السبت، أكتوبر 18، 2014

عن البطولة والبطل الروائي وبطالة السرد

بتاريخ 6:57 م بواسطة عمار بن طوبال



تقوم فلسفة ما بعد الحداثة والتي أثرت بشكل كبير في الرواية، بالغرب خاصة، على أطروحة، يبدو أن الزمن يؤكد خطأها، قوامها نهاية السرديات الكبرى: التقدم والتنوير والثورة ... وهذه السرديات هي مجال اشتغال ومبرر وجود البطولة، لأنها تعطي الحجة الانطولوجية لوجود الشخصية البطلة في الرواية التي تبشر أو تحلم بتغيير العالم، وخلق شرط وجودي في ظل واقع اجتماعي لا يعادي إمكانية الرفض والتغيير. كان روبنسون كروزو ودون كيشوت وجوليان سوريل، وإيما بوفاري حالمين كبار في عالم يتيح الحلم وينفتح على المغامرة الممكنة النجاح، فرواية القرن الثامن والتاسع عشر هي رواية شدّاد الآفاق الذين ينجحون في إقامة عالم جديد وإن على أنقاض العالم القديم، كانت رواية الأبطال الفاعلين في التاريخ، فهي وبشكل كبير، رواية التوسع الامبر اطوري للغرب الذي سكنته تلك السرديات الكبرى: التنوير خاصة، والتي صارت رسالة تمثلتها الرواية باقتدار أكثر من أي فن آخر، فرسالة الغرب التنويرية للعالم، كواحدة من السرديات الامبريالية التي أنتجتها المركزية الأوروبية هي التي خلقت أبطال دانييل ديفو وجوزيف كوندراد وكيبلينك وغيرهم كثيرون من الذين يسميهم ادوارد سعيد: روائيو الامبراطورية. 
كانت رواية الشخصية، ومن ثم رواية البطل الذي يسميه لوكاتش، ومن بعده غولدمان إشكالي، قد ازدهرت بداية من دون كيشوت كأول بطل روائي يحلم بعالم لا تلتقي به خطاه إلا عرضا، وعرفت أوجها خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، عصر الحداثة والتنوير وسردياتهما الكبرى، لكن بداية من القرن العشرين وتحديدا منذ الحرب العالمية الأولى، لم يعد البطل يجد له مكانا في الرواية وإن حافظ على وجوده فيها كعنصر أساسي من عناصر العمل الروائي، لكنه حافظ على "وجوده التقني" في عمل يحتاج إلى مواد وعناصر، وفقد وجوده البطولي كفاعل في التاريخ وكحامل رسالة، فالبطل الروائي صار بداية من عشرينيات القرن العشرين يعيش " زمنه الضائع " وتيهه الأبدي، لهذا انتقلت الرواية لتحكي حيوات أبطال لا يملكون من البطولة غير الإسم، لأنها تصدر عن واقع لا بطولة فيه وتكتب التاريخ من الأسفل بعد أن استنفذت روايات الفرسان النبلاء وصانعوا التاريخ مبرر وجودها، فالبطل الشعبي الذي حاولت الفلسفة الوجودية بعثه عن طريق إدراجه في سياق يتسم بالتوتر الوجودي للإنسان مما يمنحه قدرة ما على لعب دور بطولي من خلال التمرد على العالم ورفضه ( ميرسو كامو وزربا كازانتكايس) لم يكن بأي شكل من الأشكال بديلا للبطل الكلاسيكي الذي يحمل رسالة ويتوجه بها إلى العالم معززا بيقين لا يكل ولا يفتر، ولم يسر بالبطولة كفعل في الواقع الاجتماعي لمزيد من التجلي. إن كل ما بلغته بطولة إنسان القرن العشرين كما تجلت في الرواية هو مزيد من الضياع الذي ينتهي بالرقص حول نار الحياة على صوت عويل الذئاب التي تحرم الروح سلامها.
وإذا انتقلنا إلى الرواية العربية فإننا سنجد وضعا أكثر هشاشة للذات الفاعلة في التاريخ (البطل)، نتيجة القمع الشديد الذي يمارسه الواقع الاجتماعي على أي نزوع فرداني، وقدرة الثقافة المجتمعية على قولبة الأفراد وفق نمط أساسي لا يملكون فكاكا من هالته وسحره الذي يصبغه عليه المجتمع. وللأمانة فإن الرواية العربية الحديثة لم تكن بأي شكل من الأشكال رواية بطل بالمعنى الايجابي للبطل الذي يعطيه دور قيادة التغيير الاجتماعي، رغم سعي روائيو اليسار العربي نحو خلق بطل ايجابي قادر على تغيير الواقع لكنه ظل في حدود الأماني الروائية دون أن يتمكن الروائي العربي إلا في حالات نادرة ( مصطفى سعيد الطيب صالح وسعيد مهران نجيب محفوظ ) من خلق بطل واجه مصيرا غير عادي وكان فاعلا فيه بشكل من الأشكال. 
إن الثقافة العربية الراهنة والتي لا زالت تعتاش أسطوريا على سير أبطال خرافيين رسختهم الحكايات والسير الشعبية في المخيال الجمعي للإنسان العربي، هي ثقافة عاجزة عن خلق البطل بعيدا عن نمطية البطل السياسي والعسكري الذي يتحدد بمقدار الانتصارات العسكرية التي يحققها دون غيرها من محددات البطولة، فمنذ غزوات الرسول وبطولات خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب مرورا ببطولات الفتح وانتصارات الخلفاء والأمراء التي تأسطرت لاحقا، إلى حروب محمد علي باشا وبطولة عمر المختار وزعامة جمال عبد الناصر ، لم يخلق بطل شاذ عن هذا النمط من البطولة في المخيال العربي، وهذا ما يجعل وجوده روائيا أمرا غير ممكن سوسيولوجيا، لأنه لا يمتلك القاعدة التي تتأسس عليها بطولاته في زمن لم تعد فيه الحرب مجال بطولة وقد اختطفت التكنولوجيا شديدة الفعالية كل البطولات. إن كل ما تستطيع الرواية العربية تقديمه من نماذج " بطولية " هو الشخصية التي تصارع من أجل افتكاك فردانيتها من تأثير وهيمنة الجماعة، فالفردانية كشرط حداثي يمكن للرواية أن تشتغل عليه لتنقذ نفسها من إسفاف السقوط والتيه الذي أغرقت فيه أبطالها وشخصياتها تأثرا بأوهام ما بعد حداثية، وقفزا على حداثة لم تنجز بعد مشاريعها ووعودها في أرضنا وديارنا.

1 تعليق على "عن البطولة والبطل الروائي وبطالة السرد"

أترك تعليقا

conter