‏إظهار الرسائل ذات التسميات دين وسياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دين وسياسة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، يونيو 26، 2017

الحرية الفردية في الاسلام

يشجع الإسلام، كنص وكممارسة، على الإمتثال الثقافي وعلى قبول السلطة ( سلطة ولي الأمر، سلطة العلماء، سلطة الوالدين.... باختصار السلطة الأبوية). إنه كنسق قيمي يرتاب أمام ما تنادي به الديموقراطية من قيم، وما تشجع عليه من سلوكيات سياسية، ويعتبر القبول بالقيم الديموقراطية تهديدا لانسجامية الخطاب الإسلامي مع الواقع المعاش للمسلمين، فالحرية الفردية التي تعتبر عمدة الديموقراطية توجد الكثير من النصوص الدينية التي تقيدها، كما أن المسلمون يرون أنها قيمة جيدة، طالما أن هناك قيم أعلى تؤطرها وتحدد مجالاتها وممكناتها، دون أن تكون هناك حدود واضحة ومقوننة يمكن أن يحتكم إليها الجميع بشكل واضح، هذه الضبابية في القبول الحذر بقيم الحرية الفردية يجعلها مقبولة على مستوى الخطاب ومصادرة  على مستوى الفعل، أو مهددة بالمصادرة بمجرد اقترابها مما يراه المجتمع، ويبرره الدين، ممنوعا وخارجا عن العرف. فالطفل المسلم غالبا ما يتم تقلينه في المدرسة: أن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين؛ مقولة ضبابية ومراوغة بشكل كبير، إنها حصان طروادة لمصادرة حرية البعض دفاعا عن حرية البعض الآخر في ظل مجتمع يسيّر شؤونه بالعرف المستند على قيم أخلاقية، وعبر ثقافة تحتكم للعرف والمشافهة، وتستند على السلطة الأبوية التي تتمظهر بشكل متعالي على قيم الأفراد وتصوراتهم، وهي ثقافة مرنة، تتيح إمكانيات المراوغة ضمن مجال محدد سلفا وبدقة، ثقافة تجعل المقبول موضوع نقاش والمرفوض موضوع مفاوضة، وذلك في ظل مجتمع يعيش في ضمن فراغ قانوني رهيب فيما يخص الحريات الفردية المتروكة لحكم اللحظة، وللمزاج العام للجماعة التي ترتخي قيمها القامعة للحريات الفردية في ظروف معينة خاصة في حالات الرخاء الاقتصادي، وتتشدد في حالات أخرى إلى درجة التقييد الصارم لتلك الحريات، فعبارة حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، التي تلقن للأفراد عبر مختلف وسائل التنشئة الاجتماعية: المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام، غالبا ما تكون مرفقة بالتأكيد على قيم أخلاقية ودينية يكون تجاوزها اعتداء على حرية الآخرين، أي المجتمع الذي يظل الحارس، دائم التيقظ، لقيمه من عبث الأفراد ومن نزوعهم إلى التمرد على تلك القيم ورفضها أو التشكيك في نجاعتها وصلاحها للعصر، فهذه المقولة تعبر بوضوح عن التأرجح والارتياب الذي يبديه الأفراد والمجتمعات المسلمة في القبول بمبدأ الحرية الفردية، وما يترتب عنها من سلوك وممارسات ومن تقبل إيديولوجيات وأفكار تتهم غالبا بأنها وافدة وغريبة عن القيم الأصيلة للمجتمع. يزداد هذا الارتياب الذي يدفع إلى التضييق على تلك الحرية حين يكون الفرد المعنى بها امرأة، فالمرأة في مخيال الفرد والمجتمع المسلم، حتى وإن لم يصرح بذلك، غير معنية بالحرية الفردية إلا في نطاق ضيق للغاية، ويزداد ضيقا من مجتمع إلى آخر.   

الجمعة، مارس 13، 2015

قوانين قمعية بلا سند اجتماعي



يبدو أن الذين وضعوا قانون العقوبات الجديد المثير للجدل لم يراعوا، أو ربما هم لا يعرفون، طبيعة المجتمع الجزائري الذي تشكل مركزية الرجل لبنة أساسية في طبيعة علاقاته، وهي مركزية مكرسة من طرف النساء أنفسهن أكثر من الرجال، لهذا يبدو أن النساء اللواتي وضع هذا القانون لصالحهن في ظاهره هن أكثر من سيتضرر منه، لسبببين: أولا وعلى عكس معظم القوانين المتعلقة بالأسرة ذات الطبيعة التنظيمية يتخذ هذا القانون طابع قمعي مما يولد الحنك والشعور بالضيم والتمييز لدى فئات واسعة من الرجال. ثانيا أن طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع الجزائري والمسيّجة بالطابهوات العائلية التي ترى في الخلافات العائلية أمرا خاصا لا يخرج للمحكمة إلا في حالات نادرة، تجعل منه قانونا دون تطبيق في غالب الأحيان من جهة، ومن جهة ثانية فالتحرش فعل  يصعب إثباته قانونيا، بله كون الحديث عنه بشكل علني يدخل بدوره ضمن الطابوهات العائلية التي يبدو أن هذا القانون قد أتى بشكل خاص لأجل تفكيكها، مع أن تفكيك بعض هذه الطابهوات المحمية بترسانة قيم وأخلاقيات مجتمعية وثقافة أبوية لا تزال تحضى بمقبولية كبيرة من لدن الجنسين، يعد بمثابة تفكيك للأسرة نفسها لأنه يفرض سلم علاقات لا تسنده الثقافة والقيم السائدة في المجتمع، بل وتعتبره شاذا، لأن المجتمع وثقافته وقيمه لم تتطور بعد للدرجة التي يحدث فيها نوع من التوافق حول مجموعة مفاهيم أساسية لوجود وتطبيق سليم لمثل هكذا قوانين، مثل مفهوم الحرية الشخصية والفردانية والمجال العام وما تنتجه هذه المفاهيم من ترسيخ لقيمة العدالة والمساواة بين الجنسين ليس على المستوى الخطابي والقانوني كما هو حاصل في الجزائر الآن وبالشكل الذي تسعى الجمعيات النسوية ومن يقفون خلف هذه التشريعات إلى ترسيخه، إنما بشكل أعمق يستند إلى واقع اقتصادي يمنح المرأة استقلالية أكبر بكثير مما تتمتع به الآن من استقلالية اقتصادية هشة، وواقع قيمي، وهذا هو الأهم، لا يدين المرأة بأنوثتها، ولا يعتبر جسد المرأة ملكية عائلية.
لهذا أتصور أن هذا القانون قد أتى من أجل تعميق أزمات مجتمعية مزمنة وعويصة كأزمتي العنوسة والطلاق، فشعور المرأة بأنها محمية و" محرضة " قانونيا يجعلها تتجاوز الدور الذي تحدده القيم والثقافة المجتمعية لها داخل الأسرة بشكل يؤدي إلى تزايد الصدامات العائلية مما سيؤثر بشكل كبير على الإستقرار الأسري الذي يعاني، نتيجة ضغوطات اقتصادية ونتيجة الحداثة المرتبكة التي ينخرط فيها المجتمع، من هشاشة تتجلى في ارتفاع متزايد لنسب الطلاق خاصة بين المتزوجين حديثا، من جهة أخرى ستسهم الطبيعة القمعية للقانون في الإحجام المتزايد عن الزواج من قبل الشباب مما يفاقم من مشكلة العنوسة في المجتمع، وقد سبق لي وتحدثت عن الأسباب القيمية والثقافية للعنوسة في مجتمعنا، بعيدا عن التفسير السطحي والمختزل للظاهرة والذي يرجعها إلى أسباب اقتصادية وإلى غلاء المهور وما إلى ذلك من أسباب قد تشكل جانب من محددات المشكلة لا غير.

الجمعة، أغسطس 02، 2013

العلمانية في الشارع

أتصور أن الإسلاميين، وقد أخذتهم الدهشة، يقولون فيما بينهم: أيعقل أن يخرج من بين ظهرانينا كل هؤلاء الكفار، يقصدون العلمانيين.
إن مزية الربيع العربي، إذا كانت له مزية، أنه اظهر للمواطن العادي الذي كان مأخوذا بالدعاية الإسلاموية ضد الخصوم، وخاصة العلمانيين، أن هناك فئات واسعة من المواطنين يتبنون الفكر العلماني، دون أن يكونوا كفارا وأعداء للدين كما صورهم خصومهم الملتحون، إنهم مواطنون يصلون معهم بالجامع، ويجلسون معهم في المقاهي ويركبون وإياهم نفس حافلات النقل العمومي، لكن رؤيتهم لطبيعة النظام السياسي تختلف، وهم يعبرون عن تلك الرؤية في اللحظة الحرجة التي تمر بها بعض الدول العربية، خاصة في مصر وتونس، حيث التيار العلماني صار قادرا على الحشد في الشارع بشكل يساوي أو يفوق قدرة الإسلاميين، وهذا تحول كبير في علاقة العلمانيين بالجماهير، حيث أنه ولوقت قريب كان الشارع حكرا على الإسلاميين، وعلى الدولة التي تنظم المظاهرات العفوية لتدعيم مواقفها، لكن حالة المخاض السياسي والاجتماعي التي تمر بها دول الربيع العربي، مكن العلمانيين من طرح أنفسهم جماهيريا بشكل غير مسبوق بدل الاكتفاء بالتنظيرات النخبوية المفصولة عن الواقع، والنزول للشارع بشكل كشف الوجه الحقيقي للعلمانية كمطلب سياسي واجتماعي لا يعني بالضرورة التعارض مع الدين، أو تسفيه معتقدات المؤمنين، كما كان يصورهم خصومهم الإسلاميون.
إن هذا التحول المهم، سيعمل بكل تأكيد على فتح المجال واسعا أمام العلمانية غير المتطرفة، وأمام العلمانيين الحقيقيين الحاملين لرؤى ومشاريع دولة، لا العلمانيين الذين لا زاد لهم سوى تسفيه وسب الخصوم، والتجني على المعتقدات الدينية بإلصاق سبب التخلف بها، مما نتج عنه رفض لكل ما يمت للشريعة بصلة، بشكل شوه صورة العلمانية الحقة في نظر المجتمع.
لهذا فالمسؤولية الملقاة على عاتق من يؤمنون بالعلمانية كنظام سياسي واجتماعي  يضم الدين في جوهره دون أن يتجاوزه بالدعوة لإلغاءه، تكمن أساسا في تدعيم التواصل الحاصل بين العلمانيين وباقي فئات الشعب من خلال بسط جوهر العلمانية، ونفي التعارض المزعوم بينها وبين الدين من جهة، والعمل على تحييد العناصر العلمانية المتطرفة التي تسيء للفكرة أكثر مما تخدمها بسبب حصرها للعلمانية في الجانب المضاد للدين بشكل جعل خصوم العلمانية ينجحون في تكفير وتفسيق العلمانيين في نظر فئات واسعة من المواطنين عن طريق إلصاق تهمة العداء للدين بهم. 

الثلاثاء، يوليو 30، 2013

إسلامية، لا شرقية ولا غربية


"إسلامية إسلامية لا شرقية ولا غربية ": الشعار الأبرز للإخوان ومناصريهم من التيارات الدينية التي وجدت في وصول رئيس ذو توجه ومرجعية إسلامية لحكم بلد مركزي كمصر فرصة لبعث مشاريع الدولة الدينية ودولة الخلافة وتطبيق الشريعة؛ المشاريع التي ظلت لسنوات طويلة حبيسة أدبيات منظري هذه التيارات، وحبيسة صدور المؤمنين بها، الذين صبروا على تحقيق الحلم الموعود، أولئك الموعودين بالحور العين لقاء جهادهم وصبرهم وحملهم لمشروع الدولة الإسلامية على الاكتاف وبالدماء.
لكن بعيدا عن الشعارات مالمقصود بـ: إسلامية إسلامية لا شرقية ولا غربية؟
تكرار إسلامية دليل توكيد،  هو في الوقت نفسه نفي للإستغراق في إحدى الصفتين التاليتين، كما انه، وبالقدر نفسه، نفي لإمكانية الجمع بين التناقض الذي تبرزه بجلاء  "الشرقية" و"الغربية"، والتوليف بين مزايا هذه ومزايا تلك بغية تبنيها كبديل عن الأحادية.
الإسلامية بهذا الشكل التوكيدي تعني نفي ما دونها نفيا تاما، مع نفي لكل ما ترتب تاريخيا عن الانتساب لإحدى الصفتين السابقتين، أو للتأثيرات الناتجة عن التوليف أو التلفيق الذي حدث بين قيم إسلامية وقيم وافدة ( شرقية وغربية )، فالإسلامية بالمعنى المرفوع في الشعار الإخواني، تعني هدم كل ما كان خلال قرون التثاقف الطويلة مع الشرق والغرب، والعودة  إلى نقطة موغلة في القدم، لا يمكن الإتفاق حول تحديدها بدقة، رغم ان المتفق عليه هو السلف الصالح كمرجعية، دون حسم الإشكالية الناتجة عن ضبابية مفهوم السلف الصالح. مع ان غالبية انصار الإسلانم السياسي يؤكدون على وجوب الاخذ بالمنجزات المادية للشرق والغرب غافلين على أن تلك المنجزات المادية يستحيل فصلها عن قيمها الثقافية. 

السبت، يونيو 06، 2009

الحكم باسم الله؟!!!

ثنائية الضلال والهدى أو الحق والباطل، أو بتعبير آخر ثنائية النباهة والاستحمار كما وظفها علي شريعاتي وهو يقدم نقدا لنظام ولاية الفقيه الذي يقوم عليه الفكر السياسي الشيعي المعاصر، هي نفس الثنائية المتحكمة بكل المجتمعات التي تقوم فيها نظم أو أحزاب معارضة تحكم أو تتكلم باسم الله وكأنها هي الناطق الرسمي باسم الإرادة الإلهية، وفي شخوص زعمائها( زعيم دولة أو زعيم حزب معارض) تحل بعض صفات الله لتعصمه من الخطأ وتجعل كل ما يصدر عنه ليس في النهاية سوى تعبيرا بليغا عن المشيئة الإلهية.
نحن كمسلمين ارتبط نظام الحكم عندنا ومنذ انقلاب معاوية على الشرعية الشعبية ( على بن أبي طالب ) بهذه الصفات التي يزعمها الحاكم لنفسه، وكما يخبرنا ابن خلدون فإن قيام الدول والإمارات في بلاد الإسلام كان يحتاج لعصبة أي بالتعبير الحديث لأنصار سياسيين ( مناضلين ) يلتفون حول الزعيم الرمز لأجل دعمه لبلوغ السلطة ، سواء بالانقلاب على السلطة القائمة ( وهذا ما يحدث غالبا ) أو بإنشاء دولة أسلامية جديدة ( عن طريق الفتح )، ولكن الفرق بين العصبة التي يستند إليها الدعاة السياسيين عبر التاريخ الإسلامي لأجل إنشاء دول وإمارات وبين المناضلين السياسيين في الوقت الراهن يكمن في أن العصبية تقوم على أساس قبلي وديني حيث القبيلة توفر العدة البشرية اللازمة في حين الدعوة الدينية تعطي شرعية وقداسة لتحرك العصبية القبلية نحو السلطة مسكونة بيقين ديني يبرر سعيها للسلطة حتى لو مرت على جماجم المسلمين .
استند الحكم في الإسلام على ربط تعسفي بين الحاكم والله، فحتى لفظ الخلافة وصفتها تبدلت، حيث أنه مع خلافة أبي بكر كان يلقب ولي أمر المسلمين بأمير المؤمنين وخليفة رسول الله، وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة صار أميرا للمؤمنين وخليفة خليفة رسول الله ، فالخلافة كانت خلافة للرسول في تسيير شؤون الدولة وليس في الوحي ولا في العصمة، ولكن لاحقا انتقلت الخلافة من خلافة رسول الله في أمر دنيوي إلى خلافة الله، فصار الحاكم خليفة الله، مع تمتعه بصفة الملك المطلق الحق في التصرف في الرعية وفي أموال الرعية ( بيت المال ) وإضافة القرابة بين شخصه والله لأجل إعطاء شرعية وقدسية دينية لحكمه ونظامه ودولته .
ومن هنا يصير الحاكم المتمسح بشرعية الله باعتباره ظل الله في الأرض مطلق التحكم في أمور الدين والدنيا وهذا ما يجعل منه مرجعية متعالية لا تحتمل النقد، وهذا ما ولد ما يسميه كارل وماركس بالاستبداد الشرقي ليس كنظام اقتصادي قريب من الإقطاعية في آليات عمله، إنما كنظام سياسي تختفي في ظله أية إمكانية لبروز سلط مكلمة لسلطة الخليفة / الحاكم، وتتحول المعارضة والرفض إلى رفض عنيف ومسلح يهدف لإلغاء النظام، لأنه لا مجال لوجود معارضة سلمية في ظل تركز السلطة الدينية والزمنية في يد الخليفة وحده.
فالخليفة / الحاكم ونظرا لتماهي صفته مع صفة الله، وتمتعه بسلطة دينية بالإضافة لسلطته الدنيوية يكتسب سلطات واسعة تخوله استتابة الناس المارقين، وهؤلاء المارقون في نظره ما هم في الغالب سوى من يرون أنه مجرد شخص غير معصوم
وانه لا يحق له احتكار الدين والحديث باسم الله ، أي الراغبين في تجريده من سلطته الدينية الطاغية لكي يفسح المجال أمامهم لتحقيق تطلعات سياسية بعيدة عن حضوره المطلق في الزمان والمكان والذي يسد أمامهم كل الأبواب والنوافذ.
هنا حين نجد الحاكم وقد صار يرى نفسه ظلا لله في الأرض وقد جمع من حوله رجال الدين ليسبغوا عليه صفة حارس الدين والناطق باسم المشيئة الإلهية والراعي لشؤون المسلمين. سنكون بصدد حكم مطلق يلغي حرية الناس ويصادر حقوقهم باسم ضرورة الامتثال لأوامر الله وسنجد كل المعارضين للحاكم قد صنفوا في خانة الزنادفة والهراطقة الذين يستتابون وتهدر دماءهم باسم الشرع
باختصار هكذا نظام وهكذا أحزاب تستمد سلطتها من الله مباشرة لأنها بحسب رأيها واعتقاها تمثل مشيئته، يمثلون خطرا على الحرية ومصادرة لها وإلغاء لعقول الآخرين ، وهذا ما يخلق احتقانا اجتماعيا يؤول حتما للفوضى ( والتاريخ الإسلامي على امتداده يعطينا أمثلة كثيرة عن الفتن التي حدثت بسبب التنازع على السلطة السياسية والدينية )؛ وحين ننظر لتجارب حديثة في العالم العربي والإسلامي عرف محاولات لقيام أنظمة حكم دينية تستمد شرعيتها من الله، سنرى أن النتيجة هي التفكك والفوضى الذي طال تلك الدول. فتجربة السودان وباكستان مثلا تعطي أمثلة واضحة عن مقدار الشرخ الاجتماعي والسياسي والأمني ( وهذا الأهم ) الذي يحدثه هكذا نظام؛ والتجربة الجزائرية تعطي مثالا آخر عن مقدار الخراب الذي يمكن أن يلحق بالمجتمع نتيجة تطلع أحزاب سياسية إلى الحكم باسم الله وتمثيله في الأرض، فالأحزاب الإسلامية لم تنتج في النهاية سوى عنف ضد الدولة والمجتمع وحتى حين تصل للحكم لفترات قصيرة فإنها تنفجر من الداخل وتفجر الدولة معها ( السودان كمثال ).
لهذا أنا أرى أن العلمانية وبمفهوم منفتح لا يعارض الدين ولا ينفيه للمساجد هي الأصلح لمجتمعاتنا الحديثة ، فمثال تركيا يعطي دلالة عميقة عن الدور الذي يمكن أن تقوم به العلمانية في أفراغ الدين من شحنته التناحرية حين يلصق عنوة بالسياسة، في تركيا يحكم حزب إسلامي ورئيس الحكومة أو نواب الحزب في البرلمان يقدمون مشاريع قوانين يمكن إرجاعها ببساطة لمراجعها الإسلامية ( الشريعة ) ولكنها تقدم باسم الفرد أو الهيئة أو الحزب ولابد أن تقنع الآخر
ين حتى يتم تبنيها لأنها تقدم كرأي فردي يحتمل الخطأ والصواب وليست ، كما كان يردد أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر:" لا قانون لا دستور..قال الله قال الرسول ".
في هكذا أنظمة منفتحة تأخذ بالرأي دون تعصب ودون قدسية نستطيع أن نمنح ثقتنا للأفراد لأجل أن يسنوا قوانين مستمدة من الشريعة ولكنها لا تقدم كأمر واجب التطبيق دون نقاش ومن يرفضه فله الويل والثبور وعظائم الأمور ( ربما الموت ) .
أنا عشت بالجزائر عشرية كاملة من عمري قضيتها على أخبار الموت والقتل المجاني كنتيجة لمحاولة البعض إقامة دولة على أساس ظل الله في الأرض وعلى أساس شرعية دينية محضة تكفر كل من يرفضها أو يعارضها ؛ والنتيجة عشرات آلاف الضحايا. ولهذا أرى أن الشعار الذي يرفعه أنصار الإسلام السياسي والقائل بان الإسلام هو الحل دون يوضحوا ماذا يقصدون بالإسلام تحديدا في المجال السياسي، ودون يوضحوا آليات الحل وماذا يحلون من إشكالات، فهم يقدمون الشعار كمعطى جاهز يقبل دون نقاش، ولمن يقبله جنة النعيم لأنه يقبل الإسلام، أو يرفض جملة وتفصيلا، ولمن يرفضه التكفير أو الاستتابة لأنه يرفض الإسلام ، مع أن الرافضين لهذا الشعار الفضفاض والذي يستغل كمطية لتحقيق أغراض سياسية ودنيوية محضة مسلمون ولا شك في إسلامهم. هذا الشعار ينبغي أن يتوارى لصالح شعارات دقيقة ومحددة وممكنة التطبيق، وهكذا فقط يمكن لتيار الإسلام السياسي أن ينخرط في مجال السياسية دون دوغماتية لا تنتج سوى الخراب، وان يتنازل قليلا ليقبل التنافس مع التيارات الأخرى التي تستند لمرجعيات مغايرة، دون أن ينظر إليها على أساس أنها تيارات ضالة.

الاثنين، يونيو 01، 2009

دين وسياسة...


من المثالية أن نعتقد بان السياسة منفصلة عن الدين أو عن الثقافة أو عن أي مجال من المجالات الأخرى، فكما يقول الراحل ادوارد سعيد: السياسة ترافقنا في كل مكان.
العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة في المفهوم الشائع عنها بمعنى جعل القوانين الناضمة للحياة السياسية نتيجة اجتهاد الأفراد وليست نتيجة ترجمة حرفية للنصوص الدينية لأن النص الديني يتمتع بقدسية كما انه يحتمل عدة تأويلات، وتعدد التأويلات التي تكتسب بدورها شيئا من القدسية، يجعل تنازل أي طرف عن رأيه الذي يرى انه من صميم الدين أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، ولهذا تحدث الفتن بسبب الدين والتي تتجلى سياسيا.
السياسة مرتبطة بالزمني وهي فن من فنون الممارسة الميكيافيلية ، هي فن العمل في حدود الممكن ( كما يعرفها الأكاديميون ). في حين الدين يتسم بمعيارية الفهم والممارسة، وهنا يقع التعارض بين الدين والسياسية رغم الخلط الذي يقع بين الممارس
ة السياسية والاعتقاد الديني الذي يكون توظيفه من طرف رجال السياسية بمثابة بحث عن شرعية دينية ( مقدس ) للفعل السياسي ( زمني/ دنيوي).
نحن حين نخلط الدين بالسياسية فإننا نسيء للدين نتيجة إخضاعه لمقتضيات الأمور السياسية التي لا تحيل على النبل في غالب الأحيان، فحين تفسد السياسة تفسد الدين معها، وبما أن السياسة متغيرة والدين ثابت ولو نسبيا، فإن جعل الإسلام دين ودولة كما يقول أنصار الإسلام السياسي تكون نتيجته هي تنفير الناس من الدين الذي يوظف لأجل إعطاء مشروعية للعمل السياسي حيث نتيجة مزجه بالسياسة فإنه ينزل من عليته وقدسيته إلى مستوى التحالفات الظرفية والتكتيكية التي تغيير بين عشية وضحاها لمقتضيات سياسية.
وهذا الأمر فيه إساءة للدين في ذاته، كما أنه يفقد السياسة انفتاحها حين تمزج بالدين وتتحول إلى دوغما أو اعتقاد ثابت لا يتغير، وهذا أمر مناقض لمفهوم السياسية السابق الذي هو فن العمل في حدود الممكن.

الجمعة، مايو 15، 2009

التصوف النخبوي والسلطة السياسية


علاقة المثقف بالتصوف تجلت من خلال تجربة التصوف الإسلامي في الجانب الفردي لهذا التصوف، وانفصلت هذه العلاقة بتحول التصوف من حالة فردية إلى تصوف جماعي مهيكل ضمن مؤسسة تشكل الزوايا إطارها التنظيمي، ومن هنا فإن الفكرة القائلة بمهادنة التصوف الإسلامي للسلطة السياسية تبدو فكرة غامضة بعض الشيء ولا تستند على دعائم قوية ، فإذا كان ابتعاد المتصوفة عن السلطة مقولة يمكن المجادلة حولها، فان النقد الذي وجهه المتصوفة للسلطة كان قويا وذا تأثير كبير مما دفع بهذه السلطة إلى التضييق عليهم وإعدام الكثير من رموز التصوف الإسلامي فضلا عن تكفيرهم.

ولكن يجب أن نميز بين نوعين أساسيين من التصوف يختلفان اختلافا جذريا في كيفية تعاطيهما مع السلطة السياسة، وهما التصوف الجماعي والتصوف الفردي.
فالتصوف الجماعي الذي هو مرحلة أخرى من مراحل التصوف لاحقة على التصوف الفردي، قد اوجد بعض التحالفات مع السلطة السياسة موظفا سلطته الروحية في التأثير على العامة لصالح النظام القائم وموظفا مؤسساته الطرقية والزوايا في هذا المجال، وبالتالي فهذا النوع من التصوف لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتباره معارضا ولا حتى ناقدا للسلطة السياسية بل انه تصوف قابل للتعايش مع أي شكل من أشكال الأنظمة السياسية حتى ولو كانت أنظمة مغتصبة للسلطة والأرض أو محتلة، كما حدث في الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية، حيث بعد كسر شوكة الطرق الصوفية التي قادت المقاومة الشعبية تم تحويل تلك الطرق والزوايا المهيمنة على المجال الروحي إلى أداة تبرير للوجود الاستعماري في الجزائر.

وإذا كان موضوع تحالف الزوايا في الجزائر مع الاستعمار موضوع شائك ويشكل نقطة خلاف كبيرة بين المهتمين والدارسين فان الرأي الغالب هو القائل بوجود هذا التحالف
.
أما النوع الثاني من التصوف وهو التصوف الفردي فقد كان له دور كبير في المعارضة السياسية.

وهذا النوع من التصوف هو الأسبق ظهورا في الساحة الإسلامية، وقد ارتبطت حالات التصوف بميل حاد نحو نقد تجاوزات السلطة السياسية والتنديد بلا شرعيتها، حدث ذلك مع الصحابي أبي ذر الغفاري ومع للحلاج والجنيد ومحي الدين بن عربي وغيرهم

حيث أظهر هؤلاء جميعا معارضة قوية وشرسة للنظام القائم، فأبو ذر الغفاري ظل حتى وفاته معارضا للدولة الأموية في بداية نشأتها واعتبر معاوية بن أبي سفيان مغتصبا للحكم وليس خليفة.

أما الحلاج فإنه شكل مثالا عن مقاومة المتصوفة للاستبداد السياسي من خلال تبني أفكار راديكالية اتجاه النظام الحاكم.

فالحلاج الذي كان على علاقات متقدمة بحركة القرامطة الثائرة ضد الخلافة رفض الانخراط في زمرة مداحي الخليفة نظرا للظلم الاجتماعي الواقع ضد فئات واسعة من الأمة باسم الخلافة، وانتصارا منه لتلك الفئات الاجتماعية المظلومة انظم لحركة القرامطة المعارضة والتي أقامت أول دولة “اشتراكية” في التاريخ. والتي كانت بالإضافة إلى حركة الزنج أو ثورة العبيد التي زامنتها، قادرة على تشكيل تهديد حقيقي للخلافة.

لست هنا بصدد مناقشة أفكار القرامطة التي آمن بها الحلاج ودافع عنها لان الكثير من الأفكار الثورية والنبيلة سرعان ما تنحرف عن مسارها، ولكن ما أردت قوله

هو أن الفكرة التي تسعى إلى الربط بين المتصوف /المثقف من جهة و مهادنة السلطة / النظام القائم مع الاحتفاظ بحق نقده من جهة ثانية هي فكرة تعوزها الكثير من الدلائل ويمكن المجادلة حولها خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتصوف الفردي الذي شكل وعلى امتداد تجربة التصوف الإسلامي نموذجا لمعارضة السلطة، سواء السياسية أو الدينية في بعض الأحيان، وقد دفع المتصوفة / المثقفون ثمن هذه المعارضة غاليا.

المثقف علمانيا


حين أتحدث عن المثقف فأنا اقصد تحديدا المثقف العلماني وليس المثقف الديني، لان هذا الأخير يمكن إدراجه ضمن فئة الفقهاء أو الدعاة، نظرا لاختلاف طبيعة كل طرف ( مثقف علماني/ فقيه )، حيث الأول يشتغل على ما هو نسبي ودنيوي، في حين يشتغل الثاني على ما هو معياري ويتسم بشيء من الثبات.
صحيح أن العلمانية
في العالم العربي والإسلامي ذات سمعة سيئة بين الأوساط الشعبية، وصحيح أيضا أن الأنظمة العربية التي طبقت العلمانية سواء بشكل معلن مثل تونس أو بشكل غير معلن كالجزائر قد طبقتها بشكل مجتزأ يبدو في ظاهره معاديا للدين، وبالتالي فهي أساءت إلى العلمانية بمقدار ما أساءت للدين من خلال توظيفه كذريعة لتبرير الاستبداد.

ولكن أرى وهذا رأيي الشخصي أن قدر المثقف أن يكون علمانيا فيما يدعو إليه لأنه يحمل بالأساس قيما إنسانية لا تحصر نفسها بشكل كبير ضمن إطار الثقافة التي ينتمي إليها إنما يحمل أفكارا قادرة على الانتشار في بيئات اجتماعية ودينية مغايرة رغم ما يلحقها من تغير عند انتقالها من بيئة لأخرى.
المثقف ليس رجل دين ولا فقيه بالرغم مما يفترض أن يحمله من قيم دينية هي قيم اجتماعية بالأساس، ولا هو برجل سياسة بالرغم من القيم السياسية التي يحملها ويدعو لها. مع أن المثقف العربي الحديث هو سليل الفقيه، وكنت في أول إدراج بمدونتي قد أشرت إلى هذه النقطة راجيا العودة للتوسع فيها لاحقا.
لذلك عندما نتحدث عن جوهر المثقف فنحن لا نتحدث عن فقيه كما أننا لا ندعو لسجن المصحف والأفكار الدينية في المساجد ودور العبادة لان هذا نوع من الاستبداد الذي يجب على المثقف محاربته فدعوته لحرية كل طرف في نشر أفكاره والدفاع عنها يجب أن تكون لبنة أساسية تدخل في جوهر تكوينه، ولهذا نجد غوستاف فلوبير وهو نموذج لمثقف يعي مكانته ودوره جيدا يقول مقولة صارت شعارا لاحقا: " قد اختلف معك في الرأي ولكني سأقاتل من اجل حرية رأيك".

وهذا هو دور المثقف المرتجى أي الدفاع عن الحرية والقيم الإنسانية النبيلة سواء كانت تلتقي مع القيم الدينية أو تبتعد عنها. فالمثقف هو من ينتصر للقيم الدنيوية، وهذا ما يأخذه عليه الإسلاميون الذين ينتصرون للقيم الدينية أساسا.
مع أنني لا أحبذ استعمال كلمة الإسلامي لأنها تلغي ضمنيا مجموعة كبيرة من الأفراد بمجرد إطلاقها على فئة معينة. لهذا الكثير يستعيضون عنها بكلمة الاسلاموي والتي تعين توظيف الدين الإسلامي ونصوصه المقدسة لأغراض صراعية مرتبطة بتقاسم النفوذ مع تيارات أخرى ذات مرجعيات غير مقيدة بالنص الديني، فنحن نجد أنصار تيار الإسلام السياسي مثلا يقومون بتوظيف قراءات معينة للنص الديني من اجل الوصول للسلطة التي هي وحتى في الفكر الإسلامي وعلى امتداد التجربة التاريخية للمسلمين سلطة دنيوية وليست سلطة دينية.
ومن هنا يحدث التناقض فمقولة الإسلام دين ودولة هي مقولة حديثة والنظام السياسي في الإسلام صاغته اجتهادات فردية وليس الوحي الإلهي، حتى الخلافة ليست فرضا دينيا.

conter