الأربعاء، سبتمبر 03، 2008

أزمة المثقف العربي ( 3 )

بتاريخ 1:50 ص بواسطة عمار بن طوبال

الاتجاهات الفكرية لعصر النهضة
"نحن بحاجة إلى استعادة روح رجال النهضة وما تميزوا به من جرأة وصدق وتفاؤل" هذا ما نصح به المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي المفكرين العرب الراغبين في دخول الحداثة والإفادة مما توصلت إليه خلاصة التجارب العالمية في التقدم والتحديث والتنوير، أورد العروي هذه النصيحة في ختام كتابه: " مقدمات ليبرالية للحداثة" الصادر في بيروت العام 2000؛ فما مدى تمكن العرب من الاستفادة أولا، من ذلك الفكر الثر الذي أنتجه رواد النهضة العربية وهم يعملون كل ما بوسعهم من اجل رسم الطريق الموصلة نحو الرقي والتقدم و الانعتاق من ربقة عصور الانحطاط الطويلة والمريرة والتي خيمت على العالم العربي الإسلامي طويلا، وثانيا الاستفادة من تلك الروح المتفائلة التي ميزت الفترة التي اصطلح على تسميتها بعصر النهضة والتي يؤرخ لميلادها بحملة نابوليون على مصر سنة 1798(
[1]) والتي امتدت إلى غاية أواخر النصف الأول من القرن العشرين.
إن الفكر العربي المعاصر، وبعد ت
لك الهزات العنيفة التي عايشها طوال النصف الثاني من القرن العشرين بداية من نكسة 1967 ووصولا إلى هيمنة القوى الاسلاموية على الشارع العربي وتمكنها من فرض وصاية مقيتة على الفكر الحر بقوة التكفير التي تشهرها في وجه كل مخالف، مرورا بسقوط شعارات القومية والوحدة والمصير المشترك التي انهارت تباعا بفعل قوة الأحداث التي عايشها العالم العربي طوال تلك الفترة بداية من اتفاقية كامب ديفيد ووصولا لغزو العراق للكويت سنة 1990 وانتهاء بسقوط بغداد، حيث صار أي حديث عن وحدة عربية ومصير مشترك مجرد ترهات لا يصدقها الواقع.
في ظل هذه الظروف غاب فكر رواد النهضة وحدثت تلك القطيعة بين مثقف اليوم ومثقفي عصر النهضة، ومع هذه القطيعة انقطع الحبل السري الذي يغذي الفكر العربي بمرجعيات ثرية لا تزال صالحة لاستئناف حركة النهضة والبعث أو التنوير العربي الذي لم يكتمل؛ لهذا نجد أنه من واجبنا الآن وفي هذا الظرف تحديدا الذي يمثل لحظة مخاض عسير في تاريخ الفكر العربي، من واجبنا أن نعيد وصل ما انقطع من اجل أن تكون لنا رؤية سليمة وواعية وذات جذور اتجاه الواقع، والاستفادة من أخطاء الماضي بنقد عصر النهضة من جهة، والاستفادة من عناصره الحية من جهة ثانية، والتي يمكن بناءا عليها أن نهيأ نحن معشر المثقفين الجو العام لاستئناف الفعل النهضوي.
الاتجاهات الفكرية لعصر النهضة العربية:
بداية وقبل التطرق للاتجاهات الفكرية التي هيمنت على فكر عصر النهضة، يجب علينا منهجيا القيام بتحديد مفهوم النهضة، هذا التحديد الذي تأخرنا في إعطاءه سابقا أثناء تناولنا لبدايات النهضة وكان الغرض من إيراده هنا هو ربط المفهوم بالجو الفكري العام الذي ساد تلك الفترة التاريخية من حياة الأمة العربية والإسلامية، لان النهضة كمفهوم تتقاطع في الذهن مع مفاهيم أخرى مقاربة لها من حيث الدلالة والمعنى كالتحديث والتنمية والإصلاح والرقي والتقدم، وغيرها من المفاهيم التي كانت ولا تزال متداولة في الحقل الفكري العربي.
بعيدا عن التحديد اللغوي لكلمة نهضة والمستمدة من الجذر اللغوي " نهض" و ينهض نهضاً و نهوضا نهض و النهوض البراح من الموضع و القيام عنه . و انتهض أي قام .. و النهضة الطاقة و القوة، فالنهضة لغويا تعني القيام من مكان إلى آخر، وهي تحمل بداخلها قوة وطاقة تساعد على هذا الانتقال، أما المعنى الاصطلاحي للنهضة فهي: "نظرية الصعود من درجة إلى أعلى ، أو هي إيصال العرب إلى مستوى الحضارة الكونية و هي هبة مجتمعية تسعى إلى إكساب الحضارة القومية قدرتها على إنتاج المعارف و المهارات في تعامل متكافئ مع الحضارات الأخرى "(
[2]).
فالنهضة هي هبة مجتمعية كما اشرنا إلى ذلك وبالتالي فهي تعني أن كل أفراد المجتمع يساهمون فيها، غير أن النهضة العربية هي بالأساس نهضة قامت بها النخبة العربية، النخبة الفكرية على وجه التحديد، وأيضا ساهمت فيها ولو بنسبة بسيطة النخبة السياسية وخاصة في مصر مع محمد على باشا الذي فتح أبواب التحديث العسكري والصناعي، في حين اهتمت النخب الفكرية والإصلاحية بالجوانب الأخرى الفكرية والمجتمعية، وهذا ما خلق نوعا من التكامل بين المجهودات التي أوجدت عصر النهضة.
فالنهضة هي محصلة لعملية تغيير واسعة مست جوانب عدة من الحياة العربية، وكما يرى علماء الاجتماع، فإن أي تغيير يكون مدفوعا بعاملين: عامل ذاتي ينبع من الظروف الخاصة لمجتمع معين، وعامل خارجي يكون نتيجة الاحتكاك بالآخر وثقافته التي تؤثر عن طريق عملية التثاقف في الذات وتدفعها نحو التغيير، سواء قصد تمثل الآخر إذا كان أكثر تفوقا وهو ما حصل مع العرب لحظة التقاءهم بالغرب، أو بغية تجاوز بعض المعيقات التي تقف في وجه الذات وفي سبيل سيرها الطبيعي نحو مراحل أكثر رقيا من المرحلة الراهنة، وبالتالي فنحن عندما نطرح السؤال المنهجي والضروري لفهم أسباب قيام النهضة العربية: كيف حدثت النهضة؟
فنحن نكون دائما بصدد استحضار الآخر، والآخر الأوروبي على وجه التحديد، لان دور أوروبا كان حاسما وجوهريا في النهضة العربية التي لم تكن بسبب ذاتي، نظرا لان العرب كانوا في تلك الفترة التاريخية وما سبقها من فترات انحطاط طويلة، كانوا مستسلمين بإيمان قدري غبي لحالة التخلف والانحطاط، ولم يبادروا بالنهضة إلا عندما التقوا بالغرب المتقدم الذي اكتشفوا في مرآته مقدار تخلفهم وبالتالي فرض عليهم ذلك التحدي الحضاري الذي استوجب عليهم وعلى القوى الحية داخل الأمة أن تبادر بعمل يعيد للعرب مكانتهم الحضارية والعالمية المفقودة.
بداية النهضة كانت نتيجة محاولة التحديث القصرية التي قام بها السلاطين العثمانين وكذا الحكام الخدويين في مصر، لكن سرعان ما تلقفها المفكرون والاصطلاحيون الذ
ي وجدوا الفرصة المواتية وهم يستقبلون رياح التنوير الوافدة من أوروبا، لعمل شيء ما يساعد الأمة على النهوض واستعادة قيمها الأصيلة التي جعلت العرب في الماضي قوة حضارية كبرى من جهة، ومن جهة ثانية الإفادة من النهضة الأوروبية وعصر التنوير الأوروبي بنقل تلك التجربة النهضوية للآخر الأوروبي ومحاول استنساخها عربيا مع إجراء بعض التعديلات عليها حتى تتماشى وخصوصيات المجتمعات العربية الإسلامية.
وانطلاقا من ثنائية الذات والآخر أو العرب والغرب انقسم المفكرون العرب المبشرين بالنهضة إلى تيارات فكرية متعددة، اتفقت على ضرورة النهوض والقيام بحركة فكرية واجتماعية تعيد العرب لسالف مجدهم، ولكنهم في المقابل اختلفوا في الطريق الموصلة إلى هذه النهضة المنشودة؛ فأنتجت النهضة العربية تيارات فكرية رئيسية وأخرى فرعية داخل كل تيار، تلك التيارات الفكرية الرئيسية والتي سبق الحديث عنها بإيجاز واختصرناها في ثلاث تيارات رئيسية هي:
- التيار القومي العلماني.
- التيار السلفي الإصلاحي.
- التيار السلفي الأصولي.
بداية لابد من الإشارة إلى ملاحظة مهمة فيما يخص التيارات الفكرية المهيمنة على فكر النهضة العربية، وهي أن التيار الليبرالي العربي كان السباق والمبادر بالتغيير، وبالتالي ظل هو المهيمن على فكر النهضة وتحت لوائه انضوت التيارات الأخرى، خصوصا في المرحلة التأسيسية للنهضة العربية والتي يحددها حليم بركات بالفترة الممتدة من 1798 حملة نابوليون على مصر إلى 1914 بداية الحرب العالمية الأولى، حيث وبعد هذه المرحلة التأسيسية أي بعد الحرب العالمية الثانية كان بروز التيارات القومية والاشتراكية لافتا للانتباه، واستطاعت اخذ قصب السبق من التيارات الدينية الإصلاحية في قيادتها للحركة الفكرية العربية التي كانت استمرارا ( لحقه الكثير من التغيير ) للفترة التأسيسية للنهضة العربية.
ولكن قبل المضي قدما في تتبع مصير وصيرورة النهضة وكذا الخيبة التي منيت بها لاحقا ابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية، نعود إلى التطرق بشيء من التفصيل للتيارات الفكرية المهيمنة على فكر النهضة العربية، والتي يمكن اختصارها في تيارين رئيسيين تسهيلا للتناول وأيضا لان التيار السلفي أو الديني رغم اختلاف منطلقاته الفكرية بين السلفية الإصلاحية ( الأفغاني ) والسلفية الأصولية ( الوهابية ) إلا انه يلتقي عند نقطة مركزية وهي الإيمان بضرورة الإحياء الديني وان الولاء يكون للعنصر الديني بالأساس ثم للعناصر الأخرى التي لم يكن السلفيون اصطلاحيون أم أصوليون يرون فيها سوى عناصر يمكن الإفادة منها في تقوية العمران والاجتماع الإنساني القائم على الدين.
إذن، فقد كان التيار الديني الذي انطلق في بداية القرن التاسع عشر ميمنا بشكل كبير على بدايات عصر النهضة العربية، والذي كان يدعو لضرورة تقوية الخلافة الإسلامية في وجه الزحف الأوروبي، سواء من خلال فكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتبناها السلطان عبد الحميد لاحقا لما رأى فيها فرصة ثمينة لتقوية نفوذه على الولايات العربية الخاضعة للحكم العثماني، وأيضا لترهيب القوى الأوروبية الطامعة في اقتسام ممتلكات الرجل المريض ( الخلافة العثمانية )، أو من خلال دعوته للإصلاح الديني وتنقية الإسلام من الشوائب التي لصقت به خلال فترات الانحطاط الطويلة، وقد انقسم هذا التيار إلى ثلاث جماعات أو تيارات رئيسة هي:
- تيار أو جماعة تقليدية متكونة من الفقهاء التقليديين ذوي المصلحة في بقاء السلطنة العثمانية مهيمنة على الدول العربية، وأيضا في بقاء الظروف الاجتماعية على ما هي عليه لان أي تغيير يهدد مصالحها من جهة، ولان الدعوات الإصلاحية التي كانت تتبناها التيارات الأخرى، كان أصحاب هذا الاتجاه يرون فيها دعوة مستترة للتغريب وإفراغ الإنسان المسلم من انتمائه الديني التقليدي، هذه الفئة ارتبطت بالخلافة العثمانية، كما ارتبطت باسم أبو المهدي الصيادي ( ت 1900) الذي ساهم مساهمة فعالة في اضطهاد رواد الإصلاح أمثال الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده، وعرف بمعاداته الشرسة لكل محاولات الإصلاح خصوصا ما يتعلق بالدستور والتمثيل النيابي، وبصفته مستشارا للسلطان عبد الحميد، فقد لعب دوار كبيرا في تراجع السلطات عن العمل بالدستور وأيضا التمثيل النيابي من خلال حل البرلمان المنتخب.
- التيار السلفي الإصلاحي: والمتكون من جماعة من رجال الدين والفقه رأوا في الإصلاح ضرورة يفرضها العصر وبالتالي بادروا بالإصلاح انطلاقا من رؤية دينية لا تهمل منجزات العصر والأفكار الوافدة من الغرب، هذه الجماعة " اهتمت بإحياء الدين الإسلامي والعودة به إلى نقاوته الأولى ،والتي انتقدت المؤسسة الدينية الرسمية، وعارضت السلطة في كثير من الأحيان . أبرز ممثلي هذه الجماعة السلفية :
جمال الدين الأفغاني ( 1839 ـ 1898 ) الذي حاول أن يزاوج بين الأخذ ببعض منجزات الحضارة الأوربية ( الحكم الدستوري ،العقلانية ، ..) ، وبين الدين الإسلامي ، على أن يظل الولاء الديني هو الولاء الأساسي ، الذي ينبغي أن تقوم على أساسه
الجماعات البشرية ، وهو ما جعله يدعو إلى الجامعة الإسلامية .ويعتبر كل من الشيخ محمد عبده(1849 ـ 1905 ) ومحمد رشيد رضا(1865 ـ 1935) من تلاميذ وأتباع الأفغاني ")[3](.
يرى تيار السلفية الإصلاحية أن سبب تدهور حال الأمة هو إهمال ما كان سببا في التقدم، أي الدين وجوهره الصحيح، وقيمه الأصيلة التي كانت وراء سيادة العرب والمسلمين في فترات لسابقة، ومن هنا فإن أي تقدم لا يكون إلا بالعودة أي الينابيع السليمة والصافية للدين الإسلامي الحق، البعيد عن تفسيرات فقهاء المؤسسة الرسمية الذين يحملهم أنصار السلفية الإصلاحية الجزء الأكبر من وزر التخلف الذي تتخبط فيه الأمة، " وبالتالي فإن عوامل نهوض الأمم تقوم على: تحرير العقل من الخرافات والأوهام وتحرير الفكر الديني من قيود التقليد ، وفتح باب الاجتهاد "(
[4])، وقد ظل لهذا التيار أتباع في كل العالم العربي حتى بعد فترة تراجع مقولات أمام التيارات الأخرى وابرز من مثلوا استمرار يته لاحقا جمعية العلماء المسلمين في الجزائر التي خاضت حربا ضد الصوفية ولو أنها لم تهتم بالشأن السياسي كثيرا نظرا لتركيزها على الجانب الديني والاجتماعي
- التيار السلفي الأصولي: هذا التيار تمثل في حركات الإصلاح الديني التي عرفتها شبله الجزيرة العربية على يد محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وأيضا في الحركة السنوسية بليبيا، والحركة المهدية بالسودان، التي كانت كلها حركات دينية محضة حاولت إصلاح الشأن الديني دون الالتفات للشأن السياسي والاجتماعي، وبالتالي لم يكن لها دور كبير في حركة النهضة العربية، خصوصا في المرحلة التأسيسية، وتأثيراتها كانت محلية لم تتجاوز في غالب الأحيان الرقعة الجغرافية التي وجدت في نطاقها، مع أن الحركة الوهابية سيكون لها دور كبير لاحقا في تاريخ شبه الجزيرة العربية، بعد قيام المملكة العربية السعودية، وتبني آل سعود للمذهب الوهابي كمذهب ديني ( إسلامي ) وحيد والعمل على تصديره لباقي البلدان العربية والإسلامية.
هذه التيارات الثلاث، هي التيارات الرئيسة داخل التيار الديني الذي بادر بالإصلاح وقاد رواده النهضة العربية وخصوصا التيار السلفي الإصلاحي الذي لعب دورا كبيرا وحاسما في حركة النهضة العربية.
ولكن وموازاة مع التيار السلفي الإصلاحي كان هناك تيار آخر علماني قومي بدأ بالبروز مع المعلم بطرس البستاني ( 1819 – 1891 ) الذي يعتبر رائد التيار القومي في العالم العربي، ورائدا من وراد النهضة العربية، كان ولا يزال لأرائه وأفكاره تأثير كبير على النخب الفكرية العربية، وهو
صاحب مقولة: " حب الوطن من الإيمان"، فقد كان بطرس البستاني يرى الوطن كبديل للخلافة لهذا دعا هو وأتباعه من التيار القومي، إلى ضرورة تبني فكرة الدولة / الأمة التي تعتبر بديلا ممكنا للدولة الشمولية التي مثلتها الخلافة على امتداد التاريخ الإسلامي، وقد رفع أنصار هذا التيارات شعارات وطرحوا أفكارا معارضة في جوهرها للأفكار التي نادى بها التيار السلفي حيث " شدد هذا التيار على الهوية القومية كبديل للخلافة أو الجامعة الإسلامية ، وعلى العلمانية كبديل للسلطة الدينية ، وعلى العقلانية كبديل للإيمانية المطلقة ، وعلى التحرر الاجتماعي (وخاصة تحرر المرأة) كبديل للنزوع التقليدي ، وعلى التطلع نحو المستقبل كبديل للتطلع نحو الماضي ، وعلى الوعي القومي كبديل للوعي الطائفي والقبلي والمحلي ، كما ونادى بأفكار الاندماج الاجتماعي ، وضرورة إحياء اللغة العربية والإقبال على التعليم الحديث"([5])، ومن ابرز ممثلي هذا التيار بالإضافة إلى المعلم بطرس البستاني نجد:إبراهيم اليازجي (1847 ـ1906 ) ، يعقوب صروف(1852 ـ 1927) ، جرجي زيدان(1861 ـ 1914) ،قاسم أمين (1863 ـ1908) صدقي الزهاوي (1863 ـ 1936 ) ، محمد كرد علي(1876 ـ1953) ،رفيق العظم(1865 ـ 1924) ، شكيب أرسلان (1869 ـ 1945 ) ، أحمد لطفي السيد(1872 ـ 1936) ، ولي الدين يكن (1873 ـ 1921) ، معروف الرصافي(1875 ).
لقد كان هذا التيار من المؤيدين لضرورة زوال دولة الخلافة لصالح قيام دول وطنية مستقلة بذاتها، لهذا كانت دعوات بطرس البستاني لوطنية لبنانية مثلا ( باعتباره لبنانيا ومهموما بما يحدث في وطنه ) تقوم على أساس الانتماء للبنان بعيدا عن الانتماءات الطائفية والعرقية والدينية، ولهذا كان يرى في العلمانية غير الملحدة نظاما يمكن من خلاله تكريس الانتماء للوطن وإبعاد فتيل الأزمات التي تحدث بسبب الدين والعرق، لقد كان التنوع العرقي والطائفي في بعض دول المشرق العربي كلبنان وسوريا ومصر من جهة، ومحاولة السلطنة العثمانية إلغاء ذلك الصراع الطائفي والعرقي لصالح إيديولوجية واحدة مفروضة من طرف الباب العالي لا يؤمن بها غالبية أفراد الأمة من جهة ثانية، سببا في تبلور أفكار هذا الاتجاه القومي العلماني الذي أنتج خطابات متميزة على المستوى الفكري ومبادرات عملية على المستوى العملي من خلال إنشاء الصحف والمدارس والجمعيات السرية والعلنية التي تكفلت بنشر مبادئه وأفكاره ومع هذا الاتجاه "برزت مقولات نهضوية ذات طابع نوعي ولم تكن معروفة في السابق. منها الدعوة إلى المساواة والديمقراطية وفصل السلطات والمجالس البرلمانية المنتخبة والتمثيل الشعبي وحقوق الإنسان ورفض الاستبداد وتبني مقولات الليبرالية الاقتصادية، وحق المرأة في التعليم والعمل ونشر مفاهيم التمدن والتحديث والتقدم، والعلمانية غير الملحدة والدعوة إلى الوطنية ومعها الدولة الوطنية، والقومية ومعها الدولة القومية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ورفض كل أشكال الاستعمار والسيطرة الخارجية."(
[6])
وغير بعيد عن هذا التيار يمكن أن نعثر على تيار فكري آخر قريب جدا من هذا التيار ولكنه أكثر راديكالية منه تمثل في:
التيار التقدمي الثوري: هذا التيار المشبع بالأفكار الاشتراكية التي بدأت تغزوا العالم بداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سواء كانت اشتراكية طوباوية أم اشتراكية علمية، كان متأخر الحضور في الحياة الفكرية لعصر النهضة العربية، ولكنه لعب دورا محوريا في فترات لاحقة أي بعد الحرب العالمية الأولى، حيث انه استفاد من مقولات تيار البستاني المتعلقة بالوطنية والعلمانية، وزاد عليها بعضا من أفكاره الخاصة المستمدة من الاشتراكية كالعدالة الاجتماعية والمساواة ومحاربة الاستغلال وغيرها من المقولات العزيزة على الاشتراكيين والماركسيين، وهذا التيار سيلعب دورا كبيرا في الحياة السياسية والفكرية للعالم العربي من خلال الأحزاب الاشتراكية والشيوعية التي سوف تتأسس بداية من الحرب العالمية الأولى في العديد من البلدان العربية انطلاقا من الأفكار التي نادى بها هذا التيار، ومن أهم وابرز ممثلي هذا التيار نذكر: عبد الرحمن الكواكبي(1845 ـ1902) ، شبلي شميل (1850 ـ 1917) ، فرح أنطون(1847 ـ1922) سلامة موسى(1887 ـ1958) الذي يمكن اعتباره مخضرما بسبب معايشته كل من مرحلة النشأة والمرحلة التالية لها( مرحلة مابين الحربين ).
خلاصة
ما يمكن استخلاصه من خلال استعراضنا لأهم التيارات الفكرية التي كانت سائدة في عصر النهضة العربية، هو أنها جميعا تيارات قاربت الواقع وبحثت عن أسباب التخلف انطلاقا من العقل، فباستثناء التيار السلفي الأصولي الذي كان تيارا دينينا محضا هدفه كان الإحياء الديني وتخليص الدين مما لحق به من شوائب خلال فترات الانحطاط بالرجوع إلى النبع الصافي للإسلام، فإن التيارات الأخرى جميعا كانت تيارات عقلانية بشكل من الإشكال حاولت توظيف العقل والاجتهاد دون تجاوز الدين، وبالتالي ضرورة أن تقوم النهضة العربية على ثنائية العرفان والبرهان بلغة المتصوفة، فالعقل والاجتهاد هو القاسم المشترك بين جميع هذه التيارات التي اختلفت مع بعضها البعض في أمور أخرى كثيرة ومتعددة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] 1 - على الرغم من اتفاق معظم المؤرخين لبداية النهضة العربية على اعتبار سنة 1798 ( حملة نابوليون على مصر) بداية للنهضة العربية ، إلا أن هناك تحديدات أخرى وبدايات مختلفة حسب كل مؤرخ ويمكن إجمال أهم الآراء حول بدايات النهضة العربية في النقاط التالية: يؤرخها فاروق ابوزيد بـ 1828 الذي هو تاريخ نشأة الصحافة العربية ،ويؤرخها حليم بركات بـ 1798 وهو تاريخ الثورة الفرنسية ويطلق عليها تسمية المرحلة التأسيسية ، ويؤرخها البعض بظهور الوهابية على يد محمد بن عبد الوهاب[1703 ـ 1792] وشقيقتيها السنوسية والمهدية ،ويؤرخها البعض بتأسيس الجامعة الإسلامية على يد جمال الدين الأفغاني [1838 ـ 1897 ] ، ويبدؤها العديدون بدخول نابليون إلى مصر وجلبه لأول مطبعة عربية وهي مطبعة بولاق سنة 1803 ، ويقرنها آخرون بظهور محمد علي باشا في مصر ...الخ )

- زكي طاهر محمد العليو، النهضة في الوطن العربي ..البدايات والآفاق [2]
http://www.balagh.com/islam/1p0owuf7.htm

- احمد الزغبي: مدخل منهجي لدراسة الفكر الاجتماعي العربي الحديث. [3]
http://www.arraee.com/modules.php?name=News&file=article&sid=18412

- نفس المرجع.[4]
- احمد الزغبي مرجع سابق[5]
[6] - مسعود ضاهر، المعلم بطرس البستاني ومأساة رواد النهضة بنا!
http://www.almustaqbal.com/nawafez.aspx?StoryID=106764

ردود على "أزمة المثقف العربي ( 3 )"

أترك تعليقا

conter