية يمارسها الشيطانان حسين فهمي و مصطفى فهمي و معهما العجب النسائي الحرٌيف في البكاء و اللطم و الحسرة من عفاف شعيب إلى ليلى علوي و يسرا، الجزائريات اللواتي تدربن على النواح المصري سرهن أكثر أن يكون للحب كليشيهات مكرورة، و مرح قد ينتهي من جديته و يتحول إلى الرخص و الإبتذال و أن تنتهي القصص الشرقية بشهر عسل و طلقة سريعة و اشاعات اكنٌ يبكين بسرعة المصريات و يضحكن بسرعة المصريات أيضاب··

ما كان في الماضي من الحضور المصري في المتخيل الجزائري أو التونسي أو المغربي خف كثيرا، تحول، تبدٌد، أو انعدم، فما الذي يمكن تسجيله في خانة الأهمية القصوى بخصوص ذلك غير القول أن مصر ما عادت و لا سادت كذلك لاعتبارات المافوق قومية التي ترمق فيها العالم العربي من الأعالي··

صورتها التليفزيونية و السينمائية هي آخر ما كان يشع و ينبعث نحو القلب و يذهب، وهجها الدرامي هاجمه السوريون و الأتراك و أبطلوه بالماء لا بالتيمم، في السياسة ليس لها إلا بؤس التوريث و في الدين انطحنت تحت النجومية اللامعة التي صار يجسٌدها الإسلام الخليجي و في الثقافة و شعارات النهضة يسجل عليها أيضا بالأحمر فترة من الركود طالت تقضيها اليوم دور نشر و محافل فكرية و مؤسسات رسمية في النبش الفرعوني و النقش السينمائي عن دفاتر قديمة و عن أيام مزدهرة كانت ···

مصر التي كانت لها أيام طالعات و فرفشة قلب و سلوى لسان و زمانات حب و صخب طلاق تتقدم اليوم لا في علومها و بحار آدابها و زهر شعرها و بطولات شبانها، السينمائيين الجدد، شبان المارينا و العجمي، بل في أشياء أخرى، أحادية تتعدد من داخلها، إنها المجتمع الكروي، الكورة، الماتش، الفوتبول، ليس مرة واحدة و لا ثانية حضرت و شهدت و شاهدت الهوس الذي يطيٌر الروح إلى بارئها، عجٌ ستاديوم القاهرة بجماهيره الغفيرة و هي تهلَل و تلهج و تصلي و تطرب و تدعو أن ينصر الله مصر على المغرب، مئة ألف متفرج على المدرٌجات و ثلاثة مئة ألف خارجه على طريق المعارض صلاح نصر أو طريق المنصة ··

أكثر ما يصنع عجائبينها، و تدفقها الغفير نحو عقيدة جديدة و أمبريالية اللٌهو و الإنشغالية، هي الكورة، كرة القدم عند المصريٌ هي سياحة الفؤاد و عبادة الله و ذكر الإخوان و الدعاء بالنصرة عند الحرب و الكسب القومي و الفوز بحظوة النساء و صداقتهن و اكتناز المال و الدعاية الأفقية و العمودية القادمة على متن أفواه لا تتعب بعد منتصف الليل من الترديد و اللوك و اللعق بالانتصار و الإنتصارية··

عندما يلعب المصريون مع المغرب و تونس و الجزائر، يحضرون أكثر، و يأخذون كل الممكن مأخذ الجدً و كل المستحيل مأخذ الصرامة، يبدؤون دائما بالإعلام، لاحظ أنً الكتًاب المصريين هم أكثر الكتًاب العرب اندغاما في لعبة كرة القدم و إيمانا بسطوتها على النفس و النفس كما سطوتها على المشاعر و لغات كتًابها، يوسف إدريس و أحمد بهجت و جلال آمين و فهمي هويدى و إبراهيم نافع و كتاب الأهرام و الأخبار و الجمهورية و روز اليوسف كلهم كتبوا و يكتبون في كرة القدم متحررين ليس عندهم عقدة النخبوية و لا التعالي و لا عقدة الشعب و الشعبوية، بل إن من الإعلاميين و الكتاب من هم درجة خطيرة من حساسية الغوغاء ···

عندما أتذكر مباريات الجزائر مع مصر، أطرح في نفسي دائما سؤال طرحه كاتب مصري معروف هام في تحليل الظاهرة الكروية المصرية، الماذا لا نفوز بكأس العالم؟ب و تأتي شرعانية السؤال في المحل و المقام الذي يجب ··

فهم و إن فشلوا في نيل و لو واحد من عشرة في مسابقة تنظيم كأس العالم 2010م و نالت مصر العلامة صفر -في المسابقة- و الله أعلم، فإنً القوة اللوجيستيكية التي يمتلكونها جبارة، و عنيفة، و لهم عناد لا يٌطاول، و ذكاء رائع لا يخلو من شماتة و خبث إنساني، و لهم إدارة مقتدرة في سياسة فريقهم إذا كان سيلعب في ستاديوم القاهرة، ملعبهم الخرافي الذي يسورنه بحاملي الكرات و المصورين و لوحات الإشهار و اللافتات المحشوة بالتعبيرات الدينية، تبرز القومية المصرية كرويا من منطلق الدفاع عن تاريخانيتها، يصرف الهياج الرياضي لبلع صوت التغيير، و يتجيش الإعلام لإثبات سلامة الراية و الشعار المرفوع هكذا يحضرون و هكذا يذهبون إلى غزوتهم، و هكذا يبكون إن هم انتصروا و إن هم انهزموا و إن هم تعادلوا ··

لهم دائما ما فوق العادي و الاستثناء مثل ذلك كان في الدراما و في الأدب، في السياسة و الدين، و في الرياضة و اللهو·

السؤال دائم و ملازم بالنسبة لنا و لهم و لكل العرب اماذا لو يفوز هؤلاء بكأس العالم؟ب لا يعني ذلك غير القشرة في ثقب الأوزون أو القيامة أو الأرض الرباعية الشكل بعدما كانت كروية ···

المصدر: صحيفة الجزائر نيوز

الثلاثاء، أكتوبر 27، 2009

شلة ثوارجية


في نهاية سنة 2006 عرضت قناة الجزيرة برنامجا خاصا عن حصيلة السنة، عن أهم الأحداث التي عرفها العام 2006، وكان جزء مهم ( نسبيا ) من البرنامج قد خصص لثورة المدونات، إذن فقد اعتبرت الجزيرة أن التدوين حدث مهم للغاية يستحق أن يدرج ضمن أهم الأحداث التي عرفها العالم العربي في سنة 2006.
كان ذلك قبل ثلاث سنوات، كانت الأحلام كبيرة، والأسماء التدوينية واعدة، والاشتغال على التميز والإضافة النوعية هو الهدف الذي يسعى له الكثير من المدونين، لقد كان وهج البدايات واعدا.
ولكن بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ ماذا نجد الآن؟ !
لا أريد أن أكون متشائما فيما يخص مستقبل التدوين العربي، ولكن النكوص والردة هو الميزة الأساسية التي تسم مدوناتنا وخصوصا مدونات مكتوب التي استطاعت في البداية أن تفرض نفسها كمنبر عربي لحرية الرأي، رغم أن المدونين الذين صنعوا المجد الإعلامي للتدوين العربي، اقصد اؤلئك الذين تعرضوا للاعتقال والتضييق عليهم من طرف بعض الأنظمة والذين حضوا بتضامن إعلامي واسع فتح عيون الإعلام على المدونات، هؤلاء في معظمهم مدنون من خارج موقع مكتوب.
ولكن ضجيج المدونات والسبب الذي جعل الأنظمة العربية (التي تميل للقمع والتضييق في معظمها) تفتح عينيها جيدا على المدونين، ليس كونهم يشكلون خطرا جديا عليها، إنما السبب ببساطة كون هذه الفئة التي لا يعجبها العجب هي فئة مشاكسة، وعالية الصوت في واقع افتراضي معظم مرتاديه هم من فئة الشباب الثوري بطبعه.
فالمدونون يتقنون لعب دور الثوارجية، أي أولئك الحالمين بدولة لا ظلم فيها وبمجتمع يمارس أفراده مواطنتهم دون استئذان، والعاملين لأجل تحقيق هذا الحلم النبيل، ولهذا تجدهم ينددون بتعسف الأنظمة، ويظهرون وطنية زائدة في كتاباتهم التي يطعمونها دوما بما يرضي جموع المواطنين الناقمين على الوضع العربي.
لهذا تكون كتاباتهم الحاملة لفائض حماسة مزيجا من إظهار التدين ومن إظهار المعارضة السياسية ومن نصرة القضايا العادلة للأمة، وهذا مزيج مريح للقارئ الذي لا يريد أن يتساءل عما قرأ فيميل لقراءة ما يتوافق وقناعته المسبقة.
وبما أن كتابات المدونين السياسية ما هي في النهاية سوى أراء شخصية وانطباعات حماسية فأنها عاجزة عن التأثير العميق، بله كونها عاجزة أيضا عن إزعاج الأنظمة العربية بشكل فعلي وخطير.
فتأثير المدونات محدود رغم العدد المتزايد للمدونين ( مع أننا لا يجب أن نغتر بالكم الهائل للمدونات فجلها مدونات خامدة )ومحدودية التأثير تكون أكثر حدة حين نعمل على مقاربته من الناحية الاجتماعية بعيدا عن التأثير السياسي ( المحدود بدوره )، فالمدونون عجزوا خلال المرحلة السابقة عن إنتاج خطابات أصيلة ذات مردود اجتماعي، كما عجزوا عن إيجاد موطأ قدم لهم داخل الحقل الثقافي، أي منافسة وسائل النشر والاتصال الكلاسيكية (دور نشر، جرائد، فضائيات، إذاعات)، وظلوا يكتبون ويبدعون على الهامش دون أن يستطيعوا بشكل فعلي وملموس صنع مركزهم الخاص حتى داخل الواقع الافتراضي أي داخل ميدانهم لاتهم لا يزالون يتعيشون من نتاجات المجالات الثقافية الأخرى ( مواقع الجرائد والمؤسسات الإعلامية والثقافية) من خلال عمليات النسخ واللصق التي تزدهر عبر المدونات بعد أن كانت في البداية حكرا على المنتديات.
كما أنهم وباستثناءات قليلة لم يستطيعوا التأثير في الواقع كفئة لها طموحات ومواقف سياسية واجتماعية، فجل القضايا التي تجند المدونون للدفاع عنها لم تساهم كتابات المدونين في حلها، ويمكن ذكر أمثلة كثيرة هنا (حرب لبنان، الحرب على غزة، قضية منتظر الزيدي، وقضايا كثيرة اقل أهمية؟؟)
يكفي أن يتساءل أي مدون ماذا قدم للمجتمع ويسال جيرانه وأقاربه عن تدويناته ومواقفه المدونة وسيحصل على إجابات محبطة للغاية.
المدونون ما هم في النهاية سوى شلة ثوارجية، ومجموعة من الحالمين، لهذا فلا أظن أن الأنظمة العربية منزعجة منهم إلى درجة قيامها بإنفاق أموال وتوظيف خبرات عالية من اجل مراقبتهم والتضييق عليهم، كما المجتمع لم يعترف بهم بعد، لأنهم لم يستطيعوا جر هذا المجتمع للاعتراف بهم، والحصول على الاعتراف الاجتماعي بالتدوين العربي لا يكون إلا من خلال ما يقدمه هؤلاء المدنون، أي ما يقاربون به إشكالات المجتمع، ولا أرى كمهتم بالتأثير الاجتماعي للتدوين أننا قدمنا ما يمكننا من افتكاك اعتراف اجتماعي بأهمية ما نقوم به، رغم أننا كأفراد وكحركة تدوينية أمامنا الكثير مما نستطيع فعله.

الأحد، سبتمبر 27، 2009

حوار

في هذا الحوار يقربنا يوسف بعلوج من عوالم المدون الجزائري عمار بن طوبال، الذي يحدثنا عن تجربته وعن التدوين الجزائري وأشياء أخرى.

عمار بن طوبال: المدونات الجزائرية بعيدة عن السياسة ولا تشكل تيارا معارضا
تدون باسم كريم الجزائري، وتنشر ورقيا عبر الصحف باسمك عمار بن طوبال، عرفنا على نفسك أكثر.
اسم كريم الجزائري أتى صدفة، إنه ارث من صديق قديم وعزيز علي جدا، كان دوما يخطئ في اسمي ويناديني باسم صديق آخر مشترك بيننا اسمه كريم، ونتيجة تكرار هذا الخطأ شاع بين زملاء الجامعة اسم كريم، وحين ولجت عالم التدوين لم أفكر في اختيار اسم مستعار كما أنني لم أرغب في البداية أن أكتب باسمي الحقيقي، لهذا كان اسم كريم الجزائري، مع أنه في الحقيقة لا فرق بين عمار بن طوبال وكريم الجزائري بما أنني أعبر عن شخص واحد هو أنا، بصراحة لا أجيد تعريف نفسي أو تقديم ذاتي للآخرين، يكفي أنني من مواليد 11 يناير 1980، بولاية جيجل، عازب، بالنسبة لمساري التعليمي، أنا على مشارف إنهاء رسالة ماجستير بقسم علم اجتماع، وأفكر بالتسجيل للدكتوراه مباشرة، هذا كل ما أستطيع أن أقدم به نفسي.
تكتب في مواضيع شتى، سياسة، اجتماع، نقد بالإضافة إلى إدراجاتك الأدبية، أي مجال ترتاح فيه أكثر؟
الكتابة الأكاديمية التي لها علاقة بعلم الاجتماع تحتل أكبر نسبة من إدراجاتي، رغم أنني في بداياتي التدوينية كنت أركز على الإدراجات الأدبية بشكل كبير، لكن بعد مرحلة إثبات الوجود في الفضاء التدويني انتقلت للكتابة عن أمور فكرية تهمني، وأجد أنها تعطي صورة أوضح عن القضايا الفكرية التي تشغلني، لكن بصراحة أنا أجد نفسي أكثر في الكتابة الأدبية، وتحديدا في مجال القصة القصيرة رغم أنني لم أنشر عبر مدونتي سوى ثلاثة قصص قصيرة، والسبب أن تلك القصص التي أكتبها أجدها تعبر عن هواجس نفسية تخصني أنا بالذات، فعبر تلك القصص أعبر عن ذاتي بعيدا عن المشاغل الأخرى التي تعني فئات أوسع من القراء ومن الكتاب أيضا.
طريقتك في التدوين مبتكرة، تعدل ردودك على تدوينات الزملاء، وتنشرها بعد التصحيح والتنقيح لإثراء النقاش، كيف أتتك الفكرة؟
بصراحة الفكرة ليست مبتكرة، رغم أن توظيفها قليل بين المدونين، حيث أني وجدتها قبلا عند المدون محمد الشرقاوي (الفيل)، هو الذي يوظف هذه الطريقة التفاعلية في التدوين بشكل كبير، أنا في بداياتي التدوينية كنت أحضر مواضيعي مسبقا، لكن لاحقا أي بعد انقضاء السنة الأولى للتدوين وجدت أنني كتبت العديد من التعليقات المهمة سواء على تدوينات الآخرين، أو كردود على تعليقاتهم عندي، ووجدت أن الكثير من تلك التعليقات تصلح لأن تكون مواضيع مستقلة بذاتها.
هذه الطريقة في التدوين تدل على أهمية إعطاء القيمة الحقيقية لتدوينات الآخرين من خلال ايلائها الاهتمام الكافي أثناء التعليق، وهذا الاهتمام وحده الذي يصنع عمق التدوين ويبعده عن السطحية، فانشغالي منذ ولوجي عالم التدوين كان مرتكزا على نقطة أساسية وهي أن اجعل من مدونتي مدونة نخبوية وجماهيرية في الوقت نفسه، وازعم أنني نجحت خصوصا في الفترات السابقة في تحقيق هذا الهدف من خلال جعل مدونتي مجالا للنقاشات العميقة بين الكثير من المدونين، دون أن تفقد المدونة حيويتها من خلال مجموع التعليقات والزيارات التي تعبر عن مقدار نشاط أي مدونة.
على عكس الدول العربية الأخرى، لم تستقطب الصحافة الجزائرية الكثير من المدونين، باستثناء حالات قليلة منها علاوة حاجي، ما السبب برأيك؟ وكيف تقيم تجربة علاوة؟
العلاقة بين الصحافة الكلاسيكية والتدوين تتجه نحو خلق تكامل بين الطرفين، رغم أن المدونات لا تزال بعيدة على منافسة الصحافة الكلاسيكية، لهذا تعمل الصحف على جلب الأقلام التدوينية المتميزة وضمها لطواقم تحريرها؛ في المشرق العربي وفي المغرب أيضا توجد تجارب كثيرة لصحفيين قدموا لمهنة الصحافة من عالم التدوين الالكتروني، لكن بالجزائر وحسب علمي فهناك تجربة واحدة ناجحة وهي تجربة علاوة حاجي، الذي كان التدوين الالكتروني بالنسبة له مفتاحا لولوج عوالم أخرى، بداية بالصحافة، ثم لاحقا المجال الأدبي فهو، بعد تسجيل اسمه كصحفي بعناوين محترمة بالجزائر ( جريدة الفجر، الخبر الأسبوعي ) قد أصدر مجموعة قصصية حضت باهتمام إعلامي مقبول.
تجربة علاوة حاجي أراها ناجحة لحد الآن لأنه ونظرا لآليات عمل الصحف الجزائرية يصعب على وافد من مجالات أخرى أن يفرض نفسه ويصنع اسما، وهي تجربة محفزة لبعض الأقلام التي ترى في نفسها القدرة على المنافسة في مجال شديد الاستقطاب كالصحافة الورقية والفضائيات، ولكن للأسف في الجزائر تظل هناك تجربة يتيمة، والسبب في هذا الطلاق بين مجالي التدوين والصحافة يرجع أساسا لطريقة عمل الصحافة الجزائرية التي تعتمد في التوظيف بشكل كبير على العلاقات الشخصية بالنسبة لكتاب الأعمدة والمحللين، أما باقي المجالات الصحفية ( المراسلين المحليين، معدي الريبوترجات…الخ ) فصحافتنا تتجاهلها ولا تكلف نفسها عناء البحث عن النابغين في هذه المجالات، وتكتفي بتوظيف أو تسخير بعض المتربصين للقيام بإعداد الريبوترجات وجلب بعض الأخبار المحلية أو تغطية الأحداث التي لا تهم غالبية القراء، كما أن المدونين الجزائريين عادة هم أناس كسالى وغير مبادرين، وهذا ما خلق نوعا من التجاهل المتبادل بين الطرفين ( الصحافة و المدونات ) فلو نعد المقالات التي نشرتها الصحف الجزائرية عن التدوين نجدها محدودة جدا وسطحية، مع أن كل وسائل الإعلام الكلاسيكية مهتمة بظاهرة التدوين.
كتبت موضوعا عنونته بـ:هل نجرؤ على إنهاء حقبة من التدوين باللغة العربية، ما هي أفاق التدوين العربي برأيك؟
كواحد من المدونين المهمومين بمستقبل التدوين العربي، أرى أن الآفاق مفتوحة للمدونين العرب، ليضيفوا المميز والمتفرد للخطاب الثقافي العربي بشكل عام، حيث أن الشروط الموضوعية متوفرة ليساهموا بفعالية في إثراء المشهد الثقافي العربي، وأهم هذه الشروط، الحرية التي تفتقدها نسبيا وسائل الإعلام الكلاسيكية، طبعا أنا لا ازعم أن المدونات بإمكانها أن تحل محل وسائل الإعلام والنشر الكلاسيكية، ولكن نتيجة توفر المدونات على نسبة اكبر من الحرية إزاء باقي وسائل الاتصال، فالفرصة مواتية للمدونين ليكونوا أكثر إخلاصا للحقيقة وبالتالي أكثر تحصيلا للمصداقية لدى عموم القراء، وتحقيق هذه المصداقية يحتاج لجهد كبير من طرف المدونين، وخاصة الأقلام التدوينية الجادة التي يمكنها أن تصنع آفاق التدوين الجديدة.
كيف تقيم التجربة التدوينية الجزائرية والعربية؟
على عكس المدونات المصرية والمغربية مثلا، التي تشكل المدونات السياسية النسبة الأكبر فيها، ما يلاحظ على المدونات الجزائرية أنها بعيدة نسبيا عن تناول المواضيع الراهنة المرتبطة بالسياسة وخصوصا السياسة الوطنية، فهي لا تشكل تيارا معارضا كما هو شأن الكثير من المدونات العربية، هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى الفكري فجل المدونات الجزائرية غير مؤدلجة ولا تحمل هوية فكرية محددة، بعكس المدونات المغربية مثلا التي تسفر عن انتماءات فكرية لتيارات فكرية وسياسية لها وجود واقعي وتأثير في الساحة ، تبقى المدونات الأدبية وهي المدونات الأكثر حضورا في المشهد التدويني الجزائري، فالمدونات الجزائرية تميل في مجملها للتواجد داخل للحقل الأدبي، يمكن أن نذكر مدونين تتمتع كتاباتهم الأدبية بجودة كبيرة، كلويزة السعيد، ياقوت القلوب،و وافق أصيل.
رغم جودة المدونات الجزائرية على العموم من حيث المحتوى، يبقى عدد المدونات الجزائرية النشطة قليل،بالإضافة إلى الغيابات الطويلة والمتكررة للبعض، لم لا يتمتع الجزائريون بطول النفس؟
هناك أسباب موضوعية تقف وراء قلة نشاط المدونات الجزائرية عموما، ربما أهم هذه الأسباب قلة انتشار الانثرنت بالجزائر مقارنة مع دول عربية أخرى، فالمدون الذي يشتغل على مدونته من محلات لا يمكنه أن يواظب على تحديث مدونته بشكل يومي، كما انه قد يضطر للانسحاب لفترات قد تطول، هذا سبب، وهناك سبب آخر مرتبط بإجابتي عن سؤالك السابق، وهي ابتعاد المدونات الجزائرية عن مجالات الكتابة السجالية المرتبطة بالسياسة والتي تقتضي متابعة دائمة للمستجدات والكتابة عنها، طول النفس التي تحدثت عنه في سؤالك يكون أينما تكون هناك قضية تستدعي متابعة يومية، ولا أظن أن هذا الأمر ضروري بالنسبة للمدونات الأدبية مثلا.
كيف ترى سقف الحريات في الدول العربية، وما رأيك بالاعتقالات والممارسات التي تطال بعض المدونين العرب؟
رغم التضييقات التي تمارسها الكثير من الحكومات العربية على المدونين، فإن سقف الحرية المتاح عال نسبيا مقارنة بوسائل الإعلام والنشر الكلاسيكية، ولكن التضييق على حرية الفكر لا يأتي من الحكومات فقط، إنما يأتي أيضا من طرف المدونين ضد بعضهم البعض، فنحن نجد ظوهر غير صحية تنتشر عبر المدونات، مثال الوصاية التي يسعى البعض لفرضها على البعض الآخر، ومحاولة التدخل في توجيه الكتابات التدوينية نحو مواضيع معينة وبطرائق معينة، فمثلا حين تكتب مدونة موضوعا يقارب الجسد والرغبة التي تحسها كامرأة فإننا غالبا نجد هجوما وتجريحا من طرف الكثير من المدونين ضدها، نفس الأمر نجده فيما يخص المدونات التي تتناول مواضيع دينية وسياسية برؤية مغايرة لا تعبر في النهاية سوى عن رأي صاحبها، فالخروج عن الإجماع عادة ما يحضى بتنديد وتهجم الكثيرين، وهذا الاعتداء على الحق في الاختلاف يهدد حرية الرأي والاعتقاد ويجعل الكثير من المدونين يمارسون رقابة ذاتية على أنفسهم قبل أن ينشروا أي موضوع.
الحرية كل متكامل، ومصادرة حرية الآخرين في مجال التدوين تأتي من طرف المدونين أنفسهم أكثر مما تأتي من طرف الحكومات العربية التي لا يزال تدخلها القمعي ضد بعض المدونين محدودا، رغم انه الأكثر بروزا بسبب تسليط الضوء عليه وتجاهل باقي أنواع التضييق على الحرية.
تفاعل المدونين مع الأحداث العربية والعالمية يخضع لعدة عوامل،أهمها العاطفية الشديدة،ما رأيك بالحراك التدويني العربي إبان حرب غزة الأخيرة؟
للأسف جل المدونات العربية تتفاعل بحماسة كبيرة مع الأحداث الوطنية والدولية وتكتفي بالصراخ والعويل وخطابات التخوين للحكام العرب الذين تنسب لهم كل المآسي التي تقع في العالم العربي، تفاعل المدونين العرب مع الأحداث الأخيرة في المنطقة العربية ولنأخذ مثال الحرب على غزة، كان تفاعلا عاطفيا رغم أنه شكل ملحمة تدوينية بشكل من الأشكال، حيث عبر الجميع وبدون استثناء عن تضامنهم مع غزة بطرق مختلفة، ولكنها طرق غير فعالة ومكتفية بالكلام، ما نستخلصه من تلك الهبة التدوينية رغم عاطفيتها وحماستها المفرطة، أنها أعطت صورة واضحة عن الشعور القومي العام لدى المدونين العرب، كما أنها كشفت عن وعي سياسي حتى لدى المدونين البعيدين كل البعد عن تناول المواضيع السياسية.
المدونون العرب ومن خلال تفاعلهم مع أحداث غزة حتى و إن ظلوا في مرحلة القول دون الانتقال لمرحلة الفعل، إلا أنهم مثلوا تكتل للإدانة الأخلاقية لإسرائيل من جهة وللحكام العرب المتواطئين من جهة ثانية، ولكن اعتقد أنه بإمكاننا فعل أكثر من ذلك لو كان هناك تنسيق اكبر بين المدونين، كلنا يتذكر اعتصام الرابع مايو بمصر والذي انطلق كفكرة بين شباب الفيس البوك وانتقل إلى الشارع يوم الرابع مايو الموافق لعيد ميلاد الرئيس مبارك، فالتنسيق بين المدونين كان يمكن أن يكون أكثر فاعلية من الإدانة الأخلاقية عبر كتابات حماسية، ولكن هذا لم يحدث أثناء العدوان على غزة.
تعليقات ومدونات النسخ لصق، أو المدونة المنتدى كما يسميها احجيوج، هل تشكل عبئا على محتوى التدوين العربي؟
طبعا، لأنها تعمل على تسطيح محتوى التدوين، وتجعل النقاشات في الحد الأدنى من التفاعل، فإذا اعتبرنا أن التفاعل بين المدونين يمثل الخاصية الأبرز التي تفصل المدونات عن باقي الفضاءات المتاحة لمستخدمي الانترنت للتعبير عن أفكارهم ورؤاهم، فتعليقات القص واللصق تجرد المدونات من هذه الخاصة.
ما رأيك في نوعية الخدمات التي تقدمها شركات الاستضافة المجانية؟
في معظمها مقبولة، أنا لدي مدونة بموقع مكتوب وأخرى بموقع بلوجر، أجد نوعية الخدمة مقبولة، طبعا قياسا بمجانيتها.
مكتوب بيع لياهو وإدارة مكتوب تكتمت على بنود وقيمة الصفقة،هل هذا تماهي مع سلوكيات الإدارة العربية؟
طبعا هو كذلك، فتكتم إدارة مكتوب عن إعلان تفاصيل الصفقة هو تصرف لا يمكن تفسيره بغير خصوصيات العقلية العربية، ولكني استغرب أن تقوم ياهو بنفس الأمر، فياهو شركة عملاقة وأسهمها عبر البورصة يمكن أن تتأثر بهكذا صفقة سواء بشكل سلبي أو ايجابي، ومن واجبها أن تكون شفافة في تعاملاتها حفاظا على موقعها، اعتقد أن كل من يقترب من العرب ويتعامل معهم يصاب بعدوى التسيير العربي السيئ والبعيد عن الشفافية.
أدب المدونات ظاهرة انتشرا بشكل كبير،هل تبشر بجيل جديد من الكتاب ،وهل هزت عرش الأدباء الكبار؟
لا، لم يصل الأمر إلى هذا الحد، رغم أن بعض الأقلام التدوينية تعد بالكثير في مجالات كالشعر والقصة، ولكن الانتاجات التدوينية في مجال الأدب تظل مجهولة أو متجاهلة بعبارة أخرى، لأن الإنتاج الأدبي لا يتبع عادة بإنتاج نقدي حول المنتوج الأدب، وأنت تعلم أن النقد ضروري لإضاءة أي نص أدبي، وبما أن أدب المدونات متجاهل نقديا، فهو ورغم آلاف القراءات ومئات التعليقات التي تحضا بها بعض النصوص، يظل أدبا هامشيا وغير قادر على منافسة الأدب المنشور بالطرق الكلاسيكية، في الوقت الراهن على الأقل.
بعض من المدونين تخطوا حاجز النشر الالكتروني إلى النشر الورقي، هل هذا طموح ناجح، بحث عن الشهرة، طريق للكسب المباشر؟
باختصار، أرى أن الانتقال من مجال النشر الالكتروني إلى مجال النشر الورقي واقتحام الحقل الثقافي بمفهومه الكلاسيكي، هو طموح مشروع لكل مدون يرى في نفسه القدرة على المنافسة في مجال شديد الفرز، فالتواجد داخل الحقل الأدبي من خلال اصدارات في السوق، يمكن أن يساهم في دفع الكاتب إلى مجال الشهرة الواسعة والكسب والمكانة الأدبية، كما أنه يمكن أن يصدمه التهميش الذي يلقاه، طبعا هناك عدة اعتبارات أهمها جودة المكتوب، بالإضافة لاعتبارات أخرى كالعلاقات الشخصية داخل الوسط الثقافي.
بأخذ هذه النقاط بعين الاعتبار نجد أن غالبية المدونين الذين ولجوا عالم النشر الورقي لم يستطيعوا فرض أنفسهم بشكل فعال، أو بعبارة أخرى اكتشفوا حين وضعت كتبهم على رفوف المكتبات أنهم مشهورين افتراضيا لا غير، يمكن ذكر المثال الأبرز لانتقال المدونين لعالم النشر الورقي، المدونة المصرية غادة عبد العال صاحبة مدونة “عايزة اتجوز”، رغم أن كتابها حضي باهتمام إعلامي كبير ورغم كونها واحدة من ابرز المدونين العرب، إلا أنها لم تستطع فرض نفسها بين كتاب مصر، لأنها ظلت مجهولة في مجال النقد الأكاديمي، كما أنها مجهولة وبنسبة كبيرة خارج مجال شباب الفيس بوك والمدونات.
هذه إشكالية عويصة نعانيها نحن المدونون حين نفكر في الانتقال من مجال التدوين إلى مجال الكتابة والنشر الورقي، لأن شروط المكتوب عبر المدونة مختلف تماما عن شروط المكتوب المعد للنشر الورقي،عادة ما ننشره عبر مدوناتنا يكون مختصرا ومعدا لقارئ عجول لا يقضي أكثر من خمس دقائق أمام نفس الصفحة، في حين أن المكتوب المعد للنشر الورقي يستدعي عادة عمقا اكبر وتوسعا في تناول الموضوع، والأهم من هذا تطعيمه بعناصر تجعله قابلا لأن يقرأ بعد عقد من الزمن وأكثر، أي الاشتغال على الأسلوب بشكل جاد حتى لو كان الموضوع يتناول قضية راهنة قد تفقد جاذبيتها لاحقا.
تعاقدت مع ناشر على كتاب انطولوجيا التدوين، وتعكف على إنهاء روايتك التي عاشت معك عشر سنوات،متى ستخرج هذه المشروعات إلى النور؟
للتصحيح لم أتعاقد مع ناشر على نشر الكتاب، إنما اقترحت عليه فكرة الكتاب ورحب بها لا غير، فمجال النشر عندنا لا يسمح لكاتب مبتدئ بالتعاقد على كتاب لم ير النور بعد، هذه ميزة يتمتع بها الكتاب الكبار فقط، أما بالنسبة للرواية التي كتبت جزءا منها دون أن أكملها لحد الآن فهي مشروع لا أدري بالضبط متى يكتمل، اعتقد أنني كسول أكثر من اللزوم، ولكن مشروع كتاب انطولوجيا التدوين في الجزائر هو المشروع الأكثر إلحاحا بالنسبة لي في الوقت الراهن، وهناك مشاريع أخرى كلها بالانتظار والرجاء أن تتحقق في اقرب وقت.
في كليمات، ماذا تعني لك هذه المجالات:تدوين، أدب، وسينما؟
تدوين: أفق مفتوح على الحرية والتغيير، أدب: مجال لمعرفة الجوهر العميق في الإنسان، سينما: إبهار الصورة في تعبيرها عن عمق الفكرة.
هذه الشخصيات: مالك حداد، كارل ماركس ،ومنتظر الزيدي؟
مالك حداد: كاتب جعل من حياته قصيدة من الشعر الخالص، كارل ماركس: نبل الفكرة التي انحرفت حين نزلت للواقع، منتظر الزيدي: دخول التاريخ لا يحتاج لبطولات كبيرة تكفي رمية حذاء في وقت استثنائي لنصير أبطالا محمولين في قلوب الملايين.
وهذه الكلمات:وحدة عربية، إسلام، علمانية؟
الوحدة العربية: حلم لن يتحقق بالشكل الذي أراده مجانين القومية والوحدة، لأنها مجرد رابط وجداني، الإسلام: ملاذ الباحثين عن سكينة الروح، العلمانية: كانت ولا تزال ضحية الفهم الخاطئ لها من طرف المدافعين عنها والناقدين لها.
بدون مجاملات ولا حساسيات:ما هي برأيك أحسن مدونة جزائرية، أحسن مدونة عربية، أحسن موقع، وأحسن قناة؟
أحسن مدونة جزائرية هي مدونة مجلة التدوين للمدون توفيق التلمساني، أحسن مدونة عربية هي مدونة البنات بتتكلم عربي، للمدون محمد الشرقاوي، أحسن موقع عربي هو موقع مكتوب رغم كل ما قيل ويقال عنه، أحسن قناة هي قناة الجزيرة، طبعها هذا حكم نسبي يخصني أو هو رأيي الشخصي لا غير.
مسك ختام
مسك الختام شكر وسلام.
ــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ أيضا:

هل نحن بصدد مرحلة تدوينية جديدة؟!


طرح المدون محمد الشرقاوي موضوع حول أفاق التدوين العربي، كان سؤاله الرئيسي هو: هل نجرؤ على إعلان نهاية حقبة من التدوين باللغة العربية؟!.
ولكن قبل الإجابة بالتأكيد أو النفي على السؤال المطروح، يمكن أن نبدأ بطرح سؤال آخر أراه أكثر إلحاحا قبل فتح المجال للحديث عن مرحلة تديوينة جديدة لم تتضح معالمها بعد. والسؤال يمكن صياغته بالشكل التالي:
هل يمكن الحديث عن تدوين عربي قوي وفعال عبر مواقع عربية وبأقلام عربية؟.
السؤال الأول يبدو سابقا لأوانه نتيجة حداثة التجربة التدوينية العربية ولكن بالنظر للتراكم التدويني الحاصل منذ سنوات قليلة سنجد أنفسنا أمام إجابة تحيل على النفي بالنسبة لكلا السؤالين، ولكن قبل النفي وتسفيه إنجازات المدونين العرب عبر موقع مكتوب مثلا لنجب على سؤال: ما هو التدوين؟.
لنبدأ التعريف بالسلب، التدوين هو فضفضة وهو في الغالب شغل نسوان فاضية أي هو عمل تشهير بالذات وبالآخر وإعطاء مشروعية للغيبة والنميمة بجعها قضية رأي عام وطرحها للنقاش، بتعريف آخر أقل تحاملا، التدوين مجال للبوح بالخصوصيات ومجال خصب للفاشلين والمغمورين حتى يكونوا فرسان ونجوم العالم الافتراضي في القارة السابعة (الأنثرنث).التدوين تحقيق لبعض أحلام الطفولة بأن نكون كتابا مشهورين وصحفيين أحرار جدا في التنديد والرفض والشجب والاعتراض على كل ما يمت للحكومة بصلة ( ومعارضة الحكومات العربية هو جل ما يفعله المدونون العرب عبر مدوناتهم).بهذه المعاني السلبية التدوين عمل من لا عمل له ومضيعة للوقت والجهد.
ولكن لنعرفه بالإيجاب: التدوين فضاء إبداعي ومجال تواصل لتنمية القدرات المعرفية للمدونين فضاء حر يمكننا من النقد البناء بغية التغيير، إنه فضاء حر ، ديمقراطي، تفاعلي وفعال، وهو فضاء طبيعي لوجود المباح من القول، ولكنه
( وهذا هو الأهم ) مجال خصب لانوجاد المستباح والممنوع والمسكوت عنه، فنتيجة الحرية شبه المطلقة التي يتمتع بها المدونون وهم يعبرون عن أفكارهم، صار ممكنا أن نقرأ عبر المدونات مواضيع ضلت لوقت طويل ضمن الطابو الديني والسياسي، وحتى الطابو الجنسي، رغم أن هذا الأخير قد استبيح وتم تجاوزه عبر مجالات الكتابة الأخرى عن طريق الوسائل التي توصف اليوم بأنها تقليدية.
المدونون استطاعوا مزاحمة الصحافة الورقية، صاروا مصدر ثقة الناس لأنهم من الناس وإليهم؛ فدون شعارية مقيتة يقدم المدونون أخبار، معارف وتحليلات، يقدمون أيضا إبداعا مغايرا لما هو متداول ويساهمون في صياغة رموز اجتماعية وفي تشكيل رأي عام قوي.إنهم يفعلون ذلك بالمجان وبحرية تفتقدها وسائل الإعلام التقليدية رسمية وخاصة، لأن تلك الوسائل التقليدية مرتبطة بمصالح فئوية وطبقية مما يجعل المتلقي يشكك في نزاهتها، ويجعل النزاهة في صف المدونين رغم أنهم بشر، ملائكة وشياطين ولهم مصالحهم التي يسعون لتحقيقها، ولكن مصالحهم فردية أساسا وبالتالي فهي إن لم تحض بالقبول الجماهيري فلن تثير عداءه على الأقل.
هنا يبدو للتدوين دور خطير وفعال لم يتبلور في الفضاء العربي بشكل كافي ولكنه في طريقه نحو التبلور الذي سيجعل من جموع المدونين كأفراد وكحركة تدوينية وليس كتنظيمات تهيكلهم تديوينيا قوة رمزية كبيرة، وقوة نقد أخلاقية اتجاه التجاوزات الحاصلة في كل العالم. إنهم في طريقهم ليكونوا محكمة عالمية ذات قرارات وأحكام غير ملزمة ولكنها قوية الحضور والتأثير.
ولكن التدوين العربي لم يتجاوز بعد رغم مئات آلاف المدونات مرحلة الإرهاص بكل هذا، إنه يحبو ويشاكس عبر المواقع العربية كمكتوب ويسفر عن نوايا سيئة اتجاه السلطة ( سياسية ودينية ) عبر مواقع الاستضافة غير العربية، أصابع المدونين بدأت تحترق نتيجة جرأتهم في الرفض والنقد دون أن يتمكنوا من جعل رفضهم ذو مقابل اجتماعي ملموس.
المدونون العرب يناضلون عن طريق الكتابة، وهذه هي المرحلة الأولى الجنينية للتدوين العربي التي استمرت طويلا، فالتدوين صار يعني بشكل ما فعل الكتابة والانتقال نحو مرحلة أخرى من مراحل التدوين العربي تحيل على أثر الكتابة، وهي مرحلة تخبر عن مقدماتها دون أن يكون لها حضور محدد الملامح.
لا يزال الوقت مبكرا للإعلان عن نهاية حقبة من التدوين باللغة العربية لأن التاريخ المتسارع من حولنا يسير ببطء بالنسبة لنا، حيث يتباطأ التطور المفترض في طرائق التعبير وفي الممارسة التدوينية كفعل لا يهدف فقط لمجرد ممارسة هواية الكتابة، أنما الهدف الأقصى للتدوين هو جعل الكتابة التدوينية مساهمة في صياغة الواقع الاجتماعي والسياسي لمجتمعاتنا، وهذا نوع غائب من الوعي لدى غالبية المدونين العرب، وبالتالي فالقدرة على الخروج من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي لم تتح بعد للتدوين العربي، وهذا ما يجعلنا نراوح مكاننا، إننا نتقدم نحو مرحلة أخرى من التدوين العربي ببطء شديد.

الجمعة، سبتمبر 18، 2009

سيد قطب: العراب ؟!.

سيد قطب، تلميذ العقاد وواحد من أشد المتشيعين له ولأدبه وأفكاره وتوجهاته في النقد، والشاعر الذي سفه شعره بنفسه لاحقا واعتبر ما كتبه من قصائد " مجرد أبيات ساذجة لم تسلم من الخطأ اللغوي "، والقاص الذي اعترف بصعوبة فن القصة، والناقد المنحاز للواقعية الاشتراكية، سيد قطب " الماركسي" في كتابه "معركة الإسلام والرأسمالية"، والمفسر في عمله الموسوعي، الجاد، العميق والضخم " في ظلال القرآن".
" طفل من القرية"، كما عنون سيرته الذاتية التي كتبها قبل رحيله/ إعدامه بعشرين سنة، بعد أن ذاق مرارة السجون كثيرا، قرية موشا، اللائذة بصعيد مصر قريبا من أسوان، الصعيد الذي قال عنه ايجلوود بأنه ينتج رجالا لا يضارعهم أحد في قدرتهم على الاحتمال.
فهل كان سيد قطب واحدا من هؤلاء الرجال ذووا القدرة الفائقة على الاحتمال، هو الذي اضطرته الدرب التي اختارها لنفسه في آخر مشواره الفكري والحياتي أن يحتمل الكثير، بداية من دخوله سجن طرة ووصولا إلى لحظة إعدامه يوم 26 أوت 1966.
ابن قرية موشا المنحدر من عائلة ذات أصول هندية، الذي سطع نجمه بالقاهرة التي كانت لحظة وصوله إليها في عشرينيات القرن الماضي كلوحة فسيفساء، مدينة كوسموبوليتية، حاملة لهم ووهم النهضة العربية وعائشة على ذكرى الأفغاني ومحمد عبده والمصلحين الكبار الذي حطوا الرحال بها هربا من ضيق أرضهم وبلادهم بهم وبأفكارهم، قاهرة ثورة 1919 التي وصفها باتريك جديس بأنها " دراما مستمرة عبر الوقت "، وقد عاش سيد قطب في خضم تلك الدراما داخل فوضى الأفكار التي آمن بها زمنا وتنكر لها لاحقا، هو الذي ارتحل كثيرا داخل ذاته وداخل معارف زمانه المختلفة ( أدب، نقد، فكر إسلامي ).
سيد قطب الكاتب الذي أسس ( رفقة أبو الأعلى المودوي وأبو الحسن الندوي ) لفكرة الجهاد ضد "جاهلية القرن العشرين " وأهلها، هو الخارج من الصعيد ليصنع مصير آلاف المهمشين من "خوارج الأزمنة الحديثة" المسكونين بيوتوبيا الدولة الإسلامية القائمة على أساس حكم الله في الأرض، فهو الذي سعى من خلال خطابه الفكري حول المنهج الإسلامي إلى إعادة خلق العالم وفق النموذج الإلهي.
سيد قطب الذي لا نذكره نحن الجيل الذي لم يزامن أفكاره سوى كواحد من ابرز المنظرين للفكر الجهادي في الوطن العربي، ولا نذكر من كتبه – بالكاد- سوى كتابه الأبرز إعلاميا، والأقل عمقا وأصالة من الناحية الفكرية: "معالم في الطريق" الذي أراد " أن تعرف من خلاله الجماعة – المسلمة- طبيعة دورها وحقيقة وظيفتها...كما تعرف طبيعة موقفها من الجاهلية الضاربة الأطناب في الأرض جميعها ".
ولد سيد قطب ذو الأصل الهندي سنة 1906، وهي نفسها سنة مولد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين التي ستحتوي سيد بعد عودته من أمريكا، والتي ستكون أفكارها السياسية رافدا مهما من روافد الفكر " التكفيري " عند سيد قطب، فهو الذي سعى ( كما سعى حسن البنا ) من خلال، وعبر خطابه الفكري إلى التأسيس لحكم الله في الأرض، مما جعل مقولاته الأساسية حول " الحاكمية"، "الجاهلية"، "الجماعة" تستدعي فائض الجدل حولها، وفائض الحماسة في تقبلها والعمل بمقتضاها لدى أنصاره الذين توالدوا فرقا وجماعات بعد موته/ إعدامه، وفي رفضها من طرف الذين حملوا قطب وخطابه " التكفيري" للمجتمع وزر بروز الجماعات الإسلامية الراديكالية، التي سعت، وعبر توظيف الكثير من العنف إلى إسقاط الأنظمة العربية في كل من مصر، الجزائر، سوريا، ليبيا، تونس...الخ.
ونحن نستحضر سيد قطب، هل نكون منصفين له حين نتجاهل كل ارثه " الفكري والإبداعي"، ونختصره في شخص عراب دعاة التكفير الذين وضعوا مجتمعاتهم، وأتباعهم الموعودين بالحور العين على أبواب جهنم ؟!.

الخميس، سبتمبر 10، 2009

الأدب والمؤسسة الأدبية

حين يتحول الأدب من حالة بوح ذاتي يمارسه مجانين الكتابة إلى مؤسسة، أو بعبارة أدق حين يخضع لمؤسسات صناعة الأدب وما تفرضه من شروط، يتجرد هذا الأدب من ادبيته وصدقه في غالب الأحيان.
فدور النشر ووكلاء التوزيع و الجوائز الأدبية والصحافة والنقد، كلها عوامل حين يضعها الأديب في حسبانه يفقد شيء من أصالته ويذهل عن تحويل المعاني الملقاة على قارعة الطريق بتعبير الجاحظ، إلى بناء فني يستبطن جوهر الإنسان والمجتمع ويعبر عنه.
عندنا في العالم العربي نلحظ هجرة جماعية للقراء، الذين صاروا يرغبون عن الأدب، لأنهم لا يجدون فيه ذواتهم المثقلة بأسئلة لا "أجوبة أدبية" لها.
لهذا نجد أنفسنا في حالات كثيرة ونحن نطالع من تصدره المطابع ودور النشر أمام بؤس المنتوج الأدبي العربي، الذي لم يعد يقرأ إلا على نطاق ضيق للغاية.
والسبب :الأديب والمؤسسات التي لها علاقة بالأدب

المثقف في عنق الزجاجة



يصف الفيلسوف الألماني لودفيغ فتجنشتين المثقف الواقع في أزمة تشل فاعليته وقدرته على المبادرة بفعل يغير واقعه وواقع أمته، بذبابة وقعت فجأة في قعر قنينة، ولم تستطع الخروج منها فظلت تدور على نفسها عبثا، آلاف المرات، محاولة النفاذ من عنق الزجاجة، ولكنها فجأة وعبر انطلاقة واحدة ناجحة، استطاعت تجنب الاصطدام بجدران القنينة الصماء، والنفاذ من فوهة القنينة بنجاح.
إذا كان المثقّف هو الذبابة، فالقنينة هي الثّقافة الغربيّة، والانطلاقة النّاجحة هي ما تعيشه هذه الثقافة من ثراء، وما تمارسه من إغراء على الثّقافات الأخرى.
الثقافة الأوروبية لم تنبثق هكذا من العدم إنها نتيجة مخاض عسير وآلاف المحاولات الرامية للانبثاق، والإنعتاق من حالة القصور التي لازمتها زمنا، وتشبيه فتجينشتين هنا للمثقف بالذبابة العالقة في قارورة هو تشبيه بليغ للغايةفالانطلاقة الموفقة وإدراك المقاصد التي بنى عليها العقل الأوروبي رهاناته كانت وراء هذه الانطلاقة الموفقة
بالنسبة للمرحلة الأولى التي حررت العقل الأوروبي من سيطرة الفهم الكنسي للدين المسيحي، كانت بداية، لكنها لم تكن بداية قادرة لوحدها على نقل العقل الأوروبي لمرحلة الفعالية القصوى التي يتمتع بها الآن والتي حولته لعقل يحمل ثقافة عالمية قادرة على أن تمثل نموذج يحتدى، فكانت المرحلة الثانية وهي مرحلة التنوير التي افتتحها ديكارت بمقال المنهج الذي مثل نقلة نوعية لا توصف في نظرة الإنسان الأوروبي لذاته وللعالم.
التنوير بحسب ديكارث هو تخلص الإنسان من حالة القصور لهذا فهو يعرفه على انه :"خروج الإنسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها. والقصور هو حالة العجز عن استخدام الفكر (عند الإنسان) خارج قيادة الآخرين. والإنسان (القاصر) مسؤول عن قصوره لأن العلة ليست في غياب الفكر، وإنما في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته، دون قيادة الآخرين" . لتكن لك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك: ذلك هو شعار عصر التنوير
وهذا الوعي بضرورة تجاوز مرحلة القصور هو الذي مكن العقل الأوروبي من التخلص من حالة القصور أي تجاوز الشرط الديني الذي لم تستطع المرحلة الأولى لنهضة العقل الأوروبي، مرحلة لوثر وكالفين أن تتجاوزها بجدارة رغم أنها مهدت الطريق لهذا التجاوز.
حين نطرح قضية تجاوز المشروطية الدينية على المثقف العربيالمبهور بثقافة الغرب وأنواره ماذا نجد؟.!
نجد هذا المثقف بالرغم من ادعاءه انه قادر على الاحتكام للعقل وحده عاجز في لا وعيه عن تجاوز هذه الحالة التي يفرضها تاريخ بأكمله من العلاقة المشتبكة بين العقل والدين وبين العلم (بمفهومه الفقهي) والثقافةفمفهوم المثقف في مجال التداول العربي مفهوم حديث وحين نعود لأصله نجده يقترب من مفهوم الفقيه، فالمثقف العربي هو سليل الفقيه بنفس القدر الذي يعني العلم في اللغة العربية القديمة العلم الشرعي وتحديدا علم الحديث.

إذن، هناك مفاهيم جديدة وردت علينا دون أن نهيئ لها المناخ المناسب للتعبير عن نفسا بحرية وبعيدا عن الإرث الماضوي، ولهذا عجزت مشاريع العلمنة في العالم العربي مثلما عجزت مشاريع النهضة، لأن العقل العربي هو عقل يهوى حرق المراحل والقفز من حال إلى حال دون تهيئة الظروف الذهنية والاجتماعية لهذا الانتقال، ومن ثم يكون الانتقال قفزة غير مدروسة في الهواء، فنعود دوما لنقطة البداية.
في السبعينات وقبلها بقليل وحتى أواخر الثمانينات كان العقل العربي ( نتيجة هيمنة اليسار العلماني على الحقل الثقافي ) يعتقد بسذاجة انه تجاوز مرحلة الاحتكام للبنى والقيم اللاهوتية، وأن المجتمع يسير نحو تبنى القيم العلمانية التي تفرض نفسها عليه بفعل الاحتكاك بالغرب وبفعل التثاقف وبفعل تأثير التقنية الوافدة على ديارنا حاملة معها ثقافتها وقيمها العلمانية والعلمية. ولكن لم تمضي عشرية على هيمنة هذا الاعتقاد حتى احتلت القوى الدينية الشارع والوجدان ووسائل الإعلام في أكثر من قطر عربي حاملة معها مشاريع الدولة الإسلامية التي صيغت في مرحلة اضطهاد لتيارات الإسلام السياسي ( سيد قطب كمثال ) فارضة واقعا جديدا طرد المثقف العلماني وخياراته جميعها للهامش وجعله يناضل من اجل استرداد قيم ظن انه كسبها بشكل نهائي.
تكمن أزمة المثقف العربي في كونه لم يستطع أن ينطلق تلك الانطلاقة الموفقة التي تخرجه من عنق الزجاجة بشكل نهائي، لأنه لم يهيئ ظروف الانطلاقة، فقرنين من الزمن هما عمر التثاقف الذي حصل مع الغرب وهما عمر محاولات النهضة، لم تكن نتيجتهما سوى دوران داخل نفس الرقعة وداخل نفس الزجاجة
لأننا عجزنا كنخب فكرية على تركيز أهدافنا والسعي إليها بثبات وإرادة وفاعلية تمكننا نحن أيضا من تحقيق انطلاقتنا الموفقة.
ولا اعتقد أن ما ينسب لغلق باب الاجتهاد من أسباب في الجمود الفكري الذي نعيشه في واقعنا وديارنا هو السبب الرئيس وراء فشل انطلاقتنا الفكرية التي بدأت مع عصر النهضة، لأن إغلاق باب الاجتهاد يقتصر عند جل المتمسكين بهذه الحجة على المجال الديني، ففي نظر النخبة العربية، الاجتهاد مرتبط أساسا بالنص الديني، مع أن الاجتهاد أوسع بكثير من هذا الفهم الضيق الذي يسوق الآن على أساس أنه السبب الرئيسي في حالة الجمود والتقليد التي يعيشها العقل العربي.

السبت، سبتمبر 05، 2009

الشفهي أو ما قبل المكتوب

يمثل الشفهي بداهة القول والفكرة، هو استجابة لما هو آني بانفعالية في الغالب وحماسة حين يتطلب الأمر ذلك، هو نحن بعيدا عن تعقيدات النظري والتجريدي الذي يتكأ على المكتوب، أي نحن في ملامستها للواقع في أشكاله الأكثر بساطة والأكثر تفاعلية وحميمية، ميزة المشافهة هي تلك التفاعلية المباشرة التي يفتقدها المكتوب أو بعبارة اصح لا يرقى لمستواها.التفاعلية تعني سرعة الاستجابة وقدرة الإنسان على التعبير عن انفعالاته ورغباته ومطامحه ورؤاه بحرية ودون خوف من رقيب أو محاسب، في لغتنا المتداولة شفاهة نسمح لأنفسنا بالنقد بشكل جدري لأن المشافهة تتيح لنا أن نكون أكثر صدقا مع ذواتنا، فالشفهي يقول ما نحسه اللحظة دون استحضار الماضي في تعقيداته، الماضي الذي يؤرق المكتوب ويجره للاشتغال عليه سواء بتقبله كما هو أو بنقده بغية التخلص من سطوته التي تهمين على كل مشروع فكري يلامس الكتابة أو يشتغل عليها.قدرة المكتوب حين يكون صاحبه مثقفا جمعيا تتجلى في استنطاق الشفهي واستحضاره في لحظة استجابة لشروط انوجاد المكتوب التي تعني أكثر ما تعني القدرة على التأمل والنقد العميق الذي يتجاوز الأفكار الجاهزة والمغلوطة المزروعة فينا والآتية من الماضي، الماضي الذي لم نساهم نحن في صناعته، ولكنه يظل قادرا على التحكم فينا بشكل ناعم لا نحس وطأته علينا ولا نكتشف استراتجياته في توجيه تجليات الفكر النخبوي أي مشروع الثقافة النخبوية العالمة التي تتكأ على المكتوب، سوى عن طريق عملية النقدحرية الشفهي في مقابل رقابة المكتوب سواء الذاتية أو الموضوعية التي تفرضها مؤسسات معينة . هو المزح أو التوليف الذي يبتغيه المثقف الجمعي في مشروعه الفكري الذي يسعى لخلق يوتوبيات جماعية تستنهض الجماهيري / الشفهي، والنخبوي/ المكتوب في سعيه إلى بلورة مشروع مجتمعي يكون فكري يتكأ على المكتوب يكون المثقف الجمعي قائده وصانع رؤاه البعيدة التي تروم المستقبل بنقد الماضي في صياغة نظرية هي استجابة لتحديات اللحظة التاريخية في اتصالها وانفصالها مع ماضيها
الشفهي مرجع، والمكتوب مشروع ثقافي وحضاري، حين يتسم بالعمق الضروري لنجاح اليوتيوبيات الجماعية يكون قادرا على استلهام الشفهي ليس بغية الاستسلام له ولبساطته وانفعاليته المفرطة، وإنما بغية تجاوزه عن طريق إقامة قطيعة معرفية هي ضرورية جدا لبلوغ إي مشروع فكري مداه المرجو
إذن فالعلاقة تكاملية وهذا التكامل يكون ممكنا فقط حين يوجد المثقف الجمعي القادر على إدراك هذه العلاقة التكاملية والاشتغال عليها بعمق بعيدا عن النرجسية المفرطة التي تعزل الثقافة النخبوية في جزر بعيدة عن العوام وثقافتهم الشفهية المكتفية بحيوية اليومي وهمومه.

عن العشق والسياسة

حين نتحدث عن العشق بمقاربة مغايرة، عشق المرأة مقابل عشق السلطة، وحين تصير السلطة امرأة معرضة للسبي والاغتصاب ولامتلاك قلبها وجسدها حبا أو غصبا، نكون بصدد حالة عشق شبقية مقاربة في أسلوب عملها وإستراتجيتها لآليات عمل الفعل السياسي الهادف للوصول إلى السلطة بأية طريقة، بالاختطاف / السبي، أو بالاختيار الحر للشعب / الحب والرضا.
وبما أن الدارج في العالم العربي والإسلامي أن السلطة تؤخذ غلابا كما كانت تؤخذ العذراوات غلابا بالسبي والاغتصاب أثناء الغزو الذي كان يمثل مصدر رزق الكثير من القبائل العربية قديما.
فأن الحب ينكسر بهكذا مقاربة، ويفقد جوهره لأنه لا يؤخذ غلابا كما يؤخذ جسد المرأة وكما تؤخذ السلطة، وبالتالي فإن المعنى الإنساني للعلاقة العاطفية والجسدية بين الرجل والمرأة، والعلاقة الوجدانية بين الحاكم ( السلطة ) والمحكوم ( الشعب) لن تكون إلا علاقة متشنجة وحاملة لبذور الانفجار من الداخل، وفاقدة لأية شرعية ممكنة، لأنها تتجلى في كلتا الحالتين كحالة اغتصاب .
إذن فالاغتصاب وإن كان مرتبطا بالمرأة في المستوى الأدنى من الممارسات القمعية ضد أفراد المجتمع، فانه يكون مرتبط بالمجتمع كممارسة قمعية ضد هذا المجتمع برمته، حين تتسلط الدولة على المجتمع، وحين تقوم فئة واحدة متفردة بالسلطة باحتكار كل المجال السياسي وبتسيير تعسفي لباقي المجالات الاجتماعية والاقتصادية.

الخميس، سبتمبر 03، 2009

مبدأ الشرعية الثورية وتأميم الدولة والمجتمع

منذ الخمسينيات وما قبلها نعيش على وهم القومية والشعرات التي لا تلتقي بالواقع، باسم القومية انتصرنا وبسببها أيضا انهزمنا، في البداية كان المد التحرري كبيرا وهو ما أتاح للعالم العربي تحقيق استقلال كل دوله، ولكن الذين حاربوا بالأمس المستعمر استولوا على الدولة وأمموا المجتمع والدولة لصالحهم، لقد احتكروا السلطة باسم مشروعيات مختلفة ليرموا بكل المواطنين في الزوايا الضيقة والمعتمة
تلك العصب السلطوية التي اختطفت الاستقلال والدولة معه جردت الفكرة ( فكرة القومية ومعها فكرة الوطنية ) من وهجها وحولتها لشعار يلصق أعلى بوابات الهيئات الرسمية، لتكون تلك الشعرات سببعا في انطفاء جذوة الثورة ومعها رغبة الرقي والنهوض.
لنصل نحن جيل الهزائم والنكسات الذين ولدنا في أوطان مستقلة ومهانة إلى أن نكفر بكل الذين صورهم لنا التاريخ على أنهم أبطال الأمس، لأننا نراهم اليوم يختطفون السلطة والدولة والمجتمع والمال العام.
بوتفليقة واحد من هؤلاء الأبطال الذين حاربوا بالأمس ولكنهم وبعد تحقيق الاستقلال لم يستوعبوا جدلية التاريخ التي تقول بان الثورة حالة فورة وفوضى والدولة حالة نظام وتنظيم وعلى كل المتعاملين مع الثورة أن يغيروا حساباتهم حين ينتقلون لمرحلة بناء الدولة لان هناك أشياء كثيرة مستجدة تفرضها قوة الأشياء ونواميس المجتمع.
هم لم يدركوا هذه الجدلية وبالتالي تعاملوا مع الدولة بمنطق الثوار الذين يصنفون العالم إلى صنفين مع أو ضد. والمع ينال الرضا والمكافئة والضد يرمى للجحيم ويحرم حتى من حقه في الحياة، وهذا المبدأ " الثوري جدا " هو الذي تتعامل به الأنظمة العربية مع كل المعارضين لها.

الثلاثاء، سبتمبر 01، 2009

الاتحادات التدوينية والسلطة السياسية


تسمية الاتحادات التدوينية شكلية وهي على شاكلة كل الاتحادات والتعاضديات وما إلى ذلك من التنظيمات الداعية للقولبة والمستمدة من النظام الاشتراكي الزائل والذي ترك آثاره عندنا ورحل، هي على شاكلة اتحادات الكتاب واتحادات الفلاحين واتحادات النساء وما إلى ذلك،الفرق، أن اتحادات المدونين هي اتحادات هلامية وافتراضية والأشخاص المنتمون إليها غالبا غير معروفين بأسمائهم الحقيقية كما أن الانخراط فيها غير ملزم بتاتا.
التسمية شكلية والتنظيم أيضا، فأن يجتمع عشرة مدونين جزائريين ويقرروا تأسيس اتحاد تدوين جزائري متجاهلين آلاف المدونين الجزائريين الذين يعتقدون يقينا أن التدوين عمل فردي لا جماعي، وهو مبني على أساس الحرية والالتزام الفردي، بمعنى أن العملية التدوينية تنوجد كرغبة لدى الأفراد المسكونين بالرغبة في "وجع الراس"، فالتدوين هو واحد من المجهودات التي نبدلها دون أن نحصل مقابلها على أجر.
أكيد سوف يطلق هؤلاء المدونين العشرة على تنظيمهم اسم: اتحاد المدونين
الجزائريين، وهؤلاء الذين يبادرون بتأسيس مثل هذه الاتحادات هم في الغالب أناس متسللون، يحبون التمظهر ويجيدون الاستيلاء على نجاحات الآخرين بالوصاية المعنوية عليهم مع أن هذه الوصاية هشة وغير ملزمة لكلا الطرفين سواء للمدونين غير المنخرطين أو لأعضاء الإتحاد.
والنتيجة أن أعضاء الاتحاد سوف يتفاوضون، لاحقا، وفي ظروف معينة مع هيئات غير تدوينية بغية تسويق دعم هش لهم، على أساس أنهم ممثلون لكتلة واسعة من " أصحاب الرأي"، وتكون هذه الجهة غير التدوينية غالبا هي السلطة ممثلة بإحدى مؤسساتها. رغم علم هذه الجهة / السلطة بلا تمثيلية الاتحاد للمدونين، غير أنها غالبا توافق على الدخول في اللعبة لأنها تهتم بالشكليات ولا يهمها من الاتحاد ومن كل المدونين مجتمعين سوى خبر في جريدة، أو برقية توردها وكالة الأنباء الرسمية عن دعم المدونين للمشروع الفلان
ي أو للشخص الفلاني، فالخارجين عن مجال التدوين لا يعرفون شيئا عن تمثيلية الاتحاد للمدونين وبالتالي فهم مستعدون بسبب جهلهم لواقع الحال لتصديق الخبر، والاقتناع بأن المدونين قد عبروا من خلال اتحادهم عن دعم أو رفض، وهي نقطة تحسب للحاصل على الدعم، صحيح أنها نقطة هشة ولكنها تساهم في حشد الدعم الذي تقدمه الأحزاب والجمعيات التي لا تمثل سوى المنتسبين إليها لسلطة فاقدة هي الأخرى لتمثيل شعبي حقيقي.
والنتيجة: سوف تحصل السلطة على نقطة إضافية وعلى تطبيل شبه مجاني أما أعضاء الاتحاد التدويني فقد يحصلون على بعض الامتيازات، أقلها أو أكثرها السماح لهم بنشر بعض خربشاتهم بجرائد حكومية، وطبع بعض ما يكتبون على نفقة الجهة الحاصلة على الدعم والتأييد، بمقابل إبقاء الباب مفتوحا لتسخير أعضاء الاتحاد التدويني – في حالة احتاجت السلطة لهم - للتشويش على أصوات المدونين المشاكسين الذي لا يعجبهم العجب ويرفضون التسليم للسلطة بما تقرره.
في حالة وقوع هذا اتفاق فعلي أو ضمني بين اتحاد مدونين وبين جهة معينة في السلطة وتصدي الاتحاد للقيام بحملة تطبيل لصالح خيارات السلطة سيجد المدونون الآخرون الذين يدركون أن الاتحاد لا يمثلهم، أنفسهم مجبرين على التدخل ورفض هذا الانحراف، رغم أنهم في حالات معينة غير معنيين بأمر الاتحاد بصفة مباشرة ( حينما يوقع الاتحاد عرائض المساندة باسم الاتحاد فقط، وليس باسم كل المدونين كما حدث مع النادي الجزائري للتدوين في الانتخابات الرئاسية الماضية) وتدخل هؤلاء المدونين سيكون رافضا لنقطتين:
الأولى: أن لا يتحدث الاتحاد باسمهم.
الثانية: سيدافعون عن حرية التعبير واستقلالية التدوين بصفة عامة ويرفضون الدخول في تفاوض مع السلطة تكون نتيجته التنازل عن شرط التدوين الأساسي وهو الحرية.

فلسطين حالة ابداعية


فلسطين حالة إبداعية، عنقاء تنبعث من رمادها كل حين أكثر وهجا وأكثر قدرة على قول: أنا هنا بامتدادي في التاريخ، أنا هنا في لحظات الانكسار حاملة لوعود الانتصار، أنا هنا وطن لجميع المحزونين في هاذي الأرض.
أرض فلسطين حالة إبداع إلهي، هي حاضنة الديانات التي تؤمن أن النبي محمد لم يكون إلا عربي بلغ رسالته لكل من يحمل في قلبه شجن المحبة والسلام.
فلسطين هي التي خلقت القصيدة / القضية، هي التي جعلت من الحجارة ومن غصن الزيتون رمزا لكل من يدافع عن أرض هي له بأمر من الله
الفلسطيني هو ذاك الحصان الطروادي المتسلل عبر تعرجات التاريخ نحو الآفاق التي تطاول المستقبل وتنغرس في الماضي وفي الأرض، هو التائه في العالم منفيا، لاجئا وسائحا لم ينسى أن رجلاه لا تزالان عالقتان في طين شوارع القدس.
فلسطين هي موسيقى السماء التي لا يعزفها سوى الأطفال المجانين، الذين ألهموا نزار أن يكتب للمجانين، هي درويش وهي ادوارد سعيد، هي فدوى طوقان وهي سميح القاسم وهي دلال المغربي.
هي كل ما لا نستطيع قوله الآن ونحن نعايش أقسى لحظات الانكسار في الزمن العربي المسكون بالضياع والأحزان، بعبارة أخرى هي كل ما لا يحق لنا قوله الآن.

مظفر النواب

هو مظفر النواب الذي حمحم بشجن المحرمات على امتداد رحلة الحنين إلى
" جسر المباهج القديمة "، في شعره إدانة لجميع الذين انبطحوا وغيروا جلودهم فقصيدته " القدس عروس عروبتكم " مثلت في تاريخ الشعر العربي المعاصر قمة الغضب الذي يمكن أن يصله شاعر ويعبر عنه بكل البذاءات التي لا يحتملها السمع.كان شيوعيا في زمن كانت الشيوعية موضة وهو المنحدر من أسرة ارستقراطية ، وحين انقلب الرفاق القدامى على مبادئهم ظل وفيا لذاته وللشعر وللغضب الذي يجعل الكلمات شهبا لرجم الذين باعوا الأحلام والوطن، كان متسكعا، صعلوكا وظل كما هو، رفيق المنافي والزنزانات الباردة، وصوت المتعبين، وهو الآن في طي الغياب، طي الترحال.ربما مات، ربما تحول لبائع لعب أطفال في شوارع دمشق القديمة، ليقول شعرا آخر للصغار الذين آمن بهم، وبأنهم وحدهم القادرين على محو عار " الندامى " ، هو الذي لم يكتب عبر مسيرته الشعرية الطويلة والمتذبذبة غير كلمات أرادها "رسائل حربية عاشقة"، فالحب والحرب كانا قضية حياته الجوهرية، أو قضيه شعره، مع أنه لا فرق بين شعر مظفر النواب وحياته.
مظفر النواب، الحامل لأرث الغضب العربي الممتد عميقا في التاريخ، أحبه وأحب صعلكته في شوارع بغداد ودمشق، كما استعذب غضبه وكلماته البذيئة جدا والصادقة جذا؛ ذلك الذي لا يقول أي شيء في الخفاء، لأنه شفاف وطاهر وصادق مع ذاته، ولا يهمه ما سيقوله عنه الآخرون الذين لم يخجل يوما في مصارحتهم بحقيقتهم العارية .

الاثنين، أغسطس 17، 2009

الحوارية الغائبة


احترام الاختلاف والقدرة على فتح حوارات هادئة حول ما نختلف حوله، هو المظهر الأساسي المفقود في ثقافتنا المعاصرة، وللحق هو مفقود في الثقافة العربية التاريخية أيضا، فحتى اللغة العربية هي لغة سماعية خطابية وتلقينية أكثر منها لغة حوارية، ففي القديم كان الشاعر يلقى قصائده في جمع من الناس أو في حضرة أمير أو سلطان أو زعيم قبيلة، الإلقاء يشد الانتباه، يحفز السمع ويستفز المشاعر ، ولكنه يخدر العقل أي يجعله مجرد مستقبل، فتضيع القدرة على ملاحقة الكلمات المصاغة ببلاغة والانتباه لعثراتها.
لهذا كان دور المتلقي هو الاستماع، ونادرا ما يقع الأخذ والرد، فالمسموع الشعري إما يستحسن أو يستهجن، والاستحسان كما الاستهجان هو موقف ذوقي مدفوع بعواطف ومشاعر، أكثر مما هو موقف عقلي اتجاه المسموع، وهذا الموقف الذوقي هو الذي ساهم في تغييب نقاشات من طرف المتلقين للنص الشعري أو للأخبار التي كان يتداولها الرواة، فعملية الاستماع لا تتبع عادة بحوار حولها.
هذه الظاهرة استمرت مع الوحي الإلهي والحديث النبوي، كان النص الديني ينقل سماعا من طرف لآخر، وما على الطرف المتلقي سوى أخذه كما هو، أي التسليم به، وهذا ما فتح المجال واسعا أمام دس الكثير من الأحاديث ونسبها للرسول الكريم.
هنا نجد الجذور التاريخية لغياب ثقافة الحوار بيننا، الأمر اختلف قليلا مع بداية عصر التدوين، وعصر التدوين ابتدأ بتدوين العلم، والعلم في تلك الفترة بداية من القرن الثالث الهجري كان يعني أساسا العلم الديني والحديث على وجه الخصوص، هناك الكثير من الفقهاء ورجال السلطة رفضوا التدوين أي رفضوا الكتابة لأنها تتيح الفرصة للعقل المتأمل في التفكير حول المكتوب ( المسموع سابقا ) ونقده وتمحيصه، أي ممارسة قراءة عقلية واعية وهادئة له، وهذا ما لا يخدم حراس الايديولوجيا السائدة والمكرسة، لأن إعمال العقل قد يبطل الكثير من مزاعمها الغير مؤسسة.
ولكن بعد الحرب الضروس التي خاضها جامعي الأحاديث والحجج المنطقية التي قدموها كتبرير لعملهم المرتكز حول جميع الأحاديث الصحيحة وفرز المنسوب منها، تنازلت السلطة وسمحت لهم بالتدوين ولكن الحركية كانت متسارعة فانتقل التدوين من الحديث إلى مجالات معرفية أخرى انتصرت لاحقا وببراعة على دعاة الثقافة الشفوية ، وهذا الانتصار للمكتوب هو ما صنع مجد الحضارة العربية الإسلامية التي كانت حضارة عقل ودين معا.
ولكن حتى مع انتصار المكتوب وانوجاده كمجال معرفي يحضى بثقة النخبة، ظلت هناك دائما طابوهات صعب على المكتوب تجاوزها، فحق النقد اتجاه المقدس وحق رفض بعض ما يدرج ضمن نطاق المسلمات، ظل مرفوضا من طرف السلطة السياسية ومن خلفها السلطة الفقهية التي تم تدجينها سياسيا ما عدا بعض الفقهاء المتمردين الذين رفضوا الانصياع لإملاءات السلطة السياسية واستطاعوا أحيانا جرها للتنازل عن غيها.
ولهذا ظلت ثقافة الحوار والحق في الاختلاف شبه مغيبة، وغيابها ظل في حالة اتساع خصوصا مع عصر الانحطاط الذي نعيش بعض مراحله الأكثر تراجيدية الآن.
لغتنا المتداولة هي لغة إقصاء ورفض للآخر واللغة عند علماء اللسانيات ليست مجرد وسيلة تواصل بقدر ما هي حاملة لمنظومة فكرية تبين بجلاء طبيعة تفكير المستعملين لها، وبالتالي فنحن عندما نقول بأن لغتنا اقصائية فمعناه بأن طريقة التفكير التي تصدر عنها هذه اللغة هي بدورها اقصائية ورافضة للحوار ولا تعترف للآخر بحقه في الاختلاف .
وهذه الذهنية الاقصائية تتجلى في انصع تمظهراتها عند رجال السياسة والحكام العرب وكذا عند المثقفين الذين يرفض كل تيار منهم التيارات الأخرى ويسفه فكرها ومرجعياتها دون أن يحاورها ويأخذ منها ما يفيده وفي الوقت نفسه يطعمها بما عنده مما يمكن أن يكون إضافة له أو نقطة التقاء معه.
هناك مقولة جميلة أعتقد انها للدكتور عبد الله ركيبي، يقول: " إن مثقفينا في الجزائر والعالم العربي هم مثقفون لفظيا وليسوا مثقفين فكريا ".
وهذا التعارض الذي أشار إليه الدكتور ركيبي يمكن العثور عليه في تلك الضحالة الفكرية التي تسم الكثير من الكتابات الفكرية التي تصدر في العالم العربي، حيث انها في عموميتها لا تصمد أمام النقد العقلي، بسبب افتقادها للانسجام الفكري الذي يعطيها ديمومتها وقدرتها على التأثير العقلي قبل التأثير العاطفي.
وهذا ما يفسر خلو الحقل الثقافي العربي من مفكرين كبار استطاعوا تكوين مشاريع فكرية تتسم بالأصالة وعمق الطرح والانسجام الذي يساهم في تحويلها إلى تيار أو مدرسة فكرية تستقطب أتباعا ومريدين، حيث أن المتابع للحقل الثقافي العربي لا يعثر إلى عدد قليل جدا من الكتابات التي يؤسس أصحابها لمشاريع فكرية جادة استطاعت مع مرور الوقت وبفعل اجتهاد أصحابها في اثرائها، وبفعل التراكم المعرفي المنتج حولها، استطاعت ان تفرض نفسها وان تمتلك قدرة المنافسة داخل السوق التداولي للافكار الذي صار عالميا منذ فترة طويلة، وهنا يمكن ذكر بعض تلك المشاريع الفكرية:
- محمد عابد الجابري من المغرب ومشروع نقد العقل العربي
- محمد اركون من الجزائر ومنهجه في دراسة التاريخ الفكري الإسلامي الموسوم
بالإسلاميات التطبيقية
- حسن حنفي ومشروع قراءة متجددة للتراث العربي الإسلامي
- محمد شحرور من سوريا ومشروع قراءة جديدة للنص الديني
وهذه المشاريع الفكرية الجادة والواعدة مجهولة بنسبة كبيرة، خارج إطار النخبة الثقافية، وهي متجاهلة من طرف السلطة السياسية ومكفرة ومفسقة من طرف الفقهاء رغم عدم اطلاعهم عليها غالبا.
الكتب الجادة عندنا لا تثير حوارا حولها وحتى عندما يصدر كتاب مثير للجدل تسارع السلطة الدينية بإصدار فتوى تكفر صاحبه، و السلطة السياسية بوسائلها القمعية تصادره وتمنعه من التداول، فيتظاهر بعض المثقفين بالدفاع عنه وعن حرية التعبير والحق في الاختلاف وهم فقط يريدون استغلال الضجة التي أثارها المنع، بالكتابة عنها والاشتهار على حسابها، ويهاجم الطرف الآخر أي اؤلئك الذين يقدسون التماثل الفكري والاجتماعي، يهاجمون الكتاب وصاحبه مستغلين عناصر الهوية الجمعية كأدوات هجوم.
وفي الحقيقة أغلبية من يتحدثون في الموضوع سواء الرافضين أو المدافعين لم يقرؤوا الكتاب. حدث هذا أكثر من مرة وسيتكرر كثيرا لأن الذهنية لم تتغير، وهذه الذهنية هي علة أخرى من علل أزمة المثقف العربي.

الجمعة، أغسطس 14، 2009

تهميش المثقف الجزائري: من المسؤول؟

حين نطرح التساؤل بهذه الصيغة: "تهميش المثقف الجزائري واغتياله نفسيا: مسؤولية من؟" نكون بصدد استعداد نفسي لتبرئة المثقف من مسؤوليته عن الوضع الراهن الذي يتسم بكثير من الرداءة على مستوى الإنتاج الفكري من جهة وعلى مستوى الأداء الثقافي لما يسمى بالمؤسسات الثقافية من جهة ثانية.
وإلقاء اللائمة على جهات أخرى غير محددة مع أنها ومن خلال الإشكالية المطروحة تحيل على المسؤولين عن قطاع الثقافية الذين يشجعون الرداءة لعدة أسباب: قد يكون ذلك هو مستواهم وفكرتهم عن الثقافة التي لا تخرج في نظرهم عن الاحتفالات الكرنفالية، وقد يكون الإصرار على الرداءة ناتج عن كون أغلبية المسؤولين عن قطاع الثقافة في بلادنا هم من المبدعين والكتاب الأقل شهرة والأقل تميزا وحضورا داخل الحقل الثقافي، وبالتالي فتمييع الفعل الثقافي من طرفهم ما هو في النهاية سوى تغطية على رداءتهم.
بمعنى أن المثقف نفسه يتحمل نصيبا وافرا من مسؤولية الوضع الرديء الذي يعيشه الحقل الثقافي الجزائري، وهذه الوضعية نتاج تاريخي أكثر من كونها مجرد وضعية مستجدة، فافتقاد المثقف الجزائري للإمكانيات المادية التي تمنحه حرية في الإبداع والمبادرة، تجعله رهين تجاذبات حادة من طرف مؤسسات الدولة والهيئات الخاصة التي لا يهمها من النشاط الثقافي سوى تجميل صورته أمام الرأي العام المحلي وأمام المؤسسات الدولية التي تأخذ بالحراك الثقافي داخل أي مجتمع كمقياس دال على الديمقراطية والتقدم والنمو، أي أن الثقافة بالنسبة لتلك المؤسسات تبتعد عن كونها خلقا وإبداعا لتتحول لمجرد وسيلة لتحقيق أهداف أخرى غير ثقافية.
وفي ظل هذا الوضع يتحول المثقف إلى مجرد وسيلة للدعاية السياسية ويفقد جوهره وروحه الإبداعية ونظرته النقدية للأشياء، وبفقدان هذه المميزات يفقد المثقف مبرر وجوده ويتجول إلى مسخ.
هل يمكن اعتبار هذه الحالة التي يعانيها المثقف الجزائري، والعربي عموما، حالة ناتجة عن هيمنة الدولة على المجال الثقافي وعملها على إفراغه من محتواه النقدي والحر، مما أزم العلاقة بين المثقف والسياسي، أم أن نشوء وتطور الدولة والمجتمع ما كان لينتج غير هذه الحالة التي تضع الثقافة في ذيل قائمة الاهتمامات؟
بما أن مشكلة المثقف أو عامل النقص الذي يعانيه إزاء السياسي هو التجدر الاجتماعي المفقود، وكذا وسائل التأثير التي لا يمتلكها هذا المثقف، فإن الحديث عن البنية التحتية التي توفر للمثقف هذا المجال ذو أهمية قصوى، فالمعاهد والجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات الثقافية ودور النشر والمجلات والصحف وغيرها من الهيئات ذات العلاقة بالحقل الثقافي تشكل قاعدة مادية مهمة لعمل ونشاط المثقف تكتسي أهمية بالغة في توفير مناخ مناسب للمثقف يستطيع في ظله القيام بواجبه في نشر وعي معين وبالتالي في اكتساب سلطة معينة إزاء السياسي.
وهذا الطرح يقودنا لنقطة أساسية مرتبطة بعمل المثقف في جو تنافسي قوامه التنافس على خلق وتوليد الأفكار لا التنافس على تقاسم الريع كما هو حاصل لدينا، وهذه النقطة مرتبطة بدور الاقتصاديات الوطنية وبعبارة أدق دور رأس المال الوطني الخاص تحديدا في دعم ورفد هذه المؤسسات حتى تكون منبرا لحرية الفكر ومن ثم للخلق الفكري والإبداعي الذي يصب في خدمة المجتمع بصفة عامة حتى حين يكون هدفه الأولي هو خدمة هيئة معينة كحال الدراسات الاجتماعية والاقتصادية التي تنجر بطلب من مؤسسات حكومية أو خاصة.
من أهم الأسباب المعيقة لنشاط المثقف هي كونه موظفا عند الدولة وبالتالي فاقد للحرية إزاء نقد الدولة فهو في الغالب يعمل في مؤسسات ثقافية وإيديولوجية وتعليمية تابعة للدولة وخصوصا المؤسسات ذات الإمكانات الضخمة كالجامعات ومراكز البحث، ومن هنا فمن المنطقي أن لا يكون عمله موجها ضد الدولة وضد خطاباتها السياسية والإيديولوجية، فالدولة هي التي تضمن رزقه وتوفر له رفاهية اقتصادية تمكنه من التميز الاجتماعي.
وهذه الامتيازات التي يحصل عليها المثقف نتيجة حاجة الدولة له كموظف في مجالات لا يمكن لسواه أن يحل محله فيها تجعله يميل لخدمتها مضحيا بحريته، أو يشاغب في حدود المسموح به فقط، دون أن يطلق ملكاته الإبداعية والفكرية لولوج مناطق غير مستوية تقوده للإخلاص للحقيقة وحدها بعيدا عن التوجهات السلطوية.
نحن في المجتمعات العربية الحديثة وعلى عكس المجتمعات الإسلامية في فترات تاريخية ماضية لم تنتشر عندنا ظاهرة "رعاة الثقافة" أي أشخاص يملكون رأس المال ويوظفونه في دعم النشاط الثقافي والفكري الذي يصب في خدمة المجتمع بصفة عامة.
رعاة الثقافة والأدب لعبوا دورا كبيرا في النهضة الأوروبية، كما أن ازدهار الثقافة في الحضارة العربية الإسلامية كان مرتبطا بهذه الظاهرة تحديدا، حيث امتدت رعاية الثقافة من الأمراء إلى العائلات الغنية والأفراد الذين يحملون هما فكريا وثقافيا.
يكفي الإشارة إلى مثال مهم في العصر الحديث حول دور هذه الرعاية في نشوء نظريات ومدارس فكرية، صبت مقارباتها في خدمة المجتمع، مثال كارل ماركس وانجلز يعطي دلالة بالغة على الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه هكذا رعاية ثقافية في نشوء تفكير حر يكون قادرا على زلزلة اليقينيات، ويعد بفتوحات معرفية متجددة.
فلم يكن من الممكن لكارل ماركس أن يصوغ مشروعه في نقد الرأسمالية وكذا تنظيره للاشتراكية العلمية لولا لقاءه بالملياردير فريديريك انجلز الذي كان رفيق الدرب في التنظيرات الماركسية؛ انجلز وفر لماركس كل المتطلبات المادية له ولأسرته بغية تفرغه لمشروعه الفكري وهذا ما ساعد ماركس على توجيه تفكيره إلى نقطة مركزية وبكل حرية.
في المجمعات العربية الحديثة، البورجوازية الوطنية هي بورجوازية هجينة، فهي لا تمتلك مشروع مجتمع. في نفس الوقت هي بعيدة عن الثقافة بسبب وضعها الهجين، ولكون غالبيتها بورجوازية كومبرادورية مرتبطة بالمصالح الأجنبية فهي لم تساهم في خلق مؤسسات تهتم بالمجال الفكري ولم تساهم بأي شكل من الأشكال في خلق أو الترويج لنظرية أو فكرة معينة تخدم المجتمع.
ومن هنا كان المثقف ملزما بمراعاة ظروف المعيشة أي بالبحث عن مصدر رزق كأي إنسان عادي، وبما أن دور المثقف هو التفكير وإنتاج وتسويق الرموز لغايات اجتماعية فقد استقطبته مؤسسات الدولة التي تعنى بالتفكير وإنتاج المعرفة.
في الوقت نفسه، كانت هذه المؤسسات عامل مراقبة حد من حرية التكفير الضرورية للمثقف، فسقف حرية البحث العلمي والإبداع في العالم العربي محدد ومؤطر بطابوهات لا يمكن الاقتراب منه.
وفي نفس الوقت الذي تدرج فيه الدولة المثقف ضمن مؤسساته، فهي تهمشه وتحوله لتكنوقراط ولكسول لا يتحرك إلا بمهماز نتيجة ضعف العناية الممنوحة لمجال البحث العلمي وللنشاط الفكري عموم، حيث وبسبب اللجوء للمثقفين بشكل مناسباتي يتحول المثقف العاطل عن التفكير إلى متسابق على ما تذره النشطات الثقافية التي ترعاها الدولة وتصرف عليها بسخاء لأهداف لا ثقافية أساسا مرتبطة بمصالح سياسية مرحلية.
إذن فمشكلة المثقف هي مشكلة البورجوازية الوطنية التي تخلت عن تحالفها مع المثقف لأنها لا تمتلك مشروع مجتمع، ومشكلة الدولة التي رأت في المثقف إنسانا مشاغبا ومزاحما لها على كسب سلطة معينة تكون معارضة ومناوئة لسلطتها. ولهذا سعت لتدجينه وتحويله لكائن داجن لا يتحرك إلا للتنافس على الريع الذي توزعه الدولة.
ومن هنا فإن الباب المفتوح والخطير الذي يجب على المثقف ولوجه في ظل هذه الظروف هو باب النضال، النضال من اجل الديمقراطية التي أساسها الحريات العامة وحقوق الإنسان، وأساسها أيضا العلاقة التضايفية بين المثقف الحقيقي والسياسي الواعي بدور الثقافة في نهضة الأمة، لا العلاقة الإقصائية والعدائية السائدة في الوقت الراهن نتيجة غياب الديمقراطية.

الأربعاء، أغسطس 12، 2009

ذكرى رحيله الجارحة


هو الرائع دوما الذي علمنا كيف نعشق الكلمة حين ينطلق بها صوته أو حين تخطها أنامله، كان عاشقا من الطراز النادر لأرضه ووطنه وشعبه، رحل بصمت العشاق الكبار الذين يكون صمتهم نبلا ووقارا.فرحمة الله عليك يا سيد الشعراء ويا شاعر القلب والوطن حين يصير الوطن مساحة عشق فقط بعيدا عن اذران السياسة والنفاق. حينها، سنكون دوما بحاجة للعودة لمحمود درويش الذي لا يموت، فالكتابة تعني رغبتنا في أن نبقى على قيد الحياة حتى بعد أن تصعد الروح إلى بارءها ويفنى الجسد، ودوريش لم يمت، سيظل بيننا.
ونحن نستعيد درويش بعد سنة من رحيله، نستعيد تاريخا كاملا من الكلمات والنضالات الكثيرة التي خاضها بحرفه وفكره، فدرويش الشاعر والسياسي الذي انقلب على شعره مرات كثيرة بحثا عن قصيدة تحتويه، كما اختلف مع رفاقه في فتح حين فرضت الظروف عليهم ان يقايضوا خبز امه بقطعة ارض موعودة يرفع فوقها علم وغصن زيتون، لم يكن يوما حالة فردية، حالة شخص عاش ومات كما يموت الملايين، إننا نستعيد مع استعادة روح درويش جرحا غائرا في تاريخنا الحديث، جرح وطن وجرح أرض لا تزال نازفة، وجرح ذاكرة موشومة بالدم.

الاثنين، أغسطس 10، 2009

المدون والمثقف

لا أرى أن كل مدون هو كاتب أو مفكر، هناك الكثير من الكتاب لهم مدونات وهم كتاب معروفين، سواء على المستوى الأدبي أو الأكاديمي ولكن انطلاقا من ماهية التدوين ومن فكرة المدونة القائمة أساس التفاعل لا يمكن اعتبارهم مدونين رغم ان لهم مدونات.
لماذا؟
لأن المدونة بالنسبة لهم هي مجرد مكان للنشر بعيدا عن أي تفاعل مع باقي المدونين ( القراء ) والمدونة حين تفقد تفاعليتها تفقد جزء كبيرا من ماهيتها لهذا فالمواظبة على التدوين عمل مضني ومتعب للغاية مع أن المدون الذي يجتهد في تحديث مدونته بشكل شبه يومي لا يحمل صفة كاتب أو مفكر أو غير ذلك من الصفات والأسماء التي يسعى خلفها من يتعاطون الكتابة عبر الوسائل التقليدية ( صحف، مجلات، كتب)
إذن من هو المدون؟
انه إنسان يكتب مع انه ليس بكاتب إنسان يشارك في معارك فكرية وسياسية مع انه ليس بسياسي ولا بمفكر، هو فقط وعن طريق مدونته صار قادر ا على إيصال رأيه لفئة واسعة من الناس، وفي الوقت نفسه صار قادرا على أن يجعل من رأيه موضع قبول أو رفض دون أن يدعي انه قادر على التأثير في الآخرين أو المساهمة الفعالة في صناعة رأي عام رغم أن نسبة كبيرة من المدونين مسكنون بوهم التأثير في مجريات الأمور ( من خلال الحملات التدوينية حول قضايا عامة ) وحريصون على إظهار مدى قدرتهم على إبداء الرأي في كل ما يتعلق بالحياة العامة.
المدون قد يكون إنسانا مثقفا كما قد يكون إنسانا متعلما لا غير، وإذا حددنا صفة المثقف بذلك الإنسان الذي يحشر انفه في الشأن العام، نقول بأن المدون مثقف بشكل ما ، ولكن هل صفة المثقف تجعل منه كاتبا أو مفكرا؟، ليس بالضرورة ونحن نعيش لحظة احتضار الكلمات والمفاهيم القديمة، لأن صفة المثقف لم تعد تحيل بالضرورة على الكتابة رغم أنها ( وقبل زمن الفضائيات والانثرنث ) تستدعيها بالضرورة.
باختصار التدوين عملية جماهيرية لتمييع الثقافة، إنه مرحلة متقدمة من مراحل كسر الهيمنة الثقافة للنخبة الفكرية والتي ظلت ( أي تلك الهينة ) شديدة الحضور والتأثير لفترة زمنية طويلة ( لقرون عدة )، فالتدوين أتاح للمهمشين صناعة مركزهم واسمهم الخاص الذي تعثر عليه محركات البحث عبر الانثرنث بنفس القدر الذي تعثر به على أسماء كتاب كبار افنوا عمرهم بين الكتب وصار تأثيرهم لا يتجاوز فئات قليلة من القراء يتراجع عددها يوما بعد آخر نتيجة زحف وسائط الاتصال الحديثة.

الاثنين، يوليو 27، 2009

في نقد التدوين

إن أهم عائق أمام تطور حركة التدوين العربية هو كون غالبية المدونين العرب لم يحسموا امرهم فيما سيكتبون عنه قبل ولوج التدوين فالتدوين بالنسبة للغالبية منا استجابة للحظة وللمستجدات خصوصا بالنسبة للمدونات ذات الطابع السياسي المنشغلة بملاحقة المستجدات السياسية الوطنية والدولية، والغارقة في النقد لأجل النقد بطريقة تخبر عن مراهقة سياسية مقيتة، رغم كون غالبية من يتصدون للكتابة عن السياسة كثيرا ما يقرنون اسمهم بصفة الدكتور أو الكاتب الصحفي وغيرها من الصفات التي يبتغون من وراءها إعطاء مشروعية ما لما يكتبونه في عالم التدوين، ومن ثمة تحصيل مكانة وسط المدونين الذين يتشكلون في الغالب من مجرد متعلمين وجدوا الفرصة المواتية من خلال المدونات لممارسة هواية الكتابة.
ينحدر غالبية المدونين من الطبقة الوسطى أو بتعبير المدون الفيل من الأفندية الصغار، و الطبقة الوسطى تعتبر من منظور ماركسي هي الحاملة لقيم التغير والحاملة أيضا لمشروع حضاري تريد تحقيقه في المجتمع، لهذا فهي طبقة قلقة، راغبة في الارتقاء في نفس الوقت تظل مسكونة بهاجس السقوط ، وهذا الوضع القلق للفئة الاجتماعية التي ينحدر منها غالبية المدونين ذو فائدة تحليلة حين نسعى لمقاربة توجهات المدونين نحو النقد السياسي ونحو الكتابة الفكرية، حيث الميزة المشتركة بين جل المدونات الحاملة لقيمة فكرية هي الرفض والنقد والحماسية، وفي نفس الوقت الميل نحو المحافظة التي تعبر عن رغبة ملحة لدى المدونين للانسجام مع القيم المجتمعية السائدة، والحرص على التماثل الاجتماعي الذي يحرص عليه كل من له مصلحة في لعب دور سياسي واجتماعي معين يحتاج لتأييد فئات واسعة من المواطنين.
فميل المدونين لتبني القيم المجتمعية السائدة وعدم الخروج عنها، يحصر العملية التدوينية في كونها إعادة إنتاج للمقولات السائدة والمكرسة في الواقع، في الوقت نفسه يتحول التدوين إلى عملية اجترار لا تظيف أي جديد للخطاب الثقافي السائد في الحقل الثقافي العربي، حيث الهيمنة الكبيرة للخطابات الدينية وللنقد السياسي الذي ينتقد بدون دليل، وهذا الميل المحافظاتي على المستوى القيمي والاجتماعي من جهة، والنقدي على المستوى السياسي من جهة ثانية الذي يسم جل المدونات العربية لم ينتج في النهاية وبعد سنوات قليلة من بداية التجربة التدوينة العربية سوى خطابات منغلقة على ذاتها ورافضة للاختلاف والحوار رغم الإدعاءات الكثيرة باحترام الرأي والرأي الآخر، فكلمات مثل التغيير، الحوار، الاختلاف، العقلانية ، التسامح، وغيرها من الكلمات ذات المدلول الفلسفي العميق التي تحيل على ذهنية متفتحة قادرة على محاورة نفسها والآخر بأسلوب حضاري هي كلمات غائبة بشكل كبير عن فضاء التدوين، لأن المدونون العرب مسكونون أساسا بصناعة إسم، ومهوسون في نفس الوقت بتلك الطهرانية المقيتة التي يرفعونها كشعارات لاضطهاد الآخر المختلف ورميه بالفسق والفجور والمروق لمجرد الإختلاف في الرأي.
فثقافة المدونين مدرسية في الغالب، وهذه الثقافة المدرسية هي التي تجعلهم يقولون ويكتبون فقط ما يحضى بالقبول من مجموع المتلقين، وهنا يتم إلغاء الذهن المتقد القادر على النقد والقادر على الاختلاف لأجل تماثل إجتماعي وفكري ولأجل قولبة للمفاهيم والقيم عموما في عالم منفلت من من الرقابة الايدلوجية للسلط القمعية
يقوم بعض المدونين بمهمة حراس المعبد المقدس، مثلا بعض الاتحادات كالاتحاد الفدرالي للمدونين ظل ولفترة طويلة يقدم نفسه من خلال ما ينشره بعض اعضاءه ومن خلال بعض الحملات التي قام بها على أنه القيّم والحارس لكل القيم الدينية والثقافية التي تحظى بنوع من الاجماع في الوسط الاجتماعي، كذلك بعض المدونين المنفردين والذين لا ينتمون لاتحاد معين او مؤسسة ما، وغالبا هم أولئك الكبار سنا يمارسون نوعا من الأبوية على الآخرين بشكل مقيت وكأنهم أنبياء الزمن الجديد، في حين انهم في نهاية الأمر لا يمثلون سوى رقم في قائمة تضم الآلاف من المدونين المتفاوتين في قدرتهم على التأثير على المتلقي.
نحن عن طريق التدوين لن نغير العالم، علينا أن نكون متواضعين بعض الشيء، ونتخلى عن يوتوبيا تغيير العالم بالكلمات، فنحن نكتب وندون لحاجة في النفس لا أكثر ولا أقل، وللتعبير عن رأي لا يلزم احدا سوانا في نهاية المطاف ، ومن ثمة للمساهمة في صناعة رأي عام ولو بنسبة ضئيلة جدا.
وهنا نعود للنقطة الأولى المثارة: مالهدف من التدوين؟
وهل قام كل مدون بتحديد هدف معين يبتغي الوصول إليه قبل ان يلج التدوين، ومن المسهدف بالخطاب التدويني ( مقول خطاب مجازا )؟

هذه اسئلة تطرح عادة على اصحاب المدونات الذين يدعون أنهم مدونون يحملون مشروع فكري ما، أما أصحاب الخواطر العاطفية وما أكثرهم فأظن ان الكتابة بالنسبة لهم هي ترفيه عن النفس وتعبير عن خوالج القلب والجسد، وهذا ليس عيبا، فوجود هكذا مدونات متخصصة في حلو الكلام أمر طبيعي لأنها تقدم ابداع في نهاية المطاف، ولكن كتاباتهم تفتقد لأيديولوجيا معينة، لهذا لا نستطيع أن نوجه لهم اسئلة فوق ما يستطعون ادراكه، او اكبر من طموحاتهم التدوينية.

الأحد، يوليو 19، 2009

الغرب، المثقف الاسلامي، المثقف العلماني

حسم المثقف الإسلامي أمره منذ البداية اتجاه الحداثة واتجاه الغرب، حسم أمره برفض الأمرين معا بشيء من المراوغة، حيث انه يقع في تناقض صارخ وهو يعلن عن رفضه المطلق للحداثة وللغرب وفي نفس الوقت يوظف المنتجات التكنولوجية الغربية وبواسطتها يعلن رفضه، فهو أي المثقف الإسلامي رفض الأفكار وقبل المنتجات التقنية التي تحمل في نهاية المطاف ثقافة معينة هي الثقافة الغربية وتفرضها بشكل خفي على مجتمعاتنا دون أن نكون واعين بكيفية تمرير تلك المنتجات التكنولوجية لثقافة معينة هي نتاج البيئة التي أنتجتها وحاملة لقيمها.
فالتلفاز والفضائيات والانثرنت والجوال والمصانع التي تضم آلاف العمال، كلها تزرع ثقافتها وقيمها المغايرة للثقافة والقيم التي ينافح عنها المثقف الإسلامي، فهذا الأخير يعلن رفضه للثقافة الغربية في حين هو أسيرها، وبالتالي يقع في التناقض الذي يداريه بتلفيقية خطابية لا تصمد كثيرا أمام النقد العقلاني الذي يوجهه ضده غريمه العلماني، كما انه يعبر من خلال فصله بين المنتجات التكنولوجية والقيم الثقافية التي تحملها عن قصور في الرؤية يغشى نظرته للغرب وعلاقته به المتسمة دوما بالتشنج.
المثقف العلماني لا يزال ضحية صدامه مع قيم المجتمع، فهو لا يريد تمثل تلك الموروثات القيمية والثقافية المتجذرة في المجتمع والتي يحمّلها وزر التخلف ومن ضمنها ما يسميه الفهم القاصر للدين ، فالمثقف العلماني يدعو لفصل الدين عن الدولة ومن ثمة عن الحياة الاجتماعية من خلال الاستناد إلى مرجعيات وضعية فيما يخص النظم والقوانين الناظمة لعلاقة الأفراد فيما بينهم من جهة وبينهم وبن الدولة من جهة ثانية، دون أن يجد الوسيلة التي تمكنه من إيصال رؤاه وطرح أفكاره بشكل مقنع اجتماعيا.
فمأساة المثقف العلماني تكمن في كونه غير متجذر اجتماعيا على عكس المثقف الديني الذي يحضى بقبول وبثقة عموم أفراد الأمة الذين يرون فيه معبرا عن جزء من هويتهم الأصيلة التي يشكل الدين رافدا مهما من روافدها؛ فالمثقف العلماني يرى في العلمانية والحداثة وقيم الأنوار الأوروبية خيارا لا رجعة فيه من أجل النهوض من جديد، واللحاق بالركب الحضاري الذي أخطانا نحن العرب موعدنا معه مرات كثيرة، وتبنيه للقيم الغربية كمرجعية يوقعه في صدام مع المجتمع ومع القوى المحافظة داخل هذا المجتمع. وقد نسي هذا المثقف أن الخصوصية الثقافية تفرض تعديلات على قيم تتسم بطابع عالمي ولكن بتمثلات مغايرة تبعا للتغيرات الاجتماعية الخاصة بكل دولة وكل أمة.
العلمانية في جوهرها وفي فهم مستنير لها لا تعارض الإسلام إنما تفتح المجال للقوانين الوضعية لتنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية دون أن تلغي حضور الدين كناظم لهذه العلاقات من جهة أخرى
العلمانيون يركزون على فكرة رئيسية يرفضها الإسلاميون ويرتاب منها المجتمع في عمومه؛ ومضمون هذه الفكرة أن الدين هو علاقة خاصة بين الإنسان والله دون أن يكون له تجلي اجتماعي في الحياة السياسية والمدنية.
الإسلام يقر اجتهاد المؤمنين فيما يخص حياتهم فالرسول الكريم يقول: " أنتم أدرى بشؤون دنياكم "، وهو حديث دو أهمية في مقاربة موضوع العلمانية التي انطلقت في منشأها الغربي من مقولة مشابها للسيد المسيح عليه السلام: " أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وبالتالي فالعلمانية لا تعارض في جوهرها الإسلام حين نقاربها انطلاقا من خصوصياتنا، ولكن المثقف العربي العلماني اخذ العلمانية الغربية كمعطى جاهز لا يقبل التغيير ولا التبديل وكأنها قرآن منزه، وطالب بضرورة تغيير المجتمع حتى يتقبل العلمانية وهذا ضلال كبير وقع فيه هذا المثقف.
إن مشكلة المرجعيات قائمة وعميقة في الفكر العربي الإسلامي، وهي مجال خصب للصراعات الاجتماعية والسياسية بين مختلف التيارات الإيديولوجية المتصارعة داخل الحقل التداولي للأفكار وللمشاريع الحاملة للرغبة في التغيير بنفس القدر الذي تظل فيه المرجعية كسلاح في يد الفئات المحافظة التي تسعى لإبقاء الوضع على ما كان عليه.
نحن لم نستفد من التجربة اليابانية التي حافظت على روحها الشرقية وفي الوقت نفسه استطاعت التواصل الفعال مع التقدم الغربي ومجاراته، فالنهضة اليابانية انطلقت من نفس المقدمات التي انطلقت منها النهضة العربية وفي وقت متقارب، ولكنها استطاعت تجاوز حالات القصور الذاتي من خلال التفاعل الإبداعي والفعال مع الغرب ؛ في الوقت الذي عجزنا نحن عن فعل نفس الشيء.
إذا فالمشكلة تكمن في سؤال النهضة الخطأ وفي الطريق التي لم توصلنا إلى الجنة، جنة التقدم والرقي الحضاري، وفي التلفيقية التي اتسم بها خطاب النهضة والتي جعلت كل المحاولات تدور في حلقة مفرغة تحتدم بداخلها صراعات لا طائل من ورائها.
وهذه إشكالية فكرية على المفكرين إسلاميين وعلمانيين مقاربتها بعمق وجرأة حتى نتمكن من استئناف الفعل النهضوي الذي انهزم في منصف الطريق.

الأحد، يوليو 05، 2009

الإختلاف بدل التجاوز


يمكننا الحديث عن الاختلاف بدل التجاوز، لأن التجاوز في مجال الأدب والفكر عموما غير ممكن بتاتا لأنه يعني من ضمن ما يعني إلغاء التراكم الضروري لأي إنتاج أدبي وفكري، وبالتالي فحين يتحدث البعض عن رغبة التجاوز يغالطون أنفسهم وقراءهم، لأنهم يسوقون العلاقة بين الأجيال الأدبية على أنها علاقة صراعية بالأساس، تقوم على ثنائية حدية، حيث القديم مقابل الجديد، مع أن الجديد لا ينفي القديم ولا يتجاوزه إنما يبني عليه صرحه المختلف. الكثير من الأدباء الشباب وقعوا في وهم قتل الأدب مع أن هذه العملية غير ممكنة أيضا لأنها ردة فعل أكثر من كونها فعلا نابعا عن وعي بالمحددات السوسيولوجية للكتابة. يمكن إيجاد مبررات نفسية وموضوعية للرغبة في قتل الأب بتجاوزه حيث هذه الرغبة تنبرز لدى البعض، نتيجة الضغط الكبير الذي تمارسه الأبوية الفكرية على الوافدين الجدد لمجال الكتابة الأدبية، والذين عليهم أن يكسروا مزاليج الأبواب لكي يلجوا الحرم الإبداعي الذي تحرسه الأبوية المتسلطة بطبعها. ولكن بمجرد الولوج ( أثبات الحضور والتميز) يجد هؤلاء الوافدون الجدد أنفسهم مجبرين على التعايش مع الآباء المالكين لرأسمال رمزي يمنحهم سطوة وهيمنة معتبرة على الحقل الأدبي، قد يتحول بعض هؤلاء الوافدين الجدد أنفسهم إلى ممارسة نوع من الأبوية ولو بشكل مختلف عن أبوية السابقين، نتيجة تحصيلهم لرأسمال رمزي يوبؤهم مكانة مميزة داخل الحقل الثقافي، ولكن إذا كان الاختلاف هو قدر الكتابة الجديدة الواعدة في الجزائر،فإن " أبوية الجيل الجديد " هي أبوية منفتحة ولا تملك من صفات الأبوية _ بعيدا عن القمع_ غير قوة الحضور الذي ينتج قوة التأثير. اعتقد أن الأدباء الشباب القادرين على تقديم المختلف والمميز للحقل الثقافي الجزائري بحاجة إلى روح نضالية عالية حتى يتمكنوا من التأسيس لثقافة الاختلاف التي تجرد الأبوية الثقافية من قمعيتها وسطوتها التي تنظر للآخرين على أنهم قصّر أو مارقين مع أن غالبية الأدباء الشباب في الجزائر لا يملكون هذه الروح النضالية ولهذا فهم سريعا من يخرجون من الأبواب الخلفية، بعد أن يحبطهم الواقع الثقافي، أو أنهم ينقلبون إلى انتهازيين يمارسون التعتيم على الأقلام الجادة والواعدة ويسوقون أنفسهم عبر المنابر الثقافية المتاحة والتي استطاعوا الوصول أليها بطرق ليس الإبداع الجاد والمميز أحدها، حيث يعوضون افتقادهم للرأسمال الرمزي الضروري لأي سلطة فكرية ( السلطة هنا بمعنى قوة التأثير ) باحتلالهم للمساحات المتاحة للنشر والظهور، وبهذا تتحول الانتهازية وإتقان اللعب إلى طريقا لإثبات الحضور بدل أن يكون أثبات الحضور عن طريق النصوص المختلفة والواعدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المقالة هي تعليق على نص للكاتب بشير مفتي بملحق الأثر الثقافي بعنوان: الكتابة الجديدة ورهان الاختلاف

الخميس، يونيو 18، 2009

علاقة الهوية بالدين لدى النخبة العلمانية

سفيان ميمون
minoune78@yahoo.fr
ثمة اختلاف بين في النظر إلى الهوية وارتباطها بالدين بين المشرق والمغرب، نتيجة التركيبة الاجتماعية والدينية التي تميز أقطار الوطن العربي، فسمة المشرق العربي تعدد واختلاف الطوائف الدينية في مجتمعاته ، لذلك نجد اختلافا واضحا في التصورات والرؤى حول الهوية ، بل ونجد صراعا ثقافيا وسعيا أيديولوجيا لترسيخ تصور ما عن هوية مجتمع بذاته ، خذ لذلك مثلا سعي القوميين العرب لتسويق تصور عن الهوية قائم على الوطن واللغة بعيد عن الدين ، يقابل هذا حرص على إثبات الدين كعنصر أساس من عناصر الهوية لدى الإسلاميين ، وهو واقع مبرر في مجتمعات متمايزة في خصوصياتها الدينية ، وعلى العكس من ذلك نجد في مجتمعات المغرب العربي انسجاما كبيرا في الخطاب الثقافي حول علاقة الهوية بالدين ، وإن كانت العلاقة بين الهوية وعناصر أخرى يشوبها كثير من التوتر على غرار اللغة والتاريخ نتيجة التمايز العرقي الذي يمثله عنصرا العرب والبربر، انسجام واضح في الخطاب الثقافي بين مختلف فئات النخبة المغاربية والجزائرية تحديدا – إسلامييها وعلمانييها – حول اعتبار الدين عنصرا من عناصر الهوية ،فإذا كان تصور الإسلاميين للهوية واضحا ومحسوما مذ اختاروا اتجاههم الفكري والديني في الوقت نفسه بأن الدين ركن أساس في هوية الأمة ، فإن الذي يدعو إلى التأمل والسؤال هو اتجاه العلمانيين إلى إنتاج ذات الخطاب حيث الدين أيضا مكون أساس للهوية الجماعية ، فهل يتماشى هذا الخطاب مع حقيقة التصور العلماني للمجتمع ؟ وهل يمكن للدين أن يكون حاضرا في مجتمع يجب أن يفصل عن الدين ؟.
قبل هذا لا بد من الرجوع إلى الممارسة العلمانية التي لا تثبت – ولا شك- على صيغة واحدة ، إنما هي أكثر من شكل ، شكلان على ما يبدو : علمانية متطرفة تلغي الدين وتقصيه وتضع الحواجز أمامه كي لا يمر إلى المجتمع بل يبقى حبيس الشخص لا يتعداه ، وهي علمانوية صراعية بتعبير محمد أركون ، تقابلها علمانية تقبل الدين كتراث خصب للدراسة والتأويل العقلاني ، وهذا النوع من العلمانية هو الذي يركز عليه كثير من مفكرينا ، لكن قبول هذه الفئة من العلمانيين بالدين لا يعني تجاوزه حدود الشخص وإحاطته بهالة من القداسة على المستوى الاجتماعي، كلا بل إن العلمانية لا تعرف للدين قداسة وإلا لما كان ثمة قدرة على الدراسة العلمية لنصوصه ، ولما كانت هناك حرية في تدبر محتويات هذه النصوص .
وتنظر هذه الفئة من العلمانيين إلى نصوص الدين الإسلامي وعلى رأسها القرآن كنص أول على أنه نص بشري وليس نصا إلهيا لاعتبارات الفهم والتأويل والتفسير وهي صفات بشرية تتجه من البشر إلى النص القرآني ، فهو بهذا اتجاه لإقرار فلسفة مايريده البشر من هذا النص وليس مايريده النص من هؤلاء البشر ، إنها تعمل على أنسنة الحياة الاجتماعية من خلال تغيير أماكن السلطة بين العقل والنص الديني حيث السلطة للعقل أي للإنسان.
فخطاب النخبة العلمانية عن علاقة الدين بالهوية في أحد جوانبه – وأنا أتحدث هنا عن النخبة الجزائرية والمغاربية عموما – هو خطاب ائتلاف وتلازم : الهوية تقوم على الدين والدين مكون أساس من مكونات الهوية، لكنه خطاب منفعي على مايبدو ، فرضته حتمية المحافظة على البقاء ، وأدى إليه الخوف من الرفض الاجتماعي ، حيث المجتمع لا يقدس من لا يقدس مقدسه ، بل يمقته ولا يصغي له في قول ، خطاب غير منسجم مع ذاته رغم أنه يبدو مؤتلفا مع خطابات أخرى في حقل أيديولوجي مختلف ومتنوع ، فبينما تدعو العلمانية إلى حصر الدين في حدود الشخص وإبطال تطبيق الحدود والأحكام التي جاء بها النص الديني – القرآن – بداعي الحرية الشخصية كعنوان عن إبعاد الدين عن المجتمع ، نجدها تصر في خطاباتها على أن الدين من مكونات الهوية الثقافية للأمة ، إنه تناقض واضح وصريح لأن الدين هنا لن يكون سوى مكون من مكونات الهوية الفردية أو الشخصية بينما هم يتحدثون عن الهوية الجماعية .
قد يكون من الضروري أن نفهم أن نخبنا العلمانية تنظر إلى الدين الإسلامي كمرادف للثقافة الإسلامية ،بينما هو مختلف عنها لأننا إذا نظرنا إلى الدين وجدناه ملزما في حدوده وأحكامه عكس الثقافة التي تتسم بالمرونة وتقبل الأخذ والرد وفق الحاجة ،فالثقافة الإسلامية يمكن أن تكون أسا من أسس الهوية لدى العلمانيين على خلاف الدين الذي لايمكنه ذلك لأنه مقصى في الواقع من خلال تعطيل النصوص التي تتضمن الحدود والأحكام، لربما هو نوع من التقية الثقافية والفكرية حيال المجتمع هذا الذي تسوق له خطابات نخبنا العلمانية .

conter