الأحد، ديسمبر 28، 2008

هل نحن عرب؟

هل لنا أن نتمنى عاما أفضل..بعبارة اصح، عاما أقل سوءا على العالم العربي والإسلامي الغارق في الخيبات والهزائم والهوان. قبل أن يستهلك عام إلفين وثمانية أيامه الأخيرة، هاهي إسرائيل ترتكب مجزرة في حق أهل غزة، أمام أعين العالم بأكمله. ونحن كعرب ليس لدينا سوى التنديد بالفعل الشنيع والمنافي للأعراف الدولية، لأننا في النهاية لا نملك غير القول، فقد طلقنا الفعل بالثلاث منذ سنين غابرة. وصرنا نكتفي فقد برفع الصوت بالخطب العصماء التي لم تقتل دبابة كما قال نزار قباني ذات لحظة وجع.
قبل زمن طويل حين كانت الأحلام كبيرة والوعود بنصر آت تسكن الوجدان كتب نزار قباني للأطفال العرب الصغار:



فليذكر الصغار
العرب الصغار حيث يوجدون
من ولدوا منهم ومن سيولدون
ما قيمة التراب
لان في انتظارهم
معركة التراب

ولكن الأطفال العرب كبروا وانهزموا مثلما انهزم الآباء، وخسروا معركة التراب وضيعوا الكرامة الباقية، حملوا خيباتهم في عيونهم، ونسوا أحلامهم المجهضة ونسوا أنهم عرب.
فهل نحن عرب يا درويش؟
من له النخوة العربية وبقية من الأحلام ليكتب:
سجِّلْ!

أنا عربي

وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ

وأطفالي ثمانيةٌ

أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ

ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ

ولا أصغرْ

أمامَ بلاطِ أعتابك

عرب ألفين وثمانية هم امة مهند، أمة الأحزان والهزائم المتكررة، امة تفتخر بالحذاء وتصبغ عليه صفات قدسية بعد أن شلت كل الأيادي عن رد العدوان، ووجعت كل أسلحة العسكر نحو صدور أبناء الوطن، أمة تدوس فيها نعال العسكر رقاب المواطنين في الشوارع والساحات العامة وفي الزنزانات المفتوحة لكل من يفرض التسبيح بخصال الزعيم المفدى ملهم الأمة وكاشف الغمة وصاحب الهمة؟؟
جل الدول العربية في سنة ألفين وثمانية لم تحتفل باليوم العالمي لحقوق الإنسان، لان بلادي الجميلة والمتخلفة والمنكوبة تعتبر حقوق الإنسان بدعة غربية؟، وتعتبر الديمقراطية اعتداء على القرآن، وتعتبر حرية التعبير تجديفا في حق السماء وهرطقة متروكة فقط للزنادقة، وللشعراء الملعونين والمنذورين للإعدام.
فهل نحن عرب يا نزار؟
لنستطيع الحلم ببلاد لا تفرض فيها الضرائب على كمية الهواء التي نستنشقها، لنعيش ونحلم ببلاد:

لها برلمانٌ من الياسمين.

وشعبٌ رقيق من الياسمين.

تنام حمائمها فوق رأسي.

وتبكي مآذنها في عيوني.

أحاول رسم بلادٍ تكون صديقة شعري.

ولا تتدخل بيني وبين ظنوني.

ولا يتجول فيها العساكر فوق جبيني

فهل نحن عرب يا شاهين؟
حتى نستطيع التنديد بالفوضى([*]) وبقمع الأنظمة التي تسيّج قصورها بجثث الأطفال الأبرياء، وتهزمنا وتسير بنا في طريق مليئة بالخيبات والنكسات، وأي فوضى يا ابن الإسكندرية أكبر من أن يحكمنا شيوخ وسلاطين وعسكر يورثوننا لابناءهم كالجواري والعبيد.
عرب عام ألفين وثمانية يودعون عامهم هذا في شهرهم هذا بمئات الضحايا وملايين المقهورين، المهزومين والمحزونين
فكل عام وبقايا العرب بخير.




هي فوضى آخر أفلام الراحل يوسف شاهين.[*]

الأحد، ديسمبر 21، 2008

وجع المستامي

كان يسير وحيدا، مهموما وحزينا، فالذي كان يشغل باله اكبر من أن يجعله ينتبه لوجوه المارة، والتحديق بمؤخرات الفتيات العابرات أمامه بشارع ديدوش مراد بقلب العاصمة، هو المغرم حد الثمالة بهذه العادة السيئة، التي كانت منذ أيام فقط هوايته المفضلة، حيث يقضي ساعات طوال متسكعا بشوارع العاصمة المكتظة، لا لشيء سوى لتحصيل تلك المتعة البصرية التي تزرع الدفء بقلبه وجسده النحيل.كان يسير وحيدا، مهموما وحزينا، مطأطأ الرأس يستحضر بمرارة ذلك الموقف الذي وجد نفسه فيه منذ يومين بمحطة الحافلات بالخروبة، لقد تعرض لإهانة أمام الجميع حين اتهمته فتاة لا يعرفها بسرقة هاتفها النقال، اتهام كلفه قضاء خمس ساعات بقسم الشرطة.. خرج من قسم الشرطة متورم الخد الأيمن ونازف الأنف ... فرجال الشرطة الغلاظ الطباع لا يتورعون عن إبراز عضلاتهم في حضرة اللصوص الظرفاء أمثاله...رغم أنه كان بريئا من تلك التهمة الباطلة إلا انه اخذ نصيبه من الاهانة اللفظية والجسدية.. إهانة كسرت روحه بشكل لم يتوقعه أبدا، هو المتعود على الاهانات منذ زمن لا يتذكره..ربما منذ لحظة الولادة الأولى ومنذ صرخة الميلاد الأولى التي تلتها صرخة والده الغاضب والثائر في وجه أمه وكل الحاضرين في المستشفى: من وين جبتي وجه الشر هذا إنه لا يشبهنيوفعلا لم يكن يشبه والده، لأن ولادته لم تكن سوى نتيجة مأساوية وغير متوقعة لنزوة امرأة متزوجة أرادت أن تعيش لحظات من الطيش والعشق المحرم، بعد أن ملت فراش زوجها البارد.كبر وحيدا، وحزينا ومهموما، ووجلا من نظرات والده الحادة والناقمة التي لم يكن يعرف لها سببا...وحدهم الأزواج المخدوعون من يكونون قادرين على معاقبة الأطفال الأبرياء على أخطاء لم يرتكبوها...ووالده المفترض عاقبه بصمت وتجاهل وحقد دفين، ذلك الحقد الذي كان قادرا على تشويه نفسيته واغتصاب براءة الأطفال في عينيه.كان يسير وحيدا، مهموما وحزينا، محاولا تذكر لحظات جميلة عاشها، لتنسيه تلك اللكمات القوية والسب والشتم الذي كاله له رجال الشرطة، لكن ذاكرته لم تسعفه في استحضار لحظة فرح أو محطة سعادة واحدة في حياته الممتدة على ثلاثين عاما من الأنين، وعشرة أعوام من التشرد واحتراف السطو والاعتداء على الآخرين.لقد اعتدى على الكثيرين وسرق مرات ومرات، وغرق في تعاطي كل الموبقات التي يعاقب عليها القانون، ولكنه كان دائما حريصا على أن لا يقع في قبضة الشرطة، وأن يبقى سجله العدلي نظيفا، ربما كانت رغبة دفينة بروحه لان يصير مواطنا صالحا في وقت ما، كان يريد ذلك في أعماقه رغم لحظات الانحطاط الكثيرة التي كان يعيشها، ورغم غرقه في الرذائل جميعا عن سبق إصرار، ولكن شيئا ما بالقلب كان يدعوه للسمو والرحيل بعيدا عن واقعه المنحط، شيء بالقلب زرعته هي...نسرين، تلك الفتاة الخارقة للعادة وحبيبته الاسطورية التي التقاها يوما فسكنت قلبه دوما، وأورثته أملا وألما. تلك الشفافة النظرات التي التقاها في شارع السعادة المكتض، في صباح السعادة الممطر ذاك، حين انزلقت على الاسلفت المبتل فوقعت بين يديه وفي قلبه..أشعلت الدفء في روحه وجسده ..هو المشتاق بكل حرقة العاشقين انظرة حانية تشع في قلبه نورا ..نظرة من عيون تلحظه بخجل ..وكلمات شكر متناثرة وخجلة وواعدة بمشاعر لم يختبرها ولم يدرك معناها الا بعد ايام وايام عندما غابت تلك الفاتنة وابتعدت ورزعت بالقلب غصة وحنين..كان يسير وحيدا، مهموما وحزينا، تؤرقه الذكريات ووجع الاهانات واللكمات، موجوعا حتى العظم، يستحضر عينيها في عيون كل العبارات امامه في شاردع ديدوش مراد، شارع السعادة والألم الذي التقاها فيه يوما فسكنت قلبه دوما.

الأربعاء، ديسمبر 10، 2008

الرواية والنقد السوسيولوجي

جورج لوكاتش أو الرواية كملحمة بورجوازية
يعد جورج لوكانش (1885- 1970) المجري الذي يكتب باللغة الألمانية، وبحق أول من قدم نظرية متكاملة حول الرواية، ولو من زاوية نظر خاصة تربط بين الرواية والملحمة، هذا الربط الذي أخذه لوكاتش عن أستاذه هيجل وأضاف إليه تحليله المعمق لطبيعة الجنس الروائي دون أن ينسى حنينه وانتصاره للملحمة التي ظل ينظر إليها على أساس أنها الجنس الأدبي المعبر عن طهر وصفاء الروح الذي غادر الأزمنة الحديثة؛ أزمنة القيم البورجوازية وعلاقات الإنتاج الرأسمالية ومن ثم غادر أيضا الرواية كجنس أدبي معبر عن هذه القيم والعلاقات .
وبالرغم من العم
ر الفكري المديد لجورج لوكاتش، وبالرغم من كتبه الكثيرة وتطرقه لميادين فكرية عديدة ومتنوعة " فإن كتابين من بين كتبه الكثيرة حفظا اسمه مفكرا طليعيا من مفكري القرن العشرين، الكتاب الأول عنوانه 'نظرية الرواية' كتب في شتاء 1914/1915 ونشر أول مرة عام 1920، والكتاب الثاني عنوانه ' التاريخ والوعي الطبقي' وهو جملة دراسات نشر في عام 1923؛ وفي مآل الكتابين أكثر من مفارقة، فكلاهما يعود لطور الشباب، والأول كما الثاني لقي من صاحبه التنديد والتخلي"().
يقدم جورج لوكاتش في كتابه نظرية الرواية وبأسلوب شاعري مملوء بالأسى الرواية كجنس أدبي غير أصيل، وهو جنس أدبي غير أصيل لأنه نتاج لواقع فقد أصالته وقيم روحه الطاهرة، وهو جنس غير أصيل أيضا مقارنة بالملحمة؛ فلوكاتش وهو يجتهد في وضع خطوط عريضة لنظرية الرواية يستحضر الملحمة وعالما الأصلي في تعارضه مع عالم الرواية. يتبادل الجنسان الأدبيان الإضاءة وتظل الملحمة هي المرجع التاريخي الذي يعود إليه لوكاتش في بحثه عن القيم الأصيلة التي عمل النظام الرأسمالي على طمسها.
يبدأ جورج لوكاتش كتابه نظرية الرواية بهذه السطور الشاعرية المنظومة بأسى وحنين لعالم رحل " طوبى للأزمنة التي تطالع في السماء المرصعة بالنجوم خريطة السبل المفتوحة لها، وعليها أن تتبعها، طوبى للأزمنة التي تستنير طريقها بضوء النجوم، فكل شيء يدل بالنسبة إليها على المغامرة وهو مع ذلك ملك لها..."().
بعد أن ينهي لوكاتش سطوره المنسوجة من الأسى والحنين يقول: "ذلك هو عصر الملحمة".
انطلق لوكاتش وهو يعمل على وضع نظرية للرواية من تصورات أستاذه هيجل، ولكن ليس من منطلق مثالي كما فعل هذا الأخير، بل اعتمد في عالمه هذا على التصورات الماركسية ولو بشكل رومانسي، في فهم المجتمع الرأسمالي وتسفير تناقضاته. وهو أي لوكاتش، يؤكد منذ البداية على أن وضع نظرية حول الرواية أمر من الصعوبة بما كان، نظرا لحداثة هذا الجنس الأدبي من جهة وتباين المستوى الفني للأعمال الروائية من جهة ثانية: " إنه لا توجد بين أيدينا سوى بعض الأعمال الأدبية الكبيرة كعنصر يمكن من وضع نظرية للرواية"(). هذا الإقرار من طرف صاحب نظرية الرواية يجعل النتائج المتوصل إليها نسبية، وهي بالتالي غير قابلة للتعميم على كل النتاج الروائي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر الذي اعتمد عليه لوكاتش في صوغ نظرية الرواية.
قبل التطرق للأفكار الأساسية التي جاء بها لوكاتش وهو يعمل على صوغ نظرية حول الرواية الأوروبية، بجدر بنا أن نتساءل ومن منطلق سوسيولوجي: ما هي الظروف الاجتماعية والسياسة وكذا المنطلقات الفكرية التي جعلت لوكاتش الشاب يستنطق الرواية من خلال إجراء مقارنة تعارضية بينها وبين الملحمة؛ بالرغم من الهوة التاريخية السحيقة التي تفصل بين الجنسين الأدبيين؟.
كما سبق وقلنا فأن المفكر المجري قد ألف كتباه في شتاء 1914/1915 مع انه لم ينشره إلا بعد خمس سنوات، أي في سنة 1920. كانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت، وضراوة الحرب توحي بتوجه الحضارة الإنسانية نحو الخراب والدمار، وه
ذا الاحتفال بالخراب الذي أسفرت عنه الحرب، أوحى للوكاتش الشاب بكتابة نظرية الرواية، هذا الكتاب الذي لم يكن في جوهره سوى هجاء للقيم البورجوازية وعلاقات الإنتاج الرأسمالية التي جردت الإنسان من صفاء روحيه، هذا الصفاء الذي وجده لوكاتش في الملحمة.
أن دور الملحمة بالنسبة للوكاتش من حيث هي جنس أدبي أصلي مرتبط بعالم أصلي، إضاءة للرواية التي هي – وحسب لوكاتش- جنس أدبي غير أصلي أوجده مجتمع فقد الأصل فيه، وأوصل الإنسان إلى الاغتراب عن واقعه وعن روحه الأصيلة. في نفس الوقت الذي يستنطق فيه لوكاتش الرواية البورجوازية ينظر بحنين لا تنقصه المرارة لعالم الإغريق الذي أنتج الملحمة ويرى فيه فردوسا مفقودا.
إن هذه النظرة الرومانسية التي انطلق منها لوكاتش وهو يصوغ نظرية الرواية أملتها الظروف التي عاشها لوكاتش الشاب الذي عايش عالما يحتفل بالخراب والحرب، يتحول فيه الإنسان إلى وقود للموت، هو عالم الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن همجية الإنسان، وأخرجت الشر الكامن فيه إلى الوجود.
كتب لوكاتش مؤلفه موازاة مع الفترة التي اندلعت فيها الحرب العالمية الأولى؛ ومن منظور رومانسي معادي للرأسمالية، كان لوكاتش يرى أن الطبقة البورجوازية والقيم الرأسمالية هي التي جردت الإنسان من صفاءه وطهره، وغربته عن ذاته وواقعه، وأن الرواية كجنس أدبي أنتجته الطبقة البورجوازية كوسيلة تعبير عنها، وكوعاء إيديولوجي حامل لأرائها وأفكارها ومعبر عن تطلعاتها في السيطرة والهيمنة، وإقصاء الروح لصالح المادة، أو ما يسمى في الأدبيات الماركسية بالشيء، هذا المفهوم الذي سيستعيره لوسيان غولدمان لاحقا مع جملة أفكار ومفاهيم أخرى من لوكاتش ويبني عليه نظريته في علم اجتماع الرواية ومنهجه النقدي الموسوم بالبنيوية التكوينية؛ إن الرواية بهذا المعنى – حسب لوكاتش – ونتيجة ولادتها في حضن البورجوازية هي جنس أدبي منحط يعبر عن قيم منحطة في عالم منحط بدوره.
وفرارا من هذا الانحطاط الذي هو في الأصل انحطاط للقيم البورجوازية، وكتحصيل حاصل صار ملازما لأدوات التعبير التي أوجدتها هذه الطبقة، فرارا من هذا الانحطاط يبحث لوكاتش الذي أرقته الحرب عن فردوس مفقود، يعثر فيه على صفاء الروح التي غادرت هذا العالم؛ لوكاتش يجد فردوسه هذا في عالم الإغريق القدامى، وفي طريقه للبحث عن صفاء مفقود يعثر على الملحمة التي رأى فيها جنسا أدبيا أصيلا في تعارضها مع جنس الرواية.
لم يكن وضع لوكاتش وهو يندد بالقبح الخالص الذي أنتجته القيم البورجوازية يختلف كثيرا عن وضع غوستاف فلوبير وهو يكتب لأحد أصدقائه في العام 1858 سطورا متذمرة من عالم مدام بوفاري: " لقد تعبت من الأشياء القبيحة والأوساط الحقيرة، فقد أثار فيّ عالم العائلة بوفاري، ولمدة طويلة، تقززا من الطباع البورجوازية، وسأعيش، ربما خلال بضع سنوات موضوعا رائقا بعيدا عن العالم المعاصر الذي سئمت منه تماما "()، كان العالم الذي لاذ به فلوبير هو عالم قرطاجنة القديم الذي جسده من خلال روايته التاريخية "سلامبو" ؛ وعلى الرغم من ان لوكاتش قد تأثر بفلوبير وروايته " مدام بوفاري" إلا انه لم ينظر بإعجاب كبير لروايته التاريخية " سلامبو " فقد كان هو الآخر – أي لوكاتش- مهووسا بالبحث عن قرطا جنة خاصة به بعيدا عن قبح العالم المعاصر، وقد وجد ضالته في الملحمة كجنس أدبي وفي عالم الإغريق كفضاء تاريخي واجتماعي حاضن لهذه الملحمة التي نظر لها لوكاتش كجنس أدبي يمكنه من إضاءة عالم الرواية أو نظرية الرواية بحسب عنوان مؤلفه سالف الذكر.

الفرق بين الملحمة والرواية:
عمل لوكاتش من خلال كتابه " نظرية الرواية " على إبراز الفروق الأساسية بين الملحمة والرواية، ونحاول نحن هنا إبراز هذه الفروق في مجموعة نقاط رئيسية:
1- من حيث النشأة:
وجدت الملمحة اليونانية في ظل انسجام تام بين الفرد والمجتمع تحت رعاية الآلهة، وهي – أي الملحمة – " تترجم الوحدة بين الذات والموضوع واكتمال اللحمة بينهما في عالم منسجم يخلو من الصراع الواقعي "()، في حين ولدت الرواية في عالم بلا جماعة، وارتبطن ببنية مجتمعية تغاير البنية الجماعية ( الجماعة، الطائفة، العشيرة، الأسرة...) وهذه الولادة للرواية في ظل هذا الجو تحديدا تؤكد على المفهوم النظري المتداول والذي لا يفصل بين بروز المجتمع المدني كمفهوم وممارسة، وظهور الرواية كجنس أدبي، فالرواية تتكئ على الفرد دون أن تستدعي – على عكس الملحمة – العائلة والدين والجماعة، " وهذا ما عبر عنه هيجل حين رأى في الفرد الحديث، أي بطل الرواية نتاجا للمجتمع البورجوازي لا للعائلة البورجوازية "().
2- من حيث البطل:
تشترك كل من الملحمة والرواية في كونهما تعرضان حياة شخص / بطل ، أو مجموعة أشخاص / أبطال، في فترة زمنية محددة وفي ظروف معينة، الأولى أي الملحمة تقدم البطل في قالب تعبير شعري في حين تقدمه الرواية في قالب سردي ، ولكن ما الفرق بين بطل / أبطال الملحمة، وبطل/ أبطال الرواية؟
لا يخفي لوكاتش منذ البداية انتصاره للملحمة وتفضيله إياها على كل الأجناس الأدبية الأخرى، ولهذا فهو يقدم بطل الملحمة كأنه يعيش في عالم طوباوي خيالي منسجم تمام الانسجام ، حيث البطل منسجم مع ذاته ومع الطبيعة ومع الآلهة، لأنه يمثل الجماعة بدل أن يمثل ذاته، " إن بطل الملحمة لا يكون أبدا على وجه الدقة فردا، ومن السمات التي غدت دائما خصيصة جوهرية للملحمة كون مصيرها ليس مصيرا شخصيا، بل هو مصير عشير، وان في ذلك لصواب لان منظومة القيم المغلقة والمحددة لعالم الملحمة تصنع كلا يبلغ اتصافه بالوحدة العضوية حدا مفرطا، لا يستطيع معه عنصر من عناصر هذا الكل أن يعيش في عزلة ويحتفظ مع ذلك بحيويته، وان يرتفع ارتفاعا كافيا ليكشف نفسه كطوية ويجعل من نفسه شخصية "()، إذن، فبطل الرواية بحسب مفهوم لوكاتش لا يمثل في النهاية إلا الجماعة التي ينتمي إليها، لأنه لم يكتشف نفسه كفرد " ذلك بأن بناء الملحمة بناء جماعي، ولا يمكن للعنصر الفرد أن ينعزل عن المجموع "() .
على العكس من ذلك يتميز البطل الروائي بانفصاله عن المجتمع، وانتماءه المفرط لفردانيته وذاتيته التي يعمل على تحقيقها بعيدا عن ضغط الجماعة وتوجيهاتها، فهو بطل إشكالي حسب تعبير لوكاتش، يعيش اغترابا مزدوجا: " يغترب حين تعجز أفعاله الخارجية عن تلبية رغباته الداخلية، ويغترب أيضا حين لا تلبي القوى الخارجية من رغباته شيئا، ولهذا يكون الانقسام محايثا لوجوده فهو منفصل عن رغبته وعالمه الخارجي منفصل عنه، بقدر ما هو مغترب عن المكان الذي بدأ منه وعن الموقع الذي وصل إليه "().
ومن هنا يبرز الفرق بين بطل الرواية وبطل الملحمة، في الملحمة الأبطال نبلاء بأخلاقهم وقيمهم، وأقوياء بإرادتهم، إنهم قادرون على الصمود والتحدي والانتصار في نهاية الأمر، وحتى عندما يهزمون لا يسقطون، لأن الآلهة معهم وترعاهم، والطبيعة بالنسبة لهم مستأنسة رغم تكشيرها عن أنيابها أحيانا، والجماعة معهم وخلفهم تنظر إليهم بإعجاب لا يخلو من الإكبار؛ في حين أن بطل الرواية يشعر نتيجة اغترابه المزدوج أن أكثر الأعمال نبلا صارت أشياء مضحكة وفاقدة لقيمتها، وهو - أي بطل الرواية – يعيش في عالم يبحث عن جوهر الحقيقة، وهو لا يستطيع إيصال هذه الحقيقة للناس لأنه لا يعرفها أكثر منهم، إن " بطل الرواية ينشأ من الاغتراب عن العالم الخارجي، فمادام العالم عالما داخليا، فإنه لن تقوم بين سكانه أية فروق نوعية، نعم قد يكونون أبطالا و أوغادا، ورجالا ذا شأن ومجرمين ولكن أعظم الأبطال لا يرتفع إلا بمقدار طول الرأس عن أصحابه، وكلمات النبيل الحكيمة يمكن أن يفهمها حتى الحمقى "()، فبطل الرواية بهذا الشكل الذي قدمه لوكاتش مغترب عن ذاته وعن الآخرين، على عكس بطل الملحمة الذي يظل مسنجما مع ذاته ومع الجماعة والطبيعة.
أن خلاصة ما قدمه لوكاتش حول الرواية الأوروبية هو أنه اعتبرها ملحمة بورجوازية أنتجتها الطبقة البورجوازية عملت على قولبة المجتمع الأوروبي وفق تصوراتها الإيديولوجية، فقد قام لوكاتش " بتفريعات في نظرية الرواية على ما جاء به هيغل، مستفيدا من النظرية المادية في التحليل الاجتماعي للطبقات عند ماركس. أخذ الأطروحة العامة من هيغل، وقدم المسوغات والمبررات من صراع الطبقات الماركسي. كما أنه استفاد من الاغتراب الهيغلي (اغتراب العقل الكلي عن ذاته) بعد أن طعمه بالاغتراب الماركسي (اغتراب الإنسان عن إنتاجه) ليخرج من كل ذلك بأطروحته المشهورة بأن الرواية ليست إلا ملحمة البرجوازية التي ظهرت على مسرح التاريخ في أعقاب النهضة الأوروبية، وبالتحديد بعد الثورة الصناعية التي جعلت منها الطبقة السائدة في المجتمعات الأوروبية "()، وانطلاقا من تحليله للرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر قدم لوكاتش تصنيفا للرواية الأوروبية، قسمها على أساسه إلى ثلاث أنواع يقدمها تلميذه غولدمان في الأنواع التالية():
أ- رواية " المثالية المجردة " التي تتميز بنشاط البطل أو بوعيه الضيق للغاية بالقياس إلى تعقد العالم، والى هذا النوع ت
نتمي رواية " دون كيخوتة " لسيرفانتيس وكذا " الأحمر والأسود " لستاندال.
ب – الرواية النفسية التي تنزع إلى تحليل الحياة الباطنية، وتتميز بسلبية البطل وبوعيه الواسع إلى الحد الذي لا يرضيه معه ما بمقدور عالم العرف أن يقدمه إليه والى هذا النوع قد تنتمي رواية " اوبلوموف " ورواية " التربية العاطفية ".
ج – الرواية التربوية المنتهية بانحصار ذاتي الذي لا يشكل، رغم انه تنازل عن البحث الإشكالي، لا قبولا لعالم العرف ولا تخليا عن سلم القيم الضمني، هذا الانحصار الذاتي يمكن تخصيصه " بالنضج الفحولي " لبطل الرواية والى هذا النوع تنتمي رواية " ويلهلم مايستر " لغوتة، او der grune heinrich لكوتفريد كيللر.
رغم أن لوكاتش وبعد تأليف كتابه واطلاعه على كم اكبر من الروايات قد بدت له إمكانية أخرى يمكن إضافتها للتصنيف السابق، " ولقد بدت له هذه الإمكانية الرابعة، سنة 1920 معبرة عن نفسها قبل كل شيء في روايات تولستوي التي تنزع نحو الملحمية"()، وهذه الإمكانية أو الإمكانيات المفتوحة أمام جنس الرواية جعلت لوكاتش يعود لنفس الموضوع بعد عشريتين من الزمن على كتابة مؤلفه نظرية الرواية، وبعد أن انتقل إلى التبني الكلي لمقولات الماركسية حيث غرق بعد انتقاله إلى موسكو عقب الحرب العالمية الأولى في العمل السياسي وفي دراسات حول الفلسفة السياسية، عاد لموضع الرواية " في عام 1934 حين كان مقيما في موسكو، ليكتب دراسة أثارت جدلا عنوانها: تقرير حول الرواية. وبعد عام عاد إلى دراسته، مطورا عناصرها الأساسية ومحتفظا بها في آن، حيث أخذت هذه المرة عنوانا مختلفا هو: الرواية كملحمة بورجوازية "()، حيث انقلب فيه على نصه السابق: " نظرية الرواية" واصفا إياه بالرجعية، وقام بتقديم منظور ماركسي محض للرواية.
إن الأفكار التي قدمها لوكاتش في كتابه نظرية الرواية وكذا في كتابه الآخر: " التاريخ والوعي الطبقي " سيأتي عالم الاجتماع الفرنسي ذو الأصل الروماني لوسيان غولدمان ويبني عليها مشروعه حول سوسيولوجية الرواية ومنهجيته النقدية الموسومة بالبنيوية التكوينية.
ــــــــــــــــ
للموضوع مراجع

الأربعاء، نوفمبر 26، 2008

المثقف والايديولوجيا

هناك مقولة شبه مسلم بها في الخطاب السوسيولوجي حول المثقفين وهي أن هؤلاء الأفراد المتميزون اجتماعيا، الذين يكون عملهم ذهنيا بالأساس، وتنحصر وظيفتهم في توليد الأفكار وتبني قيم الخير والحق والجمال وكل القيم الجوهرية والأساسية في الإنسان التي تسعى الجماعات الأخرى أو بعضها على الأقل إلى طمسها والدوس عليها، هؤلاء المثقفون ما هم في النهاية سوى نتاج للإيديولوجيات السائدة في زمانهم، " والإيديولوجيات هي هذه الخطابات الشاملة حول الإنسان والمجتمع والعالم، والتي تسعى باستنادها مبدئيا إلى العلوم والمعارف الوضعية، تسعى إلى مضاربة حقائق الدين القديمة، بل الحلول مكانها "، وهي بالتالي أي الإيديولوجية تقدم نفسها كمجال خصب قادر على أن يضم تحت جناحه الكثير من التفسيرات والإجابات التي يبحث عنها الإنسان، حيث إنها كأنظمة تفكير دنيوية توظف العلم في إطار بناءها العام ولكنها تتجاوزه أيضا لتجعل منه مجرد رافد من ضمن روافدها الكثيرة، تلك الروافد التي تنصهر في " مزيج حميم بين السياسي والثقافي والتاريخي والطوبي " إنها تكسب مصداقية اكبر عن طريق هذا التوظيف للعلم، المصداقية التي تحتاجها في إبعاد التهمة التي ظلت تلاحقها بأنها مجرد يوتوبيات وأوهام علموية، مما صبغ عليها صفة تحقيرية لدى رجال العلم، ولدى المثقفين النقديين الذي يزعمون قدرتهم على الانفلات من ربقة الإيديولوجيات المهيمنة.
لقد كان ميلاد الانتلجانسيا الأوروبية كقوة اجتماعية فاعلة مرافقا للحملات التي خاضها المثقفون ضد الإيديولوجيات الشمولية التسلطية في ثلاثينيات القرن العشرين، تلك الحملات المناوئة للنازية والفاشية والستالينية، رغم أن الظهور البارز للمثقفين أو ما يسميه البعض بميلاد المثقف الحديث كان مع قضية درايفوس والبيان الشهير الذي أصدره إميل زولا بعنوان إني اتهم والذي وقف فيه ضد الدولة وضد الجموع الغاضبة والمطالبة برأس الضابط الفرنسي الخائن درايفوس الذي اتهم بالعمالة لألمانيا. لقد كانت قضية درايفوس هي البداية القوية والأبرز لتدخل المثقفين في الشأن العام والاهتمام بالتفاصيل والأحداث اليومية ومحاولتهم إعادة صياغة العالم بالشكل الذي يرونه أفضل. غير أن النضال ضد الديكتاتوريات الشمولية والفاشيات التي غزت أوروبا مع صعود النازية والفاشية في ألمانيا والحرب الأهلية الاسبانية وثورة أكتوبر في روسيا، هو الذي جعل المثقفين الأوروبيين في ثلاثينيات القرن العشرين، يعيدون عن طريق الكتابة وعن طريق الممارسة أيضا صياغة مفهوم المثقف ومنحه دورا آخر في المجتمع الذي ينتمي إليه وفي العالم أيضا، من خلال تكتل المثقفين والنضال الذي خاضوه ضد تلك الإيديولوجيات الكليانية التي تهدد الحق والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية، أي تهدد القيم التي راهن عليها المثقف ووضعته الظروف التاريخية متبنيا لها ومدافعا عنها؛ في تلك الفترة وما شهدته من أحداث جليلة هددت قيم عصر الأنوار ومكتسبات الحداثة الأوروبية انقسم المثقفون الأوروبيون إلى كتلتين متصارعتين، حيث لا مكان للحياد، إما أن تكون مع تلك الفاشيات ومدافعا عنها أو أن تكون في الصف الآخر معارضا، والمعارضة والرفض هو الخيار الذي تبنته الأكثرية من المثقفين الأوروبيين كاختيار وكرهان لا يهدف فقط إلى مجرد التعبير عن الرغبة في إعادة تنظيم المجتمع بشكل جدري جديد، بل إن تلك الأحداث قد أتاحت ولو بشكل غير ظاهر رغبة أولئك المثقفين في السيطرة على العالم من خلال توجيه الاختيارات السياسية والاجتماعية بصفة عامة.

لقد كانت تلك الفترة والفترات الاحقة لها محاولات جريئة من طرف المثقفين للتخلص من الشرط الايديولوجي الضروري والجوهري لوجودهم كفئة متميزة وتتمع ببعض من الاستقلالية اتجاه المؤثرات الخاريجية التي ينصاع لها عامة الناس الذي يتعاملون بنفعية وقصر نظر غالبا ما يجعلهم يتجاوزون فكرة النظر نحو افاق اوسع واعمق في القضايا التي يتناولونها او السلوكات التي يسلكونها، ولكن المثقفين وهم يناضلون ضد ايدلوجيات معينة كانوا في النهاية مجرد ناطقين باسم ايديولوجيات اخرى مناوئة، لقد انتصر المثقفون الاوروبيون للراسمالية ضد الوجه اللانساني الذي ظهرت عليه الستالينية في اول محاولة لتطبيق الاشتراكية والافكار الماركسية، وانتصصروا لافكار عصر الانوار التي تحولت مع مرور الوقت الى ايديولوجيا قائمة بذاتها تنهل من التاريخ اكثر مما تلامس الحاضر، انتصروا لتلك الافكار الحاملة للكثير من القيم التنويرية ضد الفاشية الايطالية والنازية الالمانية التي شكلت تهديدا جديا لتلك القيم التي حملتها العقلانية الاروبية وعصر الانوار.
في النهاية نعود للنقطة الاساسية التي يأخذها الدرس السوسيولوجي باهتمام وهو يقارب موضوع المثقفين، وهي ان هؤلاء المتميزون اجتماعيا و" المستقلون " فكريا، ما هم في النهاية سوى نتاج الايديولوجيات السائدة، رغم أن عملهم الذؤوب من اجل الانفلات من ربقة هذه الايديولوجيات لم يتوقف ولن يتوقف، وهذه الرغبة الجامحة في الاخلاص للعلم او الايمان او هما معا، بعيدا عن اشباح الايديولوجيا الفضفاضة والحاضرة في كل مكان، يشكل عاملا مهما من العوامل التي تؤجج حيوية هذه الفئة الاجتاعية و قدرتها على التجدد دوما وعلى النظر بعين نقدية اتجاه الانسان والعالم وما يستبطنه من قيم وافكار ومعارف.

الثلاثاء، نوفمبر 18، 2008

تكريس الإستبداد باسم الشرعية الثورية

إن أكبر النكبات التي منيت بها المجتمعات العربية الحديثة العهد بالاستقلال، والتي لا تخرج من محنة إلا لتلج محنة اشد ظلامية من سابقتها، تتمثل أساسا في حكامها المتكئين على شرعيات هشة خولتهم التأبد في الحكم، والاستبداد بمقدرات الأمة وتأميم الدولة لفائدة عشيرتهم الأقربين، هو حال كل الدول العربية بلا استثناء، وقد أعطتنا موريتانيا ذلك البلد المنسي والمهمل من الخارطة العربية ومن حسابات ساستنا، أعطتنا درسا قصيرا في الديمقراطية، لم يتسنى له أن يعمر طويلا، لان المبدأ الذي يتكأ عليه كل الحكام العرب من المحيط إلى الخليج هو مبدأ الانقلاب على كل الشرعيات التي يكون مصدرها الشعب.
وهم الشرعية الثوري:
نحن دول يحكمها العسكر، والع
سكر يسير الدولة ويعامل المجتمع بعقلية عزوز الكابران
تلك الشخصية الروائية التي أبدعها مرزاق بقطاش ليعبر من خلالها عن نقده لكل المرجعيات البائدة التي تلجأ إليها الأنظمة السياسية عندنا، والتي لا تقوم بأي عمل فعال إلا حين يتعلق الأمر بتكريس هيمنتها على المجتمع وتسخير الدولة لخدمة فئة معينة على حساب باقي الفئات الأخرى.
في الجزائر، في بلد الحزن العريض والخيبات المتوالية تتم التضحية بأول دستور ديمقراطي عرفته البلاد، بأول دستور كان نتيجة عمل نخبة من المفكرين الجزائريين ولم يكن صنيع المطابخ السياسية التي تنبعث منها رائحة النشادر المقيتة، أول دستور يقول لا للاستبداد بالحكم من طرف شخص واحد مهما كانت مقدراته، أول دستور يقول لنا وللعالم اجمع أن التداول على السلطة فعل حضاري، وأن المجتمع الجزائري الذي مر بتمزقات عميقة وأزمات حادة خرج منها مثقلا بالجراح، صار قادرا ومستعدا للتعامل بطريقة حضارية وبروح ديمقراطية مع السلطة التي تحكمه، وانه صارا مؤهلا لاختيار من يحكمه بكل حرية.
لقد تمت التضحية بدستور 1996 لأجل إرضاء نزعات تسلطية غير خفية أبداها الرئيس بوتفليقة منذ توليه الحكم، وهو الذي برع في القفز على الإرادة الشعبية وعلى البرلمان وعلى قوانين الجمهورية وأولها الدستور. دستور 1996 الذي حدد في المادة 74 منه فترة الرئاسة بعهدتين غير قابلتين للتجديد هو دستور رئيس عسكري ( اليامين زروال )، ودستور 2008 الذي قنن الحكم مدى الحياة هو دستور لرئيس مدني ( وهنا المفارقة ) صرح في عز انتصاره سنة 2004 بأن عهد المشروعية الثورية قد انتهى، وان مصدر السلطة والمشروعية لن يكون غير الشعب، ولكنه بعد أربع سنوات انقلب على دعواه تلك، وكثيرة هي انقلاباته على كل ما يدلي به من تصريحات موجهة للاستهلاك المحلي، للمواطنين البسطاء الذين لم يعودوا يستمعون له أصلا، لهذا فهو لم ير ضرورة أن يمر تعديله الدستوري على استفتاء شعبي، لان الرئيس المدني تصرف بذهنية عزوز الكابران الذي لا يجيد سوى إعطاء الأوامر للكلاب المدربة لترفع أرجلها في البرلمان وتصوت بالأغلبية المطلقة على ما قرره السيد الرئيس.
الرئيس بوتفليقة قد يكون الثوري الأخير الذي يمنحه التاريخ فرصة الدفاع عن مبدأ عزيز على النظام الجزائري وهو مبدأ الشرعية الثورية الذي شكل ومنذ لحظات الاستقلال الأولى متكأ رئيسا للنظام، باسمه يمارس استبداده وباسمه يتم إقصاء كل المنافسين الفعليين والمحتملين، فباسم هذا السند المبهم في معناه، أقصي الراحل محفوظ نحناح من سباق الرئاسيان سنة 1999، لا لشيء سوى لان الدستور ( الدستور مرة أخرى ) يفرض أن يكون الرئيس مجاهدا وثوريا لا غبار عليه. وبعد 46 سنة من الاستقلال لا يزال هناك خزان لا ينضب من المجاهدين والثوار الجالسين على كرسي الانتظار تأهبا لاستدعائهم وقت الضرورة لتبوء السلطة باسم مشروعية ثورية لا تعترف بالجيل الذي ولد بعد الاستقلال وتراه غير مؤهل لحمل أمانة الشهداء ( رفاق المجاهدين ).
من المفارقات التي يجيد التاريخ حبكها ان يتم تعديل الدستور الجزائري لتمكين الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة ( 72 سنة )من الحكم مدى الحياة في نفس الأسبوع الذي يتم فيه انتخاب باراك اوباما رئيسا لأمريكا، بكل ما يعني هذا الاختيار من طرف الشعب الأمريكي من انقلاب رهيب في الذهنية، التي وفي اقل من نصف قرن استطاعت أن تتخلص من ارث قرون طويلة من العنصرية والتمييز ضد السود، باراك اوباما لم يكن يحلم يوما قبل عشر سنوات فقط ( ربما ) بأن يصير رئيسا لأمريكا، وهو المنحدر من أصول افريقية سوداء ومن أب مسلم في مجتمع تتملكه فوبيا الإسلام.
إن أمريكا التي لا نكف عن لعنها صبح مساء قادرة على إعطاءنا نحن العرب دروسا في الديمقراطية ودروسا في التغيير، والأهم من هذا دروسا في الانفلات من ارث الماضي،
الماضي الذي لا يزال يحكمنا ويسير سلوكياتنا وإليه ننسب كل مفاخرنا، ونحوه تتجه أحلامنا المقلوبة وهو الذي يصوغ نوستاليجاتنا التي لا تنتهي، وباسمه ( باسم نفس الماضي ) تحكمنا شلة من الديناصورات المنقرضة وتستبد بنا، وتهيؤ لنا كل الظروف التي تجعلنا نلعنها بنفس المقدار الذي نلعن به أمريكا. إنه عبث التاريخ.
جيل بلا أيديولوجيا
إن جيلنا، جيل 88 البائس، الذي تفتق وعيه بالذات والتاريخ والدولة على وقع انتفاضة أكتوبر 1988 هو جيل
مأزوم، جيل بلا هوية ثابتة، وبلا ايدولوجيا تقود خطاه وتؤثث أحلامه ويوتوبياته التي ينظر من خلالها نحو المستقبل، جيل لا يؤمن بالدولة لأنها حرمته ابسط حقوقه، ولا يعنيه الماضي الثوري المجيد كثرا، لأنه باسم ذلك الماضي عانى طويلا وكثيرا، جيل لا يؤمن بكل الايدلوجيات التي وصلته عبر قنوات السلطة، ويرفض بصمت كل المشروعيات التي يتبجح بها النظام الحاكم، وهو يرفض بالذات تلك الشرعية الثورية التي لم يلتقي بها في واقعه سوى كتبرير إيديولوجي للفشل، وكأيديولوجيا خائبة وغير مقنعة ومع هذا فهي تسمح لرئيس الجمهورية أن يعترف علانية ( دون خجل ) بفشله وفشل فريقه الحكومي في تحقيق الأهداف المسطرة خلال عشرية كاملة، ولكن نفس الشرعية ونفس الإيديولوجية، تتيح لنفس الرئيس الفاشل الذهاب نحو عدة أخرى وعشرية أخرى من الفشل.
لهذا فجيلنا الذي عايش إفلاس كل المرجعيات التي يتكأ عليها النظام، كنس من ذهنه كل تلك الإيديولوجيات ومعها كنس أشياء أخرى جميلة وجوهرية في الذات الجزائرية الممزقة. لان الأنظمة المستبدة تكون قادرة وبفعالية على تشويه كل الأشياء الجميلة لدى شعوبها المغلوبة على أمرها.

السبت، نوفمبر 08، 2008

أزمة المثقف العربي ( 6 )

المثقف العربي بين تعسف الأنظمة العربية وازدواجية الغرب:
كثيرا ما يراهن المثقف العربي وهو يواجه السلطة المستبدة والمعادية للديمقراطية على الغرب كحليف يمكن أن يمد له يد العون في صراعه من اجل تحصيل الحقوق المدنية والسياسية، وكفزاعة لترهيب الأنظمة المستبدة، ولكن الغرب الذي يوجد في قاع الفكر العربي كما يقول العروي، لا ينظر إلى الديمقراطية في البلدان العربية بنفس النظرة التي ينظر بها لنفس الموضوع / القيمة في بلدانه الأصلية، فالديمقراطية التي يمكن أن توصل إسلاميين للسلطة، بما يمثلونه من معارضة تاريخية للغرب ولمناراته العلمية والمعرفية، هي ديمقراطية مشوهة في نظر الغرب يجب محاربتها بدعم الأنظمة التسلطية للوقوف في وجه التيارات السياسية التي لا تخدم مصالح هذا الغرب، وبالتالي فإن الديمقراطية بالنسبة للغرب هي سوق تمكنه من اختيار من يصل للحكم، والأكثر خدمة للغرب وولاء، هو الأكثر ديمقراطية.
لهذا يبدو رهان المثقفين العرب على الغ
رب في صراعهم ضد استبداد الأنظمة الحاكمة في بلداننا العربية هو رهان خاسر، لأن سياسة الكيل بمكيالين التي يتبعها الغرب، وسياسيته البراغماتية التي تنظر لمصالحه قبل أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الآخرين، تجهض هذا الرهان.
إذن، فالمثقفين العرب وخصوصا الفئات المستنيرة التي آمنت بقيم الغرب العقلانية والداعية للعدالة والمساواة والتنوير وراهنت عليه، تقع بين المطرقة والسندان، مطرقة الغرب المتنكر لقيمه حين تتعارض مع مصالحه السياسية والاقتصادية واستراتيجياته المستقبلية، وسندان الأنظمة الحاكمة التي لا " تعتبر هذه الفئة من المثقفين أعداءها فقط, لأنهم يتبنون قضية الديمقراطية, بل أيضا لأنهم يرفضون كل مواقفها وخياراتها وسياساتها الإقليمية والدولية التي تستجيب في معظمها لمصالح الغرب "(
[1])، ومن هنا فإن المثقفين العرب وخصوصا المشبعين بقيم الثقافة الغربية والمدافعين عن الحداثة كنموذج غربي المنشأ قابل للتوطين محليا، يجدون أنفسهم في وضعية لا يحسدون عليها، على عكس المثقفين الإسلاميين الذين حسموا اختياراتهم اتجاه الغرب منذ البداية والذين يعادونه بشكل حاد وراديكالي ولا يرون فيه سوى جانبه السلبي، ولا يرونه له مزية غير تقدمه التكنولوجي الذي لا يعارضون استيراده مجردا من مرجعياته الثقافية؛ بالإضافة إلى تصالح التيار الإسلامي غير المتشدد مع السلطة وانخراطه في المشروع السياسي للدولة الوطنية وللنظم الحاكمة، التي وظفته ( أي التيار الإسلامي السلفي غير الراديكالي ) في فترات كثيرة لكسر شوكة التيارات الأخرى المعارضة وخصوصا التيار القومي واليساري الذي كان ولفترة معينة (الستينات والسبعينات ) قويا وقادرا على فضح انحرافات السلطة والتنديد بإخفاقاتها المتكررة، لهذا نجد أن المثقف الإسلامي له موقف ثابت من الغرب وهو موقف الرفض وبالتالي عدم الحاجة ( النظرية على الأقل ) لحماية هذا الغرب والاستجارة به من ظلم وتعسف السلطة الحاكمة، فقد " انخرط المثقف الإسلامي السلفي في المشروع السياسي القومي منذ انتصار الناصرية في مصر وحرب التحرير في الجزائر، كما انخرط في استعادة السيادة الوطنية المستلبة من القوى الاستعمارية، إلا أنه، وعلى المستوى الفكري تقوقع وانكمش، وأظهر عدم القدرة على مجارات التطورات العلمية والفكرية والثقافية، وهكذا ظل يعيش – كما هو نموذجه التاريخي – حالة تبريرية للسلطة مع عدم رضاه عنها "([2])، وبالتالي كان خيار هذا المثقف محسوما كما أسلفت الذكر اتجاه الغرب الذي ظل يعادي أنواره وحداثته، في نفس الوقت الذي ظل حريصا على توظيف بعض منجزاته التكنولوجية لإيصال تأثيره للناس أو لتسويق رؤيته الماضوية / السلفية المنفصلة عن هموم المجتمع الحقيقية، وأسئلته الجوهرية التي يبحث لها عن إجابة لا يملكها سوى المثقف الذي يحسن الإنصات لنبض المجتمع في حركيته التاريخية.
أما المثقف العلماني، والمرتبط فكريا بالغرب وانجازاته الحضارية والفكرية، فقد ظل رهين أوهامه هو الآخر: وهم الغرب المستنير منبع العدالة والحرية والديمقراطية، وواقع الغرب الاستعماري والمعارض الشرس لمصالح الأمة، والذي لا يرى في هؤلاء المثقفين سوى مشروع وكلاء ينفذون مشاريعه واستراتجياته في ديارنا، " لقد وجدت هذه الفئة من المثقفين المدافعين عن الديمقراطية نفسها في موقف حرج، فهم يتبنون الديمقراطية ويدافعون عنها باعتبارها المدخل الأساسي لمعالجة مجمل الإشكاليات التي تعانى منها الجماعة ولكنهم لا يقبلون في الوقت نفسه وصاية الغرب على مواقفهم ورؤيتهم واقتناعاتهم المتعلقة بقضايا يرونها جوهرية في مقابل ما قد يقدمه لهم الغرب من حماية عبر مؤسساته ومنظماته "(
[3])، ومن هنا فهذه الفئة من المثقفين التي تنتظر من الغرب أن يمد لها يد العون في نشر قيمه الحضارية ومنجزاته المعرفية التي آمنت بها، تجد نفسها عالقة بين متطلبات المصلحة الوطنية والقضايا الجوهرية للأمة من جهة، واستبداد الأنظمة الحاكمة وتفريطها في تحمل مسؤولياتها اتجاه تطلعات أفراد الجماعة في التقدم والرقي والدفاع عن القضايا المصيرية التي هي محل اتفاق شبه كلي بين مختلف الشعوب العربية، من جهة ثانية، وشروط الغرب المجحفة وبراغماتيته التي لا ترى سوى مصالحه من جهة ثالثة.
هذه الحالة المعقدة والمحرجة التي وجد المثقف العربي العلماني والتنويري نفسه في ظلها تدفعه لتقديم تنازلات عدة سواء للسلطة أم للغرب، أم تدفعه للتنازل عن كونه قيما على مصير الأمة وحاملا لهمومها وتطلعاتها؛ وأي تنازل من هذا النوع هو بكل تأكيد إفراغ لجوهر المثقف من محتواه.
ومن هنا فإن حالة الوعي الشقي التي يجد المثقف العربي التنويري نفسه في ظلها تدفعه للتذبذب في اختياراته، وتدفع فئة من هؤلاء المثقفين للحسم باختيار الغرب، ليس كظهير وسند لهؤلاء المثقفين في مواجهتهم ضد السلطة المستبدة، ولكن كفضاء جغرافي وحضاري يمكنهم من النظر بحرية اكبر في قضايا أمتهم من جهة، وفي علاقتهم بالغرب وعلاقة الغرب بالعالم العربي من جهة ثانية، عن طريق الهجرة أو المنفى التي يراها بعض من هؤلاء المثقفين كحل يمكنهم من الاستفادة من مناخ الحرية، الذي هو عنصر أساسي بالنسبة للمثقف، هذه الحرية التي هي ضرورة للإبداع والتفكير بعيدا عن تلك الضغوطات القاهرة التي تفرضها الأنظمة العربية على المثقفين في أوطانهم، فمثقف عربي مهاجر مثل الطاهر بن جلون يرى " أن المكان الوحيد الذي يسمح للأدباء والمثقفين العرب بالتعبير عن رأيهم بكل حرية هو المنفى، ويقصد به تدقيقا أوروبا وأمريكا الشمالية، ويخص مدينتي باريس ولندن بالذات، لما رآه من كثرة هجرة المثقفين إلى العواصم الأوروبية والاستقرار بها بشكل نهائي والتدريس في جامعاتها، والعمل على إصدار مجلات وجرائد متميزة تعتبر من أحسن وأجود الإصدارات العربي شكلا ومضمونا، خاصة منذ اندلاع الحرب الأهلية في لبنان موطن الحرية والديمقراطية قبل 1975"(
[4])، كما أن مثقفا مهاجرا آخر كحليم بركات يرى أن تواجد المثقف العربي في المهجر / المنفى يساعده على تكوين نظرة نقدية بالغة الأهمية اتجاه الثقافة العربية واتجاه الغرب أيضا: " ربّما نتمكّن بفعل تواجدنا كمثقفين عرب في الغرب أن نرى الأمور من زاوية خاصّة. وستكتسب رؤيتنا أهمية بالغة إذا ما تكلمنا من موقع الصراع الثقافي داخل الثقافة العربية وضدّ الثقافة الغربية المهيمنة "([5]).
ولكن ألا تعتبر مثل هذه الدعوات للهجرة الجماعية نحو الفردوس الديمقراطي الغربي، تبخيسا واحتقارا للمثقف العربي الذي فضل البقاء في وطنه رغم قسوة الظروف، وظل ينتج ويعطي ويصوغ مشاريعه الفكرية بحس نضالي نادر، ثم في المقابل ما قيمة العطاء الفكري المنتج في ظل مناخ الحرية الذي قدمه مثقفو المنفى للثقافة العربية يتساءل المفكر والناقد عبد الرزاق عيد، ويضيف بلغة جازمة " بأن مثقفي المنفى لم يقدموا شيئا لصالح الشعوب العربية، بل تحولوا إلى أبواق لبعض الأنظمة العربية "(
[6]).
إن هجرة المثقف العربي للغرب كما دعا إليها الطاهر بن جلون وكما بررها مثقفون آخرون متواجدون بالغرب، هي هجرة من اجل الحرية التي تعتبر بالنسبة لإبداع المثقف كالهواء والماء لا استغناء عنها، هذه الحرية المفتقدة في البلدان العربية التي تعمل أنظمتها جميعا على ضمان البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، سواء تلك التي تبنت الديمقراطية الشعبية أو تلك التي اختارت نهج الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، أم تلاك الأنظمة الملكية، " فلقد اتفقت كلها على قمع المعارضة السياسية بالدرجة الأولى ثم التصدي للمثقفين والكتاب عموما إذا خاضوا في المسائل الممنوعة، فعليهم الاكتفاء بالشعر العاطفي المحلق في الفضاء، أو بالروايات الاجتماعية حول ظاهرتي الزواج والطلاق، والمسرحيات التهريجية وما إلى ذلك من الأدب الترفيهي الذي لا يقلق أحدا "(
[7])، فالهجرة في النهاية لم تكن اختيارات أو مجرد بحث عن مغانم مادية للمثقف العربي، إنما هي بالأساس بحث عن المناخ المناسب الذي يساعده على التفكير والتعبير عن راءه بحرية اكبر مما هي موجودة عليه في الوطن الأم، رغم أن الحرية بمعناها المطلق تظل مجرد حلم سواء في الغرب أو في ديار العرب.
ولكن حين نعود لسؤال مركزي طرحه عبد الرزاق عيد: مالذي قدمه مثقفو المنفى للشعوب العربية؟.
بعبارة أخرى هل سمحت ظروف المنفى والحرية النسبية التي وجدها المثقف العربي في الغرب، هل سمحت له بإنتاج خطابات فكرية قادرة على استبطان المشكلات الحضارية للأمة و
التعبير عنها من جهة، ونقد تلك النظرة السلبية التي يرسمها الغرب عنا من جهة أخرى؟
نستطيع الاطمئنان للإجابة بنعم على هذا السؤال المركزي الذي يلخص جوهر المثقف العربي وعلاقته بالغرب كمجال حضاري، فالنماذج التي نقدمها لنجاح هذا المثقف المهاجر في الإنصات لنبض المجتمع العربي والتعبير عن جوهر الإشكاليات التي يعانيها تعطي إجابة واضحة عن السؤال المطروح أعلاه. ونكتفي هنا بإيراد ثلاث نماذج لمثقفين عرب اختاروا المنفى ومن هناك صاغوا مشاريعهم الفكرية التي صبت في فائدة المجتمع العربي والفكر العربي خصوصا:
- هشام شرابي: لقد فتح هشام شرابي هذا المثقف الفلسطيني وأستاذ التاريخ الأوروبي الحديث بجامعة جورج تاون الأمريكية " الباب لمفاهيم كثيرة أن تدخل السجال: النظام الأبوي، النقد الحضاري، تحرير المرأة (كقضية سياسية تعني المجتمع برمته)، الحركات الاجتماعية الذهنية واللغة. وكل ذلك في إطار تاريخي فلسفي اجتماعي ومفند في هذه المفاهيم المضامين الثقافية والحضارية والاجتماعية"(
[8])، ومشروعه الفكري الموسوم بالنقد الحضاري لقي ترحيبا أكاديميا بالغ الحفاوة في العالم العربي لما يوفره من ثراء معرفي، وما يوظفه من وسائل منهجية لمقاربة أسباب تخلف المجتمع العربي، فدون أن يتخلى عن انتمائه العربي والتزامه بقضايا أمته، ذهب هشام شرابي في مشروعه الفكري إلى نواة العائلة والنسيج الاجتماعي لتفكيك طبيعة النظام الأبوي الذي يرد إليه أسباب تخلف المجتمع العربي، هذا التخلف الذي لا يتم تجاوزه حسب شرابي سوى بتحرير المرأة وتفتيت النظام الأبوي وتغييره " والوسيلة إلى تحقيق ذلك: 1 – النقد الحضاري، 2 – الحركات الاجتماعية، 3 – تفعيل دينامية العمل المشترك أو ما اسماه شبكات التواصل بين المثقفين والإعلاميين خاصة."([9]). فالوسائل المنهجية التي يقترحها هشام شرابي لمقاربة إشكالية تخلف المجتمع العربي واضحة وتتميز بفعالية جعلتها تحضا بالترحيب الذي تستحقه في الحياة الفكرية العربية المعاصرة.
- ادوارد سعيد: هذا المثقف والأكاديمي الفلسطيني أيضا الذي حمل " بين جنبات روحه هم قضية فلسطين ومشكلاتها وتعقيداتها, فكان يؤلف الكتب, ويكتب الأعمدة والمقالات في الصحف, ويلقي المحاضرات ويعقد الندوات في سبيل إظهار عدالة وإنسانية هذه القضية، ومدى حضورها الصحيح واللائق في الإعلام الغربي "(
[10])، والذي عمل من خلال مشروعه الفكري على الدفاع عن قضايا العرب وفلسطين وتبيان زيف النظرة الإعلامية الغربية اتجاه العرب، وكذا زيف ادعاءات الاستشراف حول العرب والإسلام وعالم الشرق بصفة عامة، فقد كان كتابه الاستشراف الذي صدر سنة 1978 واحدا من أكثر الكتب أهمية حول هذا الموضوع فاداورد سعيد يجزم " أن الاستشراف صناعة أوروبية واختراع أوروبي تبناه الأوروبيون، خاصة الفرنسيون والبريطانيون منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر"([11]) بغية صناعة عالم الشرق كما هو في مخيلتهم لا كما هو في الواقع، وبالتالي الصقوا به من السلبيات الكثير ووصفوه بالاستبداد والظلامية وغيرها من النعوت الايكزوتيكية التي يبحث عنها الغرب في أسطورة " سحر الشرق "؛ سعيد بين زيف تلك الادعاءات بمنهجية ورصانة علمية هدمت بشكل لا رجعة فيه أسس ومرجعيات الاستشراف التقليدي.
- محمد أركون: وهو مفكر جزائري، وأستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السوربون، يعتبر مشروعه الفكري الموسوم بالإسلاميات التطبيقية محاولة متفردة لدراسة التاريخ الإسلامي بما يحمله من تراث ومرجعيات دينية واجتماعية، واحدا من أهم المشاريع الفكرية التي قيض لمثقف عربي القيام بها في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولكن مالذي قدمه أركون كمثقف عربي مهاجر وحاصل على الجنسية الفرنسية للفكر العربي، وللمجتمعات العربية بصفة عامة، يمكن الاستشهاد هنا على أهمية مشروع أركون الفكري وضرورته الراهنة والمستقبلية بما قاله مترجم كتبه للعربية المفكر السوري هاشم صالح: " كثيرا ما طرح علي هذا السؤال: لماذا كل هذا الإلحاح على أركون؟ ألا تعتقد بأنك تبالغ في أهميته؟، وم
ا هو الشيء الذي قدمه للفكر العربي الإسلامي؟.
واعترف بان التساؤل كان يحيرني ويدهشني في كل مرة، فقد كنت اعتقد بان الترجمات التي قدمتها حتى الآن ( حوالي العشرة كتب وآلاف الصفحات..) كافية للبرهنة على أهمية هذا المشروع وضرورته بالنسبة للعرب والمسلمين ككل، وأنا واثق أن هذه الأهمية، سوف تتجلى للناس أكثر فأكثر بمرور الأيام، وإلا فاني أكون قد أضعت خمسة وعشرين عاما من عمري عبثا "(
[12])، فمحمد أركون الذي طبع من خلال كتاباته العديدة، ومن خلال مجلته الأكاديمية " ارابيكا"، صبغ بصبغته الخاصة الدراسات الإسلامية في أوروبا، وفي العالم العربي أيضا، هذه الدراسات التي بدأت تجد لها أنصارا ومريدين يحتذون حذو أركون، ويوظفون منهجه لما يمتلكه المنهج الاركوني من قدرة على الولوج لجوهر الإشكاليات المطروحة على الفكر الإسلامي المعاصر، وأيضا لقدرة المشروع الفكري الاركوني على تفكيك تلك الأحكام المسبقة التي تسيّج العقل الإسلامي داخل نظام دوغماتي مغلق يصعب الفكاك منه، لأجل الانطلاق بعيدا عن تأثير التراث الكابح لعملية التحديث والنهضة والعلمنة التي يدعوا لها أركون من خلال مشروعه الفكري، وفي نفس الوقت إبراز النقاط المضيئة في التراث الإسلامي، الذي يشتغل عليه أركون ليس كموضوع تاريخي محض ، إنما كعامل لا يزال حيا ومؤثرا في حياتنا الفكرية والسياسية الراهنة. من خلال استعراضنا للجهود الكبيرة التي بذلها مثقفون عرب اختاروا المهجر لفضاء جغرافي وحضاري، وانطلاقا منه قدموا أفكارا وأطروحات تصب في خدمة القضايا العربية من خلال البحث عن أسباب التخلف العربي، والعمل على تقديم خطاب فكري يساعد على مواجهة حالة التخلف العام، يمكن القول بان المثقفين العرب في الغرب، لم يفقدوا هويتهم والتزامهم اتجاه قضايا الأمة المصيرية، وبالتالي وظفوا جو الحرية العام الذي يتيحه لهم تواجدهم في الغرب للتفكير بكثير من الحرية في مشكلات العالم العربي، هذه الحرية التي يفتقدها المثقف العربي في الوطن الأم.
وهذه العلاقة التي تربط المثقف العربي بالغرب، والتي هي علاقة " انبهار فكري" بالنسبة للمثقفين العرب الذي ظلوا في أوطانهم، وعلاقة تمثل واعي وعميق للثقافة الغربية بالنسبة للمثقفين العرب في الغرب، تشكل بالإضافة إلى ما سبق ذكره مظهرا من مظاهر علاقة العرب والمثقف العربي على وجه الخصوص بالغرب، وخصوصا من الناحية الفكرية والحضارية، التي تتجلى كمرجع فكري بالنسبة للمثقف العربي يصعب إن لم يكن مستحيلا الفكاك منه أو تجاوزه بالبحث عن مرجعيات فكرية بديلة سواء في التراث العربي الإسلامي أو من خلال البحث عن مرجعيات فكرية بعيدة عن تأثيرات الفكر الأوروبي ومركزيته.
من خلال ما سبق نؤكد على نقطة جوهرية تختصر العلاقة المتشنجة التي تربط المثقف العربي بالغرب، وهي ضرورة الفصل بين الغرب كمرجع فكري ممتد من عصر الأنوار الأوروبي إلى الوقت الحاضر، والغرب السياسي كقوة استعمارية وامبريالية استعمرت العالم العربي ونهبت ثرواته، وما تزال تعمل من خلال سياساتها الراهنة على الوقوف في وجه المصالح العربية وتعطيل آليات التقدم والمحاولات التي بذلت منذ بداية النهضة للعربية إلى الوقت الحاضر من اجل بلوغ التقدم والنمو المنشود، الذي هو حجر الزاوية في كل تلك المشاريع الفكرية التي نادى بها المثقف العربي خلال القرنين المنصرمين، وأيضا هو ( أي التقدم والنهوض ) المبرر الذي استولت باسمه الأنظ
مة الحاكمة في العالم العربي على السلطة.
خلاصة:
لم تكن تلك الدعوات التي أطلقها مثقفون عرب لتجسير الفجوة بين المثقف والسلطة(
[13]) لتجد صداها الايجابي، سواء من طرف السلطة، أو من طرف بعض المثقفين الذين ظلوا يراهنون على ثورة ثقافية ينعتق بموجبها المثقف من اسر وهيمنة وتسلط السلطة([14])، فقد ظلت العلاقة كما هي متشنجة وغير سوية في ظل تحول الأنظمة العربية التي استولت على الحكم عقب استقلال أغلبية الدول العربية بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أنظمة تسلطية قمعية ترى في المثقف مجرد مشوش على سياستها، وتاريخ الدولة العربية القصير يعطينا أمثلة كثيرة وذات دلالة على تعرض المثقفين العرب لكل أنواع التضييق والضغوطات التي تصل في بعض الأحيان بالإضافة للسجن والنفي إلى حد التصفية الجسدية، قمع المثقفين العرب من طرف أنظمة الحكم كان موازيا لقمع المعارضة السياسية، فالمثقف مجبر في كثير من الأحيان على الصمت أمام تعدد المعوقات التي تقف في طريق ممارسته لوظيفته في المجتمع، ونضاله من اجل تحصيل الحقوق المدنية والديمقراطية والعدالة والمساواة، التي هي شروط موضوعية ضرورية لأجل استئناف مشروع النهضة المجهضة، ضل في حدوده الدنيا دون أن يحقق طموحاته ومطالبه إلا بطريقة جزئية جدا اضطرت فيها بعض الأنظمة العربية لتقديم تنازلات تحت تأثير ضغط الشارع وضغط القوى والحركات الاجتماعية التي ظل تأثيرها هي الأخرى محدودا وسطحيا، ولم تستطع القيام بواجباتها في تحييد السلطة عن التدخل السافر والكلي والمهيمن في تسيير شؤون المجتمع بشكل يلغي أي دور ممكن ومحتمل للمجتمع الأهلي / المدني في تسيير شؤون المجتمع بنفسه وإبقاء دور السلطة / الدولة منحصر في إطار مهمتها السياسية وفي إطار المهام المخولة لها " دستوريا ". ففي وقت " أصبحت المهمّة الأساسية للدولة بنضج التجارب الإنسانية هي أن توفّر للمجتمع الشروط الأساسية للنموّ الحضاري، من أمن داخلي وخارجي، وتنظيم إداري، وتخطيط مستقبلي، وتيسير لسبل الريادة في التفكير والتدبير والإنجاز"([15])، ظلت الدولة العربية – بسبب أنظمتها الاستبدادية- مصرة على دولنة المجتمع، ومحاربة أي دور ممكن ومحتمل للمجتمع المدني في تسيير شؤونه بنفسه في زمننا العربي هذا الذي وصفه عبد الرحمان منيف ذات يوم بأنه زمن القمع.

[1] - صالح السنوسي، المثقف العربي.. مطرقة السلطة وسندان الغرب
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/8BBB6C74-2F9A-4E3F-AFD7-F9149BF69DCC.htm
[2] - أحمد موصللي و لؤي صافي، جذور أزمة المثقف في الوطن العربي، دار الفكر/ دار الفكر المعاصر، دمشق / بيروت، 2002، ص 54
- صالح السنوسي، نفس المرجع.[3]
- محمد ساري، محنة الكتابة، منشورات البرزخ، الجزائر، 2007، ص 8.[4]
- حليم بركات، مرجع سابق.[5]
- عبد الرزاق عيد، حول الثقافة العربية اليوم، مجلة الحرية،17/11/1986، عن محمد ساري، مرجع سابق، ص 8/9 [6]
- محمد ساري، مرجع سابق، ص 13.[7]
[8] - سليمان بختي، خيّب الموت إذ أعطى الحياة وأبناءها كل شيء. http://www.alnahdah.org/doc30034.htm
- نفس المرجع.[9]
- أيمن طلال يوسف، مرجع سابق[10]
- نفس المرجع[11]
[12] - هاشم صالح، محمد أركون ومشروعه، جريدة الشرق الأوسط، العدد 8949، الجمعة 29 ربيع الأول 1424 هـ 30 مايو 2003.
[13] - أنظر، سعد الدين إبراهيم، تجسير الفجوة بين المفكرين وصناع القرار في العالم العربي، مجلة المستقبل العربي، العدد 64، بيروت، جوان، 1984
انظر أيضا، احمد كمال أبو المجد، المثقفون والسلطة، مجلة الهلال، مصر، اكتوبر.1986
[14] - راجع، الطيب تيزيني، على طريق الوضوح المنهجي، حيث يستعمل الرمزية ليصف هذه الفجوة بين انطونيوس ( السلطة ) وكاسيوس ( المثقف)، الذي سينتفض في الأخير دفاعا عن استقلاليته،
راجع أيضا، غالي شكري، ديكتاتورية التخلف العربي: مقدمة في تأصيل سوسيولوجيا المعرفة، دار الطليعة ، بيروت، 1986.
- عبد المجيد النجار، مرجع سابق[15]

الثلاثاء، أكتوبر 28، 2008

رضا حوحو ( 1911 - 1956 )

تثوير اللغة تمهيدا لميلاد الرواية الجزائرية
لا يمكن الحديث عن الرواية الجزائرية المعاصرة، أو بعبارة أكثر تداولا الرواية الجزائرية الجديدة، رواية جيل الشباب التي هي تجربة متفردة في المتن الروائي الجزائري الحديث، دون الرجوع للحظات التأسيس الأولى للنص الروائي الجزائري المكتوب بالعربية، وتحديد إلى رضا حوحو الذي يعتبر أول من كتب نص روائي جزائري في شكله البدائي سنة 1947 من خلال روايته " غادة أم القرى " التي أهداها للمرأة الجزائرية الرازحة تحت نير القيم البالية، وكأن بالراحل العظيم يريد التأكيد على ما للرواية كجنس منفلت من الأسالي
ب العتيقة والدينية للغلة العربية في تلك الفترة، من قدرة على تجاوز العوائق والانطلاق لآفاق أرحب تعانق الحداثة الأدبية والاجتماعية وتقيم قطيعة مع ماض بائس ومنحط، إذا، فرضا حو ونصه الأساسي والتأسيسي للرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية: " غادة أم القرى"، يعد مرجعا مهما في تاريخ الرواية الجزائرية، على الرغم من أن غالبية النقاد يؤرخون فعليا لميلاد الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية بنص " ريح الجنوب " لعبد الحميد بن هدوقة 1971 والنصوص اللاحقة للطاهر وطار الذي يعتبر بحق أب الرواية العربية في الجزائر.
إن ما قدمه رضا حوحو للرواية الجزائرية لا يمكن تجاوزه ببساطة، لان عمل حوحو كان انقلابا داخل اللغة العربية المستعملة في الجزائر، فهو الذي اخرج اللغة إبداعيا من دائرة الخطابات الوثوقية المتسربلة بمرجعية دينية تؤيد هذا الميل نحو وثوقية دينية في استعمال اللغة العربية، فقد منح روحا قلقة للغة العربية في نصه الإبداعي فعل ذلك انطلاقا من قناعات فكرية معينة توفرت لديه بفعل ثقافته المزدوجة العربية والفرانكوفونية، وبفعل حسه الوطني الرفيع، وإيمانه بضرورة إخراج الثقافة العربية في الجزائر من ركودها ومن مرجعياتها الدينية المحضة، تلك القناعات التي كلفته الكثير في حياته، بل إنها كلفته حياته في نهاية المطاف.
إن ما قدمه حوحو للثقافة الجزائرية على قلته، لا يقل تأثيرا عما قدمه غوغول للقصة القصيرة الروسية التي يعتبر مؤسسها الفعلي، حيث خرجت من معطفه نصوص عظيمة وذات تأثير لا يمكن إنكاره على القصة الروسية والعالمية أيضا.
لقد طرح نص " رضا حوحو "غادة أم القرى" الذي عبد الدرب للكتابة التخيلية الآتية، عدة قضايا تتعلق أولا بالانتماء للجنس الروائي و بقدرة اللغة العربية على ولوج عالم الكتابة الروائية ثانيا "، فعمل رضا حوحو في جسد اللغة العربية المستعملة في الجزائر كان انقلابيا، بحيث فتح أمامها آفاقا رحبة لولوج مساحات تعبيرية لم تكن متوفرة لها، بسبب سيطرة اللغة الإصلاحية لرجال جمعية العلماء المسلمين على الساحة الأدبية الجزائرية وتركيزهم على الشعر والمقالة الإصلاحية، مع ابتعادهم التام عن الأجناس الحداثية في الأدب العربي، وخصوصا الرواية التي نظر إليها الكثير من المثقفين العرب في بداياتها الأولى كجنس مرذول ومنحط لا يقترب منه ذوو الألباب وفرسان البيان، ربما هذه النظرة التحقيرية التي رافقت نشوء الرواية العربية هي التي جعلت محمد حسين هيكل وهو ينشر أول رواية عربية سنة 1914 يوقعها باسم فلاح مصري خشية من رد الفعل العام على كتابه نصا لا يحظى بأي احترام من طرف غالبية الكتاب والمثقفين وحتى من طرف عموم القراء، وهو نفس الأمر الذي جعل رضا حوحو يكتب نصه الأول بعيدا عن الجزائر، فقد كتبه في مكة ونشره في تونس سنة 1947، وكأن جزائر ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن مهيأة بعد لدخول عصر الرواية وفتح باب من أبواب الحداثة الاجتماعية والأدبي
ة في الثقافة الجزائرية. رغم التغيرات الجذرية والعميقة التي حدثت في الوعي الجزائري نتيجة الاحتكاك بالنهضة الثقافية في المشرق العربي من جهة، ونتيجة اشتداد الوعي بالذات الوطنية الذي أذكته الحركة الوطنية الرامية لنشر فكر ووعي جديدين يتخلصان من سلبية المرحلة السابقة التي تميزت بنوع من المهادنة اتجاه المستعمر الفرنسي بعد انهزام المقاومات الشعبية المتعددة، فالحركة الوطنية لم تكن مجرد حركة سياسية كانت تهدف للاستقلال أو الاندماج مع فرنسا في ظل شروط معينة، غنما كان نشاطها في أوساط عامة الشعب وتأثيرها على المثقفين بالغا وجذريا أدى لنشوء وعي جديد، هذا الوعي اوجد هو الآخر وسائل تعبير خاصة به، تجلت وسائل التعبير هاته أساسا في الرواية، وفي شعر المقاومة.
فقد تغير النظام المستكين للأشكال السردية والأجناس المهيمنة وانفتح المجال أمام جنس الرواية لتعبر عن نفسها فغي نفس الوقت الذي حدث فيه تطوير وتحديث للغة العربية المستعملة في الجزائر والتي ظلت إلى غاية ذلك التاريخ ( بعد الحرب العالمية الثانية ) متخلفة مقارنة بعربية المشرق وحتى باللغة المستعملة في تونس أو المغرب، يجد هذا التخلف تبريره الموضوعي في عمل المستعمر الفرنسي على طمس هذه اللغة ومحاربتها بشكل افقدها الكثير من حيويتها وركنها في ركنها في زاوية التوظيف الديني المحض البعيد عن ارتعاش وقلق الإبداع وأبقاها في كلاسيكيتها التي لم تتجدد إلا بفعل نشوء وعي جديد رافق صعود الحركة الوطنية وتأكيدها على تفرد الذات الجزائرية واستقلالها عن الذات والهوية الفرنسية وأسلحتها الحضارية التي تعتبر اللغة الفرنسية أقواها تأثيرا وأكثرها إغراءا في نفس الوقت.
ومما سبق نقول بأن لحظة التأسيس الأولى للكتابة الروائية الجزائرية باللغة العربية كانت مع رضا حوحو الذي رافق فتحه الروائي باللغة العربية تغيرات عميقة مست المجتمع الجزائري ورافقت وعيا جديدا سمح بالانفتاح على جنس الروائي الذي هو جنس حداثي بامتياز، وقادر على قول الاختلاف والدعوة إليه في نفس الوقت، وهذا ما فعله رضا حوحو وهو ينفلت عبر " غادة أم القرى" من معيارية ووثوقية لغة القرآن.
ولكن تأصيل الرواية العربية كان لاحقا مع عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار تحديدا، فقد انتظرت الثقافة الجزائرية ربع قرن كامل حتى يأتي بن هدوقة سنة 1971 ويمنح مشروعية لعمل حوحو عن طريق كتابة أول نص روائي جزائري باللغة العربية يتميز بكل المواصفات الفنية للرواية كجنس أدبي.
ـــــــــــــــــــــــــ
للمقالة مراجع.

الأربعاء، أكتوبر 22، 2008

عن القيم الاجتماعية

قولبة القيم وفق التغيرات الاجتماعية
سفيان ميمون- الطاهير – جيجل – الجزئر
Minoune78@yahoo.fr
نعرف جميعا أن القيم تنقسم بدءا إلى قسمين متقابلين : صالحة وطالحة ، حسنة وقبيحة ، مقبولة ومنبوذة ، ....لكن الحكم عليها يستند دائما إلى أسا
س ، فما هو هذا الأساس ؟ وهل نحن البشر شركاء فيه ؟ .
إن الأسس التي تستند إليها القيم على اختلافها كثيرة فالمجتمع أساس ، والدين أساس ، وثقافة الطائفة أو العشيرة كذلك ، ولكن المرء الذي ينتمي إلى مجتمع ويدين بدين وينسب إلى طائفة أو عشيرة يحاول دائما أن يوفق بين هذه العوامل جميعها بأن يجد مقاربة صائبة بين قيم كل واحدة من العوامل، فمحاولة التوفيق بين مختلف العوامل وحدها التي تفرز لنا القيم المعيارية التي تضحي الحكم الأساس لكل سلوكاتنا وتصرفاتنا ، ناهيك عن كيفية التفكير و ضبط المنهج القويم لممارسة هذا التفكير، هذه نظرة .
و ثمة نظرة أخرى ترى أن القيم التي تفرزها مختلف العوامل الموضوعية من اجتماع و ثقافة و دين و عادات ..... لا بد أن تخضع لعملية نقذ دائم ، لإعادة تقييم القيم و الأساس هنا ليس المجتمع و لا العادات و لا حتى الدين ، و لكن العقل الذي يدخل مزاحما هذه العوامل كلها فيمنح السلطة عليها و يصبح حاكما عليها دون أن تمسك قبضتها عليه .
هكذا نجد أنفسنا أمام معيارين للقيم ، معيار موضوعي يمثله المجتمع و الثقافة و الدين .... ، و معيار أذاتي هو العقل ، لكن الانسياق خلف أحد المعيارين فحسب إنما هو تطرف بعينه كتطرف الممجدين للعقل و خصومهم من منكري فضل هذا الأخير في علم الكلام ، أو كتطرف القائلين بإبعاد الدين شريعة و منهاجا و الاحتكام إلى العقل و مناوئيهم من السلفيين المتشددين اليوم ، و هنا يتراءى لنا معيار ثالث بين الذات و الموضوع ، معيار مؤلف من نور العقل كذات و حكمة الدين و ه
دي المجتمع و الثقافة و العادات كموضوع ، فلا يمكن البتة لرأي راجح أن تقوم له قائمة و هو مؤسس على العقل وحده أو الدين وحده أو ما جرى عليه العرف و التقليد ، لقد رأينا مؤخرا تغييبا للدين كمعيار خلال اللغط الذي دار حول مسألة انتشار الدعارة في الجزائر حينما حاول بعض السادة معالجة الظاهرة قاصدين تحكيم العقل الذي هداهم إلى ضرورة تقنين الظاهرة بفتح بيوت خاصة ترعاها الدولة ، و حجتهم في ذلك هي إبعاد الظاهرة من الوسط الاجتماعي لكن سعيهم هذا إنما هو تأصيل للظاهرة في عمق المجتمع من خلال تشكيل مخيال عام يتعاطى معها في جانبها القانوني و ليس الديني ، و هو بهذا إبعاد لحكمة الدين كمصدر أساس لقياس قيمة الحكم أو الفعل أو الاتجاه ، ليس هذا فحسب بل إن هذا الرأي الذي يستند إلى العقل كمعيار يفقد قيمته بإخضاعه لهذا المعيار ذاته : معيار العقل ، ذلك أن ظاهرة الدعارة لا يمكن حصرها في عدد من المواخير ، فهذه المواخير منتشرة في المجتمع بأسماء شتى ، فنادق ، قاعات عائلية ، ملاهي .........، ورغم هذا نجد الظاهرة منتشرة في الجامعات والحدائق والشوارع وحيثما وليت وجهك فهي أمامك ، فالحال لن تتغير إذا بتقنين بيوت الدعارة أو عدم تقنينها طالما هي موجودة ، ما يهمنا هنا في هذه الظاهرة وفي غيرها هو أساس الحكم وكيفية بنائه انطلاقا من مراعاة جميع مصادر القيم الذاتية منها والموضوعية ، إننا بحاجة إلى إعادة تقييم القيم وفق جميع المصادر التي يمكننا من خلال التوليف بينها أن نصل لانتاج وإعادة انتاج قيم اجتماعية تعبر عنا وعن العصر الذي نعيش فيه، دون الاتكاء على مصدر واحد يكون عاجزا لوحده في ظل المجتمعات الحديثة شديدة التعقيد التي تستدعي المركب والمعقد والمختلف والمؤتلف وتنفي الأحادي والمنغلق .

السبت، أكتوبر 18، 2008

غريب الدار ومدونة ورود ورصاص

حين ينزف القلم بعطر امرأة عاشقة
حين تأتي فتاة عاشقة للكلمات التي تحرك أنوثتها وتكتب تعليقا على إحدى قصائدك، عاريا هكذا: إغماءات متتالية أصابتني اثر قراءة كلماتك الصاعقة. حتما ستكون كاتبا قادرا على الغوص بعيدا في ثنايا الروح الملتاعة في لحظات العشق.
وهذا ما يكتب عنه تحديدا
غريب الدار ، هذا الفتى السعودي الذي لاسم له ولا وطن لغربته غير الكلمات، وغير أسلوبه المراوغ والمنساب بشكل يخبر عن الأنثى العاشقة أكثر مما يخبر عن الفتى الذي يبادلها العشق. لهذا ظن بعض المدونين في البداية أن غريب الدار فتاة تتنكر بصفة رجل، وهو بمراوغة محسوبة ربما جعل هذا الاعتقاد يصل للذروة من خلال وضعه صورة لفتاة تبدو في ملامحها بعض الغلمنة ( نسبة للغلام ) بمدونته، تلك الصورة التي حذفها لاحقا لتحل محلها وردة حمراء، هي في النهاية ليست سوى رمز للعشق والشبق في ذات الآن، العشق الذي يقارب الجسد بشفافية ورقة ونعومة.
إن ما يدفعني للكتابة عن مدونة غريب الدار ليس فقط طبيعة قصائده الجريئة والقادرة ببراعة عن استبطان عمق الأنثى بشكل ربما نادرا ما نجده عند كبار الكتاب ولا عند بعض المدونين، وليس لأنه سعودي، أي أنه ابن بيئة محافظة جدا لا تزال فيها المرأة مقموعة عاطفيا وجسديا بشكل كبير وصارخ، رغم أن الكتابة عن الجسد، أو أدب السرير كما يسمى، هو- في الوقت الراهن - ظاهرة سعودية بامتياز وظاهرة أنثوية أيضا، حيث نلاحظ في السنوات الأخيرة محاولة خروج قسري للمرأة السعودية من شرنقة القمع، عن طريق الكتابة والكتابة البوحية والإباحية بشكل ما، تحديدا، نلاحظ هذا في كم الروايات الكثيرة التي تنشر في لبنان وفي بعض الدول الأوروبية لكاتبات سعوديات شابات يفرغن كل المكبوت في لحظة بوح، فيتحدثن عن الكبت والشذوذ وكل العلاقات المحرمة، كنوع من محاولة الانفلات من السيطرة القاهرة لتلك القيم المجتمعية المتدثرة برداء الدين، تلك القيم التي تمنع المرأة السعودية من أشياء كثيرة، وأدب البوح الشبقي هو ظاهرة تدوينية أيضا، فأغلبية المدونات السعودية، النسوية تحديدا هي مدونات للكتابة عن الحب والجسد بجرأة لا نملكها نحن في باقي الدول العربية الذين نزعم أننا على قدر معين من الانفتاح، جرأة تخجل أكثرنا انفتاحا.

كل هذه الاعتبارات يمكن إدراجها في الحسبان لحظة الكتابة عن غريب الدار ومدونته ورود ورصاص، كظاهرة تدوينية، وأقول ظاهرة لأن غريب بحق في بداياته تحديدا شغل الكثيرين بأسلوب كتابة مغاير، وبقدرة فائقة على صياغة أكثر المعاني عمقا بأبسط الكلمات في مقاربته لموضوع العشق بين الرجل المرأة الذي هو بالنسبة لصاحب المدونة عشق روح وجسد، وهي، أي كلماته وقصائده، كما علقت عليها إحدى المدونات: مثيرة وعظيمة وغريبة وصادقة وخطيرة.
ربما تكمن خطورة وغرابة تلك الخواطر في أسلوبها وموضوعها معا، أكثر مما تكمن في جرأتها، فالأسلوب يرتكز على جمل قصيرة نافرة وحادة قادرة أن تغوص بعيدا لتلتقط ابعد معنى ممكن ومحتمل للعبارة لتدرجه في إطار السياق العام للقصيدة التي تتميز دائما بوحدة موضوعية، لا تنفي تجزئتها، بمعنى انه يمكن في أي قصيدة من مجمل القصائد التي ادرجها غريب في مدونته لحد الآن اخذ فقرة واحدة وفصلها عن باقي القصيدة دون أن تفقد معناها، بل تكون قادرة على الاحتفاظ باتساقها كوحدة دلالية ذات موضوع، في نفس الوقت الذي يختل فيها معنى القصيدة الكلي حين نجتزئ مقطعا ونقرأها بدونه، وهذه ميزة قليلا ما نجدها في الكتابات التدوينية، فكتابات غريب قادرة على أن تستخرج المرأة من عمق العمق لتستبطن أنوثتها عارية دون روتوش أو تزييف لحقيقتها، ودون نفي لجسدها الذي كبلته المحظورات، تلك المحظورات التي ترهب المرأة فتبقيها سجينة نفسها مرعوبة من إظهار مشاعرها ورغباتها، لهذا نجد أن أغلبية التعليقات الساخنة على قصائد غريب تأتي من فتيات ونساء من مختلف الأعمار وعلى اختلاف طباعهن، فحتى أكثر المدونات رزانة واتزانا، تفقد شيئا من اتزانها لحظة دخولها مدونة الورود والرصاص وتتعرى قبل أن تعلق، لتبوح بما لا تستطيع قوله في مدونتها بسبب الوضع السالف الذكر الذي يحاسب المرأة على رأي أو كلمة.
إن مدونة الورود والرصاص هي مدونة متخصصة إن صحت التسمية لان غريب الدار لم ينشر عبر مدونته شيئا آخر غير القصائد التي يكتبها، لا مقال ولا خاطرة ولا قصة ولا أي جنس آخر من أجناس الكتابة التي يتنقل بينها غالبية المدونين، إنما ظل غريب مخلصا للشعر ولخطه الافتتاحي في مدونته، أي للموضوع الأثير لديه، وهو الكتابة عن المرأة والحب وفقط، دون أن يكتب عن أشياء أخرى في الساسة أو الدين أو في الأوضاع السياسية و الاجتماعية التي يكتب عنها أغلبية المدونين، رغم أن تعليقاته بالمدونات الأخرى لا تخلو من هذه الأمور التي تشغل الرأي العام والتي ينخرط فيها الجميع سواء عبر إدراجاتهم أو عبر تعليقاتهم.
يمكن اعتبار غريب الدار ومدونته ورود ورصاص واحدا من ابرز المدونين عبر مكتوب، رغم انه لا يتجدد كما علقت إحدى المدونات عليه، فالموضوع واحد بتنويعات مختلفة: لحظة عشق مع امرأة فاتنة. ولكن طريقة تقديم تلك اللحظات وإيصال ذلك الكم الهائل من الأحاسيس والرغبات يختلف ويتجدد ويتمدد مع كل إدراج جديد، وكأن صاحب المدونة تؤرقه تلك القضية جدا لدرجة انه لا يستطيع مفارقتها في نفس الوقت الذي لا يستطيع فيه تقديمها بنفس الطريقة هربا من الابتذال والتكرار، وقد نجح في بوحه وفي تنويعاته الرائقة على نفس الموضوع، نظرا لما يمتلكه من قدرة على التجدد داخل نفس الإطار وكأنه مصور خبير يقدم في كل مرة نفس المشهد من زاوية مختلفة، تفتح أمام المتلقي مجالا أرحب لاتساع الرؤية وانفتاح القلب.

الأحد، أكتوبر 12، 2008

الشفهي والمكتوب


الثقافة الشعبية باعتبارها الأكثر تفاعلا مع الواقع والأكثر تأثرا وتأثيرا فيه تظل رغم ما تمتلكه من هذه الأهمية والتفاعلية مغيبة عن النقاشات النخبوية التي تحصر نفسها في دائرة ضيقة وكما يقول روجيس دوبري فإن المثقفين هم أصحاب مشاريع ومصالح، وهم أشخاص لا يجيدون سوى ممارسة نخبويتهم بشكل مقيت اتجاه الفئات الأخرى التي يجتهدون في إبعادها عن فئتهم النخبوية. الثقافة الشعبية باعتبارها ثقافة منفعة بالدرجة الأولى لا تعترف بهذه النخبوية وهي تمارس فعل مقاومة مضاد بتجاهل الثقافة العالمة / المكتوبة أو النخبوية لهذا نجد الشرخ الذي يمكن ملاحظته بسهولة ويسر بين المكتوب والشفهي وهو شرخ في اتساع برغم توسع الفئة المتعلمة وبالرغم من اكتساح فئات واسعة من الشعب لمجال القراءة وتفاعلها بشكل ما مع ما هو مكتوب ولكن ثقافتها الشعبية الشفهية تظل هي الأكثر تحكما في سلوكها وتصرفاتها، وحتى بعض المثقفين المترفعين من خلال كتاباتهم على العامة من الناس يكونون مثقفين بشكل جاد وأكاديمي وهم يكتبون ولكن بمجرد انتقالهم لمجال الممارسة الاجتماعية نجد أن سلوكياتهم وردات فعلهم اتجاه التحديات اليومية لا تختلف في شيء عن العوام. إن مشكلة مثقفينا أنهم مثقفون لفظيا وليس فكريا بمعنى أن استهلاكهم لكم معتبر من الثقافة المكتوبة لم يحل دون بقائهم في فئة المتلقين فهم عاجزين عن الإضافة العميقة لكم الأفكار التي استهلكوها في مراحل مختلفة من حياتهم التعليمية والتثقيفية ( بالمعنى النخبوي لكلمة ثقافة) إنما يكتفون فقط بترديد ما اكتسبوه من خلال قراءتهم، وشرحه في أحسن الأحوال. وربما هذه نقطة أخرى مهمة من النقاط التي تحدد أزمة المثقف العربي الراهن أي عجزه عن توليد أفكار أصيلة تعبر عن جوهر المجتمع الذي ينتمي إليه، وهم يظلون أسرى لكل ما هو مكتوب وأسرى من جهة ثانية لمراكز صناعة المعرفة سواء كان هذا المركز هو الغرب الذي يتهمونه بالغزو الثقافي، أو التراث العربي الذي أنتج في القرون الأولى للإسلام ثقافة خصبة وحيوية وقابلة للاقتداء صارت تمثل الآن تراثا نعود إليه بغية تمثله أو البناء عليه، ولكن أصابه التكلس فلم يعد الكثير منه صالحا ليعاد تمثله في وقتنا الراهن وخصوصا عندما تكون عملية التمثّل هذه غير مبنية على وعي عميق بتاريخانية الأفكار، والقيم التي تشكل مجمل هذا التراث، إنما مجرد محاولة لإعادة استنساخه بشكل عصري، دون الانتباه لما لحقه من تغيرات عميقة طيلة رحلته الطويلة من لحظة النشأة الموغلة في القدم، إلى لحظة التمثل المحايثة لنا.
وهذا العجز عن توليد أفكار أصيلة تعبر عن جوهر وعمق المجتمع العربي، يمثل نقطة فشل رهيب بالنسبة للمكتوب والثقافة النخبوية التي ترفدها الكتابة وتمنحها قدرة على الاستمرارية والتراكم؛ في مقابل الشفهي وثقافته العامية أو الشعبية، التي تتميز بحيوية اكبر وقدرة مبهرة على التغيّر، والتعبير عن تلك التغيرات العميقة التي تمس المجتمع والفرد عن طريق الملفوظ، وعن طريق نحت وتوليد مصطلحات جديدة، وطرائق تعبير أكثر فاعلية، لأنها في النهاية استجابة لحاجة، أي أنها نفعية بعبارة أخرى

السبت، أكتوبر 04، 2008

بعض السخافات

تشرق الشمس وتغرب والمدينة تسكن سكونها الأبدي، لا تتغير لا تضطرب ولا تنقلب، لا تعلن التمرد ولو يوما على إيمانها الساذج بقدرها الواقف دون مستوى أحلامي وأحلام شباب الطريق والحيطان والمعاكسات المرتبكة، والحلم بيوم جديد وفتاة تكون حبيبة، قادرة على أن تدفع عن أجسادنا البرد الساكن فينا منذ وجددنا هنا؛ برد الأيام المكرورة والأحلام المبتورة وقصف الأقوال المأثورة. برد البحر، والبحر في جيجل ولا أجمل والرياس من هنا انطلقوا وهنا نزل بربروسا ومن هنا انطلق الجواجلة طردوا الأسبان من مدن الشمال في الشرق والوسط والغرب ، وعادوا إلى سلامهم وبلادهم وبردهم، يخيطون من أوهام الماضي السعيد وذكرى الأسلاف العظام، رياس البحر النابتون هنا والموزعة أشلاؤهم وأحلامهم هناك في كل البر والبحر؛ أحلاما تستحيل سلاما وفخرا وذكرا وبردا .... تجلدنا الحيطان هنا وتلهب ظهورنا وتلعننا الطرقات التي قتلناها مشيا وأتعبناها وقوفا في انتظار فتيات يطلعن من خدورهن ومن الثانويات والمدارس...يخرجن يحملن الحلم والدفء، ونظرات مغناجة واعدة باليأس. معاكساتنا مرتبكة تنتهي بإحباط شديد...لم يعلمونا بالبيت كيف نعامل الأنثى وكيف نعشق النساء؛ علمونا الحشمة السخيفة التي ترعدنا رغبة لا حبا، والنسغ الساخن يصعد في أجسامنا وفي عظامنا الموبوءة بالرطوبة وينزل ويطيش، وعيوننا تتبع مؤخرات الفتيات اللواتي يمررن أمامنا في دلال ومنعة والشبق فينا يبكي وصديقي المحزون بجواري يشتكي ويلعن.
ماذا أقول لها ومر عام أطاردها، أزني معها بعيوني وبعينيها الكحيلتين معي تزني وتمضي وأمضي؛ وعام أخر مر أكاتبها وصديقي يساعدني ويأتيني بأشعار نزار حيث تمتد مراهقتنا التي لم نعشها، نسهر وحدنا بعيدا عن كل السهارى والسكارى، نقرأ ونعيد ونغتبط ونصيح من فرط تأثرنا ..الله..الله. أنا وصديقي الذي قرر بعدما احتله اليأس أن يحب الحب لذاته كما قيس بن الملوح. لننهي قبل الفجر رسالة أرسلها لها غدا مع جارها الصغير واللئيم لا يذهب قبل أن تمتلئ جيوبه بقطع الحلوى والنقود.
ماذا سأقول لها ورسائلها تأتيني دوما دون مستوى أحلامي وطموحاتي وأساسا، يجب الاعتراف أيضا دون مستوى رغباتي...تصدمني دائما قبل أية كلمة تفرحني حتى لو كانت منقولة من كتب سخيفة: أخي العزيز ..وتمضي وأمضي أقرأ أفتش عن كلمات تشعرني أنني رجل وأنها أنثى . تسكنني الخيبة بعد أن أنتهي من قراءة رسالتها وأتمنى لو لم ترسلها، أحاول كتابة أخرى وصديقي الذي شعر بخيبتي يواسيني ويعزيني في الحلم الذي لن يتحقق ويعزي نفسه فيّ؛ أخبرها أني لست أخاها وأني لست أحلم بسواها وبأني وأني... لست وحدي من يهواها لكني أكثرهم عشقا وولها وحنينا لها، هي تعرف ذلك وتعرف أني سأصبر على تمنعها وتجاهلها وإنكارها أياي أمامي، وعلى ادعائها أمام صحبها بأنني عاشقها المفتون والمجنون، سأصبر على نظرات أخيها المنبئة بكارثة وقد بت أشعر أنه يرتاب بأمري ويحرسها ويحرسني وعلى الرسائل المخيبة لآمالي، على كل هذا سأصبر. فنحن لم نتعلم في هذه المدينة غير الصبر وغير البرد وكبت الحلم وادعاء الجلد ونسيبان الألم.
لا تبكي فالبكاء للأطفال. لماذا يا صديقي لم يعلمونا ثقافة البكاء ومحاورة الأحزان؟ لماذا لم يتركونا نهاجم مواقع الهم ونزيل أثاره ورسمه من قلوبنا حين يفيض نهر العين العظيم مرة في العام أو مرتين. السماء وحدها تبكي في هذه المدينة والأطفال والنساء؛ أما نح
ن فلا، نحن رجال. وهل يبكي الرجال؟
شهورا ودهورا لا فرق والألم يسكننا. ونحن نختلس المتع الصغيرة في بؤس اللصوص الطيبين، نختلسها بعيدا عن عيون الكبار؛ هؤلاء الكبار حراس الحقيقة والحكمة في مدينتنا.
متى جاء هؤلاء الناس الكبار إلى مدينتنا الهادئة في صخب، المؤمنة المطمئنة. هم الذين يمارسون في الليل الدعارة،وفي الصباح يعلموننا الإيمان والتقوى، ويجلدوننا بخطب الوعض والإرشاد التي لم تعد تقنع السذج والأغبياء منا، نحن الذين ولدنا هكذا في زمن الحزن العريض، وفي بلد الحزن العريض والممتد كبحر لا ينتهي، كيف جاؤوا هكذا كبارا وظلوا كبارا وبقينا نحن رغم العشرين عاما صغارا، يجلدوننا كل صباح وكل مساء بكلام مأثور ونسمع ونتمرد صامتين، ونقول سمعا وطاعة يا والدي وسيدي أنت أدرى وأنت أعلم بنا وبكم وبمن سيأتي بعدنا بألف عام. فمدينتنا لم تتغير منذ ألف عالم، جميلة وفاتنة في سكونها الليلي، وجليدية المشاعر ومصفحة ضد الحب؛ المقاهي للكبار وللسياسة والحمامات للنساء ولاختيار عروس الابن البضة ، مازالت العجوز في مدينتنا تجس مؤخرة الفتاة وصدرها قبل أن تخطبها لابنها. ونحن أبناء الحيطان المتهرئة لنا الشوارع والطرقات المشتكية منا، ولنا المعاكسات البائسة.
وأنا وصديقي نكتب الرسالة الأخيرة ونزار الذي أحببناه خاننا وانظم إلى الكبار راح إلى السياسة تاركا المراهقة والحب في تيه لا ينتهي؛ وصديقي يقسم أن ليس هناك حب في الأرض؛ وأنا غدا سألقاها، مزقت كل الرسائل وعرفت أخيرا ماذا سأقول لها؛ سألقاها غدا كما المئات سيلقونها وأعرف الآن ماذا سأقول لها فغدا يوم عرسها.

الخميس، سبتمبر 25، 2008

إمكانية الحوار السلفي العلماني؟؟

في محاضرته بالمكتبة الوطنية الجزائرية بداية هذا الأسبوع، دعا المفكر المصري حسن حنفي لضرورة إيجاد طريق ثالث، يكون قادرا على إيجاد نقاط التقاء بين السلفيين والعلمانيين العرب، دعوة حسن حنفي المسيجة بالكثير من حسن النية، لم تكن قادرة بحسب الردود الأولية عليها من توفير جو من الاستعداد المتبادل لقبولها، رغم ما حملته من رؤية علمية ومعرفية عميقة، نظرا لما يتسم به الدكتور حنفي من قدرة على مقاربة موضوع شائك كهذا، موضوع العلاقة المتشنجة بين العلمانيين والسلفيين، الذين يمتد بينهما تاريخ طويل من اللاتفاهم والريبة والشك المتبادل.
فهل حان الوقت لتجاوز هذ
ا التاريخ المرير الذي سالت فيه دماء، وحبرت حوله ألاف الأوراق، ورهن مستقبل الأمة بين تيارين لا مجال لالتقائهما، نظرا للمرجعيات المتضاربة التي ينهل كل واحد منها، حسن حنفي أكد في محاضرته انه لا فرق جوهري بين التيارين، فحين يقول السلفي مثلا: الحلال والحرام، يقول العلماني: النافع والضار. وكلا الامرين يؤديان معاني متقاربة في الدلالة، غير ان الاول يحيل على المقدس في حين يحيل الثاني على الواقعي والدنيوي.
هنا يرى حسن حنفي صاحب كتاب " اليسار الإسلامي والوحدة الوطنية " أن تلك الخلافات ليست جوهرية ولا عميقة بالشكل الذي يتصوره البعض، إنما هي من الاختلاف الذي جعله الله رحمة بين المسلمين، أي من ذلك النوع من الاختلاف الذي يمكن إذا نحن قدرنا على إدارته بالشكل الذي يخدم قضايانا المصيرية أن يكون نافعا وذا جدوى في حركة النهوض الحضاري، على عكس ما هو عليه الآن، حيث يمثل هذا الاختلاف الجذري في الرؤى عقبة أمام إيجاد توافق ولو نسبي بين النخب الوطنية، على الاختيارات والأولويات الأساسية للأمة.حيث يقول حنفي في مقال له حول نفس الموضوع بموقع قناة العربية:
" إن الخصومة الدائرة الآن بين السلفيين والعلمانيين إنما تساهم في تفتيت الأوطان من الداخل، وهي في أشد الحاجة إلى التمسك بالوحدة ضد مخاطر التفتيت من الخارج، والوقوف أمام المخطط الأميركي الصهيوني لتفتيت الأوطان... والصراع بين السلفيين والعلمانيين في حقيقته ليس صراعاً فكرياً. فهناك سلفية علمانية وهناك علمانية سلفية. هو صراع على السلطة، ونيل الحظوة لدى الحاكم، والتسرب إلى أجهزة الدولة ومَواطن السلطة فيها اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية بل وقضائية ".
إذن، هل هو صراع مفتعل يتخذ من الفكري ساحة له، في حين أن حقيقته هي صراع حول مغانم معينة يسعى إليها كل طرف، أم أن طرح الدكتور حنفي جانب الصواب، وركز على نقاط التقارب التي ذكر الكثير منها في محاضرته سالفة الذكر، وتجاهل نقاط الاختلاف الجوهرية التي تجعل كل طرف من طرفي الخصومة يرى نفسه ضحية لاستبداد الآخر.
إن التاريخ العربي الحديث يعطينا أمثلة كثيرة لتسلط كل تيار على الآخر حين تتاح له الفرصة لفعل ذلك، اليساريون العلمانيون في بداية الستينات وحتى سبعينيات القرن الماضي حين كانت الدولة اشتراكية تميل إلى العلمانية الغير معلنة، وحين كانت لهم يد ممدودة من والى السلطة السياسية، ضيقوا على الإسلاميين واضطهدوهم في مصر والجزائر وسوريا وتونس والمغرب، وغيرهم من الأقطار العربية، ولكن حين دارت الدائرة وأبان التيار الإسلامي السلفي عن قوته بداية من الثمانينيات واستطاع احتلال الشارع ومنابر صناعة الرأي العام الإعلامية، فعل الشيء نفسه ضد خصومه، ربما تطرف السلفيون، أو جماعة متطرفة منهم إلى درجة ممارسة العنف والتصفية الجسدية ضد العلمانيين بتهم جاهزة تحيل على الكفر والزندقة والإلحاد، ولكن كما يقول حسن حنفي هناك علمانية سلفية كما أن هناك سلفية قريبة من العلمانية في إيمانها بالعلم والعقل.

إذن، مالذي يمنعنا نحن العرب أن نسلك الطريق الثالثة التي دعا إليها الدكتور حسن حنفي، وهي طريق الحوار والتقارب، بدل انغلاق كل طرف على يقينياته، وغلقه أبواب حصونه أمام الآخر وكأن لا خطر آخر يتهدده غير الخصم السلفي أو العلماني.
الردود الأولى على محاضرة الدكتور حسن حنفي بالمكتبة الوطنية الجزائرية أتت سريعا من طرف العلمانيين في الجزائر في حين لزم الطرف الآخر الصمت كعادته وكأن الأمر لا يعنيه؛ حيث كتبت آسيا موساي بملحق الثقافي لجريدة الجزائر نيوز: الأثر: إن على العلمانيين أن يكتشفوا الإسلام بأنفسهم بغية تجاوز القراءات التي قدمها السلفيون للإسلام وهي قراءات بعيدة كل البعد عن الواقع كما تقول موساي، نفس الرأي أبداه الروائي ورئيس تحرير ملحق الأثر بشير مفتي، وهو واحد من العلمانيين الشباب والحداثيين الدين يملكون تأثيرا وسحرا على جيل المثقفين الشباب في الجزائر سواء من خلال نتاجاته الروائية أو من خلال رابطة كتاب الاختلاف التي يشرف عليها رفقة آسيا موساي، بشير مفتي خلص إلى نتيجة واحدة من محاضرة الدكتور حنفي، وهي انه لم يجد نفسه في كل ما قاله الدكتور حنفي.
والنتيجة التي يمكن أن نخلص إليها من دعوة الدكتور حنفي لطريق ثالثة تجمع العلمانيين والسلفيين، وردود الفعل التي أثارتها على المستوى الفكري هي انه لا احد من الطرفين يريد التنازل للآخر ولا حتى تقبله بالصيغة التي هو عليها.

الأحد، سبتمبر 14، 2008

أزمة المثقف العربي ( 4 )

علاقة المثقف بالسياسي
كيف يمكن مقاربة علاقة شائكة وتراجيدية كتلك التي تحكم المثقف العربي بالسياسي، وتحدد العلاقة بين المجالين السياسي والثقافي، فالتاريخ العربي على امتداده يعطينا أمثلة كثيرة لمدى اتصالية وانفصالية هذه العلاقة من جهة، وتبعة المثقف للسياسي من جهة ثانية، فلم يحدث إلا في حالات نادرة جدا، أن كان المثقف شريكا للسياسي في توجيه السياسة العامة ورسم الخطوط العريضة للاختيارات السياسية والأيدلوجية العامة للدولة.
لهذا يبدوا تناول هذه العلاقة شائكا ومعقدا، لأنها علاقة غير سوية ولا صحية، فقد كان اهتمام المثقف العربي، ومازال، منصبا على ربط علاقة وثيقة مع المجتمع بغية التأثير فيه وتطعيمه بالأفكار والقيم التي ينتجها هذا المثقف أو التي يدافع عنها، وبما أن تجدر المثقف العربي في واقعه الاجتماعي ضعيف بسبب ما يسميه عبد الله العروي " بالتكوين النظري للمثقفين العرب"، فقد كانت السياسة بابا ولجها المثقف من اجل الوصول للمجتمع، وهنا وقع الاصطدام مع السياسي الذي يرغب، بسبب وظيفته في المجتمع وتمثيله للدولة وبسبب طموحاته في الهيمنة المطلقة، يرغب في احتكار منافذ التأثير على المجتمع، وقولبة هذا الأخير بالصورة التي يراها مناسبة والتي تضمن له مزيدا من الهيمنة والاستمرارية.

وبما أن حضور المجتمع والسياسة في فكر وممارسة المثقف العربي كان مهيمنا، وبالتالي كان هاجس السياسة كمجال محايث الحضور للمجال الثقافي مسيطرا على فكر وممارسة وطموح المثقف العربي، فالعلاقة بين المثقف والسلطة هي علاقة تلازم في الحضور وتنافر في الأدوار " فالمثقف والسلطة كالهواء والنار يلازم كل منهما الآخر زمن الحريق وإطفائه. إنهما يتلازمان في الضرورة والوجود. وهو المصير الذي يحكم مواجهتهما الدائمة بوصف الأسلوب الطبيعي لوجود كل منهما. فانسياق المثقف تحت عباءة السلطة أيا كان نوعها يؤدي في نهاية المطاف إلى ابتذال كل ما يقوم به. مع ما يترتب على ذلك بالضرورة من فقدان روحه الحقيقي. حينذاك يكف المثقف عن أن يكون روحا. بينما لا يمكن حد حقيقة المثقف بدونه"، كما أن المثقف في احدى تعريفاته كما يوردها إدوارد شيلز، هو: "
[1] الشخص المتعلم الذي يمتلك طموحاً سياسياً للوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي أو من خلال دوره المحوري الحاسم في توجيه المجتمع عن طريق التأثير على القرارات السياسية الهامة التي تؤثر على المجتمع ككل"([2]) ووفق هذه النظرة كانت شريحة من المثقفين ترى ضرورة اقتحام المجال السياسية بغية الوصول للمجتمع، فوفق هذه النظرة فإن " أفضل طريق لولوج المجتمع والتأثير عليه هو الدخول له من باب السياسة التي تعتبر أكثر الوسائل قدرة على إحداث التغييرات بما تملكه من سلطة ، فالسياسة تحول الفكرة إلى سياسة تطبق على أرض الواقع من خلال وضع الاستراتيجيات واتخاذ القرارات السياسية ، وباعتبار أن السياسة اهتماماً بالشأن العام الذي يصب فعلها في النهاية في المجتمع "([3])، وهذا الاقتحام الثقافي للمجال السياسي كان على امتداد التجربة السياسية العربية بداية من قيام الدولة الأموية ووصولا إلى الوقت الحاضر، يأخذ شكلين بارزين:
- المشاركة المباشرة عن طريق احتلال مناصب سياسية سواء بالانتخاب، أو بالتحالف مع السياسي رغم خطورة هذا التحالف الذي كانت نتيجته في الغالب هي تدجين المثقف من طرف السياسي وتحويله لمبرر ومدافع عن اختياراته وأيدلوجيته، بدل أن ينجح المثقف في التأثير على السياسي من خلال لعب دور ما يسميه علي الكنز بـ "مستشار الأمير"، وبالتالي فقدان المثقف لمشروعيته الاجتماعية بسبب تحالفه مع السياسي من جهة، وفشله من جهة ثانية في تحويل أفكاره إلى سياسة متبعة، بسبب الريبة الفطرية التي ينظر بها رجل السياسة للمثقف واعتباره له " مشروع انقلابي" ومشروع معارض، بمجرد وقوع خلاف في الرؤى بين المثقف والسياسي.
- المشاركة غير مباشرة عن طريق المعارضة، سواء بالانضواء تحت لواء أحزاب وتيارات سياسية معارضة حاملة لمشروع سياسي تسعى لتطبيقه فور وصولها للسلطة، أو عن طريق "المعارضة الفكرية الحرة " التي تجعل من المثقف مجرد إنسان يحسن التنديد بانحرافات السياسة، دون القدرة على التجدر الاجتماعي، وطرح البديل الممكن التطبيق بسبب انعدام الإطار التنظيمي الذي يدعم ويسوق أفكار المثقف، وفي كلتا الحالتين يتجلى الفشل الدريع الذي مني به هذا الاختبار غير المباشر لولوج السياسة الذي اختاره المثقف، ففي الحالة الأولى يقع المثقف المدافع عن حريته ورؤيته النقدية ضد تسلط الدولة، يقع تحت تسلط آخر باسم الحزب، وباسم الأولويات والتكتيكات السياسية المتبعة من طرف الحزب مما يوقع المثقف في مفترق الطرق: إما أن ينصاع لاستراتجيات الحزب ويعمل وفق أولويات الواقع من جهة، ووفق الإطار الإيديولوجي للحزب من جهة ثانية، وبالتالي يقع تحت هيمنة الحزب بعد أن فر من هيمنة الدولة؛ وإما أن يظل مخلصا لأفكاره التي تكون أحيانا معارضة لاختيارات الحزب، فيقع الطلاق بين الطرفين، سواء بانقلاب الحزب على المثقف أو العكس، وتجربة المثقفين العرب اليساريين مع الأحزاب التقدمية والشيوعية طوال الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينات خير مثال يمكن تقديمه على هذه العلاقة المتشنجة التي وقع فيها المثقف ضحية انتماءه السياسي المعلن، وضحية التوظيف السياسي من طرف الحزب لهذا الانتماء لخدمة الحزب وحده، دون الأخذ بعين الاعتبار الدور الاجتماعي للمثقف بعيدا عن الممارسة السياسية التي ما هي سوى محدد ضمن جملة محددات لصفة المثقف.
وهذه الحالة جعلت من علاقة المثقف بالسياسي أو بالدولة بعبارة أخرى علاقة متشنجة وغير سوية في العالم العربي؛ لقد حدد حليم بركات هذه العلاقة في أربعة نماذج، وقام بإعطاء أمثلة عن الكتاب والأدباء الذين يمكن أن يشكلوا عينة تمثلية عن طبيعة العلاقة الموجودة، وهذه النماذج كما حددها حليم بركات هي(
[4]):
- علاقة اللامبالاة : ونعثر عليها لدى أدباء اهتموا بالقصص الوجدانية والقضايا الفلسفية المجردة من أمثال ميخائيل نعيمة، ورئيف خوري .
- علاقة الاضطهاد : هذا شأن معظم الدول العربية، حيث القمع السلطوي الذي يسلط على المثقفين الرافضين والمعارضين للسلطة والناقدين لاختياراتها، فالسجن والنفي والتضييق على الحرية الشخصية هي القواسم المشتركة بين غالبية المثقفين العرب

- علاقة الوصاية : أيضاً معظم الدول العربية، حيث نجد أولئك المثقفين المدجنين والذين تحولوا لمجرد أبواق للمدح، يمكن أن نذكر هنا مثال أمير الشعراء احمد شوقي كشاعر بلاط، خاضع لوصاية وحماية القصر من جهة؟، ولا مبالي بالقضايا الجوهرية التي تعارض نظرة أوصيائه من جهة ثانية
- علاقة المشاركة: غير متوفّرة في أي بلد عربي، بما فيه لبنان بلد الحرية السياسة والفكرية ( مقارنة بباقي الدول العربية )، وحتى حين يكون هناك نوع من المشاركة، فإنها مشاركة لا متكافئة، تجعل المثقف يناضل من جهة للحفاظ على الحد الأدنى من حسه النقدي، ويقدم تنازلات لأجل الإبقاء على حبل الود موصولا مع السياسي.
هذه النماذج التي قدمها حليم بركات لطبيعة العلاقة بين السياسي والمثقف في العالم العربي، هي كلها تقريبا علاقات غير سوية، وذلك يعود لسبب طبيعة الأنظمة العربية التسلطية الراغبة والعالمة على السيطرة التامة على كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهذه النماذج المقدمة هي نماذج غير جازمة، ولا مانعة لتقسيمات أخرى لطبيعة العلاقة بين السياسي والمثقف، هذا المثقف العربي الذي يقف حائرا بين متطلبات المجتمع، وما تنتظره منه الأمة والجماعة، وبين اكراهات السياسي وأنظمته التسلطية.
المثقف بين متطلبات المجتمع وإكراهات الدولة:
هناك ترابط بين الدولة والأمة والمرجعيات الثقافية المشكلة لوعي المجتمع الذي يتكون منه أفراد الأمة " فالدولة لرجل السياسة، والأمة لمرجعياتها الروحية والثقافية، والثقافة لمبدعيها"(
[5])، ولكن حين تسعى الدولة عن طريق أجهزتها السياسية والإيديولوجية لتأميم المجتمع ودولنته وقولبته وفق اختياراتها السياسية والإيديولوجية يقع الصدام مع المجتمع ومع مرجعياتها الثقافية التي يغذيها المثقف بإبداعه، وتعبيره عن جوهرها وتمثله لوعي أفرادها وتطلعاتهم، ويكون الصدام أكثر بروزا مع المثقف كناطق باسم المجتمع؛ ومن خلال هذا الصراع الذي تكون نتيجته في الغالب لصالح الدولة ورجل السياسة نظرا لما تمتلكه الدولة من قوة قمع ومن وسائل دعائية جبارة وقادرة على تغطية وإلغاء عمل المثقف أو تجريمه حين يتعارض تعارضا حادا معها.
نتيجة لهذا الصراع يقع المثقف أسيرا بين الإخلاص لروحه وجوهره ووظيفته الاجتماعية، أي انحيازه لإفراد أمته الذين استأمنوه ( ضمنيا ) على قيمهم الثقافية التي تغذي روح الأمة، وبين اكراهات السياسي الذي يعمل (وهذا نموذجه في العالم العربي ) على إلغاء المجتمع لصالح الدولة.
كما سبقت الإشارة فإن المثقف العربي وخصوصا في الوقت الحاضر غير متجدر اجتماعيا وبالتالي قليل التأثير في المجتمع إذا لم تتح له الأدوات اللازمة لهذا التأثير، هذه الأدوات التي يمتلكها رجل السياسة، أو بعبارة أدق الدولة من خلال وسائلها الإيديولوجية وامتلاكها لقوة القمع الشرعي، وانحسار قدرة التأثير في المحيط الاجتماعي تعود كما يشرح ذلك عبد الله العروي إلى التكوين النظري للمثقف والذي يجعله "يميل إلى اعتناق أي مذهب يظهر في السوق. هذا ما عبرت عنه بالانتقائية التي لا تمثل ظاهرة انفتاح وتوازن بقدر ما تشير إلى استقلال المثقف عن مجتمعه وعدم تأثيره فيه"(
[6])، ومن هنا تبقى حاجة المثقف إلى دعم سياسي ضرورة قصوى إذا أراد لمشاريعه الفكرية والإصلاحية أن تتحول إلى واقع ملموس.
كان الإمام محمد عبده من أوائل رواد عصر النهضة الذين أدركوا ضرورة التحالف مع السياسي لتنفيذ مشاريع فكرية وإصلاحية، فما كان له أن يحول أفكاره في إصلاح مناهج التعليم بالأزهر لواقع ملموس لولا قدرته على التأثير في السلطة السياسية وجرها إلى تبني أطروحاته الإصلاحية، لقد كان مث
ال محمد عبده مثالا نادرا في التقاء المصالح والرغبات بين المثقف والسياسي، أما القاعدة العامة التي تحكم العلاقة بين الطرفين، فهي التنافر والريبة المتبادلة ومحاولة كل طرف احتواء الآخر، وحتى حين يتمكن المثقف من التواجد في المجال السياسي فإنه غالبا ما يتم تدجينه من طرف رجل السياسة، وتكون مشاركته للسياسي في إدارة الشأن العام سلبية ومسيئة لذاته كمثقف يفترض فيه الانحياز دوما لجوهر الأمة ومصالح أفراد أمته الآنية والمستقبلية، بعض المثقفين من ذوي النوايا الحسنة والغير واعين بتلك الاستراتجيات والألاعيب التي تستثمرها السلطة من اجل البقاء وتوسيع دائرة نفوذها، كانوا يظنون " أنهم من خلال الوظيفة السياسية سيتمكنون من تقديم أشياء نافعة لأمتهم. وربما تمكنوا من تحقيق بعض الإنجازات، ولكنهم بالتأكيد فقدا نقاءهم وصفاءهم، واضطروا للتحول إلى أفراد براجماتيين، يبررون عجز السلطة، ويدافعون عن أخطائها"([7])، وهنا يفقد المثقف مصداقيته ومشروعية تمثله لمصالح المجتمع إزاء اكراهات الدولة والسياسة.
فأن يكون المثقف مخلصا لذاته أي مثقفا نقديا ورجل دولة في نفس الوقت، فهذه هي المعادلة المستحيلة في العالم العربي التي لم تتحقق إلا في حالات نادرة، استطاع فيها المثقف من خلال نضاله أن يفرض نفسه كرجل دولة ويحتفظ في نفس الوقت بحسه النقدي اتجاه الدولة والمجتمع، هذه الحالة النادرة الحدوث التي يمكن أن نستشفها من خلال تجربة مصطفى الأشراف، هذا المثقف الجزائري الذي ساهم في صياغة " الإطار الإيديولوجي " للدولة الجزائرية كرجل دولة، وفي نفس الوقت ظل من القلائل الذين ينصتون بحساسية مفرطة لنبض المجتمع، إن تجربة الأشراف " تتلخص في أن يكون المرء موظفا ورجل دولة، وان يحاول في نفس الوقت التفكير في المجتمع وإدخال قيم جديدة كمثقف نقدي"(
[8]).
هذه العلاقة السوية بين المثقف والسلطة السياسية التي مثلتها تجربة الراحل مصطفى الأشرف، ظلت للأسف تمثل استثناء في الحياة السياسية والفكرية على امتداد العالم العربي، هي بكل تأكيد ليست الاستثناء الوحيد، لكنها لم تتحول لقاعدة يمكن أن تجسر الفجوة بين المثقفين وصناع القرار في العالم العربي، وتخلق ذلك التكامل المفقود بين القوة والعقل.
إن غياب هذه العلاقة التكاملية بين المثقف والسياسي في العالم العربي، هي نتيجة يمكن اعتبارها " طبيعية " لطبيعة النظام السياسي العربي، وطبيعة الدولة التي تمثل نموذجا فريدا للدولة التسلطية والشمولية، والتي بالرغم من مظهرها الديمقراطي الذي استعارته من الغرب فإنها في جوهرها ومن خلال آليات ممارستها للسلطة ظلت محافظة على النموذج التقليدي للسلطة كما عرفته التجربة التاريخية للعالم الإسلامي، أي السلطة المطلقة التي تجتمع في يد الرئيس / الأمير / السلطان / الملك، والتي يعتقد انه يستمدها من تفويض إلهي باعتباره خليفة الله على الأرض وأميرا للمؤمنين.
التجربة السياسية في الدول العربية حديثة العهد بالاستقلال مثلت نموذجا فريدا في تعامل الدولة مع المجتمع، حيث سعت الدولة عن طريق جهازها السياسي إلى دولنة المجتمع المدني وقولبته وفق اختياراتها الإيديولوجية، ومع هذا الإصرار الذي أبدته الدولة في استقطاب المجتمع لصالح مشروعها السياسي غلبت الممارسة السياسية على أي نوع من أنواع الممارسة الأخرى، ويمكن القول أن الدولة في صيغتها الاشتراكية ( وهي الصيغة التي هيمنت على اختيارات السياسيين عقب الاستقلال في جل الدول العربية) قد دخلت في صراع ضد المجتمع بغية احتواءه واستقطاب مؤسساته الأهلية وتحويلها لخدمة الدولة، بدل أن تكون الدولة في خدمة المجتمع، حيث أنه عقب الاستقلال الذي كان مفاجئا للكثيرين ( المغرب، تونس، سوريا، لبنان ...) وكان محضرا له في دول أخرى ( الجزائر ، مصر )
طغى العمل السياسي على غيره، وانشغل الجميع تقريبا ببناء جهاز
" دولة الاستقلال " على حساب وبواسطة مؤسسات المجتمع، ووقع الخلط والتداخل ( الذي خدم الدولة ) بين وظيفة السياسي ووظيفة المثقف، في حين أن لكل واحد وظيفة معينة يستوجب عليه القيام بها، " فرجل السلطة مقيد برؤية المصالح الآنية والنظر إلى آفاقها. بينما المرجعيات الروحية والثقافية هي الآلية التي تحكم بوعي وبدون وعي المسار العام والخاص لوعي الذات التاريخي للأمة "(
[9])، وتخلي المثقف عن دوره ووظيفته الاجتماعية تحت ضغط اكراهات ومطالب الدولة وانخراطه في الممارسة السياسية بشكلها الأكثر سطحية جعله يشتغل على الآني والمرحلي ويفقد عمقه ونظرته النقدية وقدرته على التعبير عن الوعي التاريخي للأمة بعيدا عن الوعي المرحلي المتسم بالتغير السريع.
في ظل هذه الظروف التي أوجدتها المرحلة الجديدة، مرحلة قيام الدولة الوطنية انقسم المثقفون في غالبيتهم إلى أربع فئات:
- مثقفون تكنوقراط مندمجون في تسيير دواليب الإدارة، وبالتالي تحولوا إلى فئة تستعمل الثقافة كتقنية وكسلعة قابلة للتبادل، وهي فئة مهادنة للسلطة السياسية، لأنها استفادت من ريعها وامتيازات القرب منها.
- فئة مبتعدة عن العمل العام وعن الشأن السياسي والثقافي معا، نحو المقاولات والاستثمارات الخاصة، بسبب منشأها البورجوازي وما تمتلكه من ثروة.
- فئة راديكالية مستمرة في انحيازها للمجتمع، ومعارضة بشكل حاد للسلطة السياسية.
- فئة مؤدلجة ومدجنة من طرف السلطة، تمثلت في المعلمين وبعض الصحافيين الذين مثلوا جهاز دعاية لإيديولوجية الدولة الوطنية.
ومن هنا فإن الدور الأساسي الذي لعبه المثقف العربي – وهو دوره الطبيعي في الأنظمة الحديثة – هو دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، ليس باعتباره مجرد صانع معرفة، إنما باعتبار فئة المثقفين وفق هذا المنظور تمثل نخبة اجتماعية، فنحن عندما نتحدث عن المثقفين هنا بتعبير برهان غليون: " فنحن لا نقصد الأفراد من حيث هم مبدعون ومنتجون لمختلف القيم الفكرية والفنية والأدبية. كما إننا لا نقصد المثقفين من حيث هم فئة مهنية أو أصحاب حرفة متميزة عن مثيلاتها من الفئات الاجتماعية في أسلوب عملها ورزقها. إن المقصود بالمثقفين في السياق الذي نتحدث عنه هو جزء من النخبة الاجتماعية التي تهتم، في ما وراء حرفتها وبالاعتماد عليها معاً، بقضايا المصير العام "(
[10])، هذا الاهتمام بقضايا المصير العام، أوقع المثقف كفرد مندرج ضمن نخبة اجتماعية في حالة تقاطع من السلطة السياسية، وبالتالي في حالة صراع معها من اجل النفاذ للمجتمع والتأثير فيه، وهذا الصراع سببه نظرة الدولة الوطنية التي ترى من واجبها أن تكون صاحبة السلطة الوحيدة والمطلقة على المجتمع بكل فئاته، بما فيها فئة المثقفين، وهذه النظرة تتعارض تعارضا جوهريا مع خاصية لصيقة بجوهر المثقف وهي الحرية، الحرية التي تجعله يقف على مسافة آمنة بعيدا عن كل الاكراهات والضغوطات الإيديولوجية الممارسة من طرف السلطة سواء كانت سلطة سياسية أو اقتصادية أو سلطة رمزية ممثلة أساسا في الفقهاء الذين ظلوا يمارسون دور " حراس المعبد " والمدافعين عن القيم الدينية للمجتمع بالشكل الذي يرونه صحيحا، وهذا ما جعلهم في حالات كثيرة يمثلون سلطة قمعية ضد المثقف، خصوصا حين يقع التحالف بين السياسي والديني في الدولة، وهو واقع حال أغلبية الدول العربية التي توظف الديني من اجل خدمة إستراتيجيتها السياسية المعلنة أو المضمرة، ومن اجل ترهيب المعارضين السياسيين برميهم بتهمة المروق عن الدين والتعدي على قيم المجتمع الروحية، وهي تهم جاهزة يتفنن الفقيه في إشهارها في وجه خصوم السلطة.
وانطلاقا مما سبق، فإن دور المثقف العربي كوسيط بين المجتمع والدولة، وبالنظر للتجربة التاريخية القصيرة للدولة الوطنية في العالم العربي، هو دور لم يكتب له التحقق بشكله الطبيعي، بسبب طبيعة الدولة الوطنية من جهة، وبسبب طبيعة نشأة المثقف العربي من جهة ثانية، فالدولة الوطنية في التجربة السياسية العربية هي دولة حديثة وغير متجدرة لا سياسيا ولا اجتماعيا، فعقب فبداية من عصر النهضة ووصولا لفجر الاستقلال الذي انبلج في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية كان أمام " صناع هذه الدولة " اختياران أو " أنموذجان للدولة مرشّحان للاقتباس منهما, والاستفادة من التجربة الحضارية فيهما: أنموذج الدولة الإسلامية, كما رسمت معالمها التوجيهات الدينية، وكما تحقّقت في التجربة التاريخية، وأنموذج الدولة الغربية الحديثة, كما هي قائمة بالفعل في البلاد الأوروبية, على وجه الخصوص "(
[11])، وهي بصيغتها الحالية تمثل توليفا بين مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي التقليدي، ومفهوم الدولة في الفكر الأوروبي المستمد من فكر وفلسفة الأنوار الأوروبية؛ إنها وليدة الحداثة التي لم توطن بعد في العالم العربي ووليدة التنوير الأوروبي الذي لم يحط رحاله بعد في التجربة الحضارية العربية، فالتنوير كما يعرفه كانط هو : : "خروج الإنسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها. والقصور هو حالة العجز عن استخدام الفكر (عند الإنسان) خارج قيادة الآخرين. والإنسان (القاصر) مسؤول عن قصوره لأن العلة ليست في غياب الفكر، وإنما في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته، دون قيادة الآخرين. لتكن تلك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك: ذلك هو شعار عصر التنوير"([12])؛ في نفس الوقت الذي تظل فيه وفية لنموذجها التاريخي في الواقع العربي الإسلامي كممثلة لإرادة الله فوق الأرض وإطار سياسي/ ديني حاضن لجموع المؤمنين، وهذا ما جعل منها دولة هجينة، لا هي دولة حديثة بالمفهوم الأوروبي الذي استعارت شكله الخارجي فقط، ولا هي دولة تعتمد على مشروعية دينية كما هو نموذجها التاريخي الممتد في التاريخ العربي الإسلامي.
أما بالنسبة لولادة المثقف العربي الحديث كمفهوم وكفاعل اجتماعي، فهو ظل أسير طبيعته الأولى في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، باعتباره سليل الفقيه، رغم انه عمل ومنذ التقاءه بالحداثة الأوروبية على القطع مع تلك الصفة بشكل حاد، فحاليا " ليس من الممكن القول إن المثقف الحديث الذي ولد في المجتمعات العربية المعاصرة هو السليل الطبيعي للكاتب أو للفقيه التقليدي، ولكنه بالعكس من ذلك تماماً النقيض المباشر له "(
[13]).
ومن هنا فإن المثقف العربي الحديث لم يعد سليل الكاتب أو الفقيه، في نفس الوقت الذي ظل فيه هذا المثقف ونتيجة لطبيعته الأولى التي انقلب عليها يسعى لاكتساب سلطة روحي
ة هي خاصية ملازمة للفقيه في الوعي الجمعي لإفراد المجتمع، هذه السلطة التي يسعى إليها المثقف كنوع من الامتياز الذي يضيف لقوته في مواجهة السياسي، هذه السلطة التي تمنحه لها صفته ككاتب في مجتمع أمي ترتبط الكتابة عنده بالمقدس( كتابة الوحي، وتدوين الحديث )، وبامتلاكه للمعرفة العلمية التي ترتبط هي الأخرى عند الفئات التقليدية والأفراد الذين لم يؤتوا العلم درجات، بالعلم الشرعي، ومن هنا فإن الاشتباك بين مفهومي الفقيه والمثقف لا يزال قائما في ذهن العامة من الناس، والمثقف العربي رغم تنديده ( في إطار نخبوي ) بهذه العلاقة الملتبسة بين المفهومين، فأنه يوظفها لصالحه، في علاقته بالمجتمع والسلطة معا، دون أن ينجح في إقناع السلطة بسلطته الرمزية على المجتمع، هذه السلطة الرمزية والروحية بالتحديد، هي خاصية لصيقة بالفقيه أي بالأب غير الشرعي للمثقف.
وانطلاقا من هذه الحالة تنتفي الحاجة لدى السلطة السياسية الممثلة للدولة، لوجود ذلك التواطىء مع النخب المجتمعية في تسير الشأن العام، والذي بواسطته تضمن السلطة استمراريتها ومشروعيتها في نفس الوقت " فالسلطة في معظم دول العالم متواطئة طبقيا ومؤسسيا مع النخب العاملة في إدارة السياستين الداخلية والخارجية، وفي الدول الشرقية عامة والعربية بشكل خاص يختفي التواطؤ بين الدولة والنخب المنتجة، حيث تملك الدولة كل مكونات الحياة السياسية ـ نستخدم هنا تعبير الحياة السياسية بمعناه المختفي والمجرد وليس بمعناه العياني ـ لذلك ليست لديها الحاجة إلى التواطؤ فالبيادق لا تملك الخيار "(
[14]).
وانطلاقا مما سبق فإن علاقة المثقف العربي بالسلطة السياسية ظلت محكومة بوضيعتين:
- وضعية التابع: وهي الوضعية الغالبة حيث نجحت السلطة السياسية في تدجين المثقف وتحويله لبوق من أبواقها الدعائية، ومنفذ لبرامجها واستراتيجياتها، من خلال توظيف جهده الفكري ومعارفه في إصباغ طابع الشرعية على هذه السلطة وتبرير اخفاقاتها، تسلطها وإيديولوجيتها، وتمجيد نجاحاتها في حالة وجودها، أو حتى خلق نجاحات وانتصارات وهمية لنظام سياسي تظل شرعيته مهزوزة في نظر عامة المواطنين؛ وهذا أسوأ دور قام ويقوم به المثقف العربي، لأنه يبعده عن وظيفته الحقيقة في المجتمع والمتمثلة في الدعوة للتغير وقيادته، والدفاع عن القيم المجتمعية.
- وضعية المعارض: حيث ظل المثقف منددا بفشل الدولة الوطنية والنظام السياسي في القيام بواجباته اتجاه المجتمع، والوفاء بالتزاماته ووعوده بالتنمية والتقدم، وهذه الوضعية جعلته، أي المثقف، في قائمة المغضوب عليهم من طرف السلطة، التي ضيقت عليه مجال الحرية، وصادرت فكره بواسطة أجهزتها القمعية، بالإضافة إلى التنكيل به عن طريق النفي والسجن والتصفية الجسدية في بعض الأحيان.
هذه الوضعية الثانية رمت بالمثقف العربي إلى أحضان الغرب، الغرب الذي تصوره المثقف العربي كحام للحرية والعدالة، وكقلعة للديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذه الحالة الانقسامية التي يعيشها المثقف العربي بين انتماءه الوطني من جهة، وحاجته الدائمة للغرب كمرجعية فكرية، وكسند سياسي قادر على حمايته – إذا أراد ذلك - من تعسف النظام السياسي من جهة ثانية، تمثل مظهرا آخر من مظاهر أزمة المثقف العربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- [1] ميثم الجنابي، المثقف والسلطة، أو إشكالية القوة والروح المبدع
http://www.assuaal.com/essies/essies.125.htm
طلال يوسف، التفاعل الايجابي بين المثقف العربي وقضايا الامة. أيمن - [2]
http://www.nadimalbitar.net/modules.php?name=News&file=article&sid=13
- بن يمينة السعيد، المثقف العربي والسياسي في الوطن العربي تأثير أم احتواء. [3]
http://www.ulum.nl/d11.html

4 - انظر، حليم بركات، من هو المثقف. http://www.dctcrs.org/s3625.htm

- ميثم الجنابي، مرجع سابق.[5]
6 - عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، الرباط، 1992، ص 176
[7] - يوسف مكي، في العلاقة بين السياسي والمثقف. http://www.assuaal.com/essies/essies.124.htm

8 - عبد القادر جغلول، عن عمار بلحسن، انثلجانسيا أم مثقفون في الجزائر، دار الحداثة، بيروت، 1986، ص 63.
- ميثم الجنابي، مرجع سابق.[9]
10 - برهان غليون، المثقفون ودورهم في النظام السياسي الحديث
http://www.balagh.com/thaqafa/9u0wd9k3.htm
- عبد المجيد النجار، هل عطلت الدولة العربية الحديثة نهضة الأمة . [11]
http://www.alarabnews.com/alshaab/gif/26-07-2002/a6.htm
- عن، بن يمينة السعيد، المثقف العربي والسياسي في الوطن العربي تأثير أم احتواء. [12]
http://www.ulum.nl/d11.html
- برهان غليون، مرجع سابق.[13]
[14] - سامي داوود، مأسسة النخب http://www.assuaal.com/studies/studies.126.htm




conter