الإلحاد في كل المجتمعات يظل عبارة عن حالات فردية، وحتى في عصر الأنوار الأوروبي الذي اعتبر عصر الالحاد بامتياز لم يكن عدد الملحدين أكبر من عدد المؤمنين ولا مقاربا لعددهم ولا حتى يمثل نسبة معتبرة، فالإلحاد، إذا استثنينا التجربة السوفياتية التي تبنت فيها الدولة وأجهزتها الايدولوجيا فكرة الإلحاد وعملت على جعله واقع اجتماعي، كان وسيظل حالات فردية، وهو كاعتقاد بلا جدوى الدين ورؤيته للعالم والآخرة، لا يجعل صاحبه متجاوزا للدين كثقافة، أي
مشكلة الإلحاد وما يثيره من مشاعر غضب وعدائية اتجاه الملحدين، هو مشكل المتدينين وليس الملحدين الذين دائما ما توضع روؤسهم في سيبلا الجموع الغاضبة، إنه مشكلة المجتمعات المنغلقة التي تتمرس خلف ما تسميه محددات الهوية، وبها تدافع ضد كل ما تراه دخيلا ومهددا لتلك الهوية، مشكلة يتم اختلاقها لإظهار الإخلاص للدين، وحب التمظهر الديني، رغم كثرة السلوكيات المناقضة لجوهر الدين الحق، هي صفة تكبر في الفرد كلما كان بصدد اتخاذ موقف منظور إليه جماعيا، تمظهر يجعله يتمترس خلف الدين للدفاع عنه أو الوقوف ضد كل ما يتعارض معه، باسم الدين دائما، وهي حالة غير سوية، لكنها مطلوبة اجتماعيا لأن المجتمع لا يزال يقيّم الأفراد من ناحية الصلاح والطلاح تقييما دو مرجعية دينية، وهذا ما يجعل من مناهضة الملحدين والشواذ والمسيحجين واليهود والاحمديين والشيعة وكل المخالفين، رأسمال اجتماعي للأفراد، وهو رأسمال مفيد جدا للعلاقات الاجتماعية التي تأخذ بتلك المواقف الدينية كأساس للتعامل.





