الخميس، يونيو 18، 2009

علاقة الهوية بالدين لدى النخبة العلمانية

سفيان ميمون
minoune78@yahoo.fr
ثمة اختلاف بين في النظر إلى الهوية وارتباطها بالدين بين المشرق والمغرب، نتيجة التركيبة الاجتماعية والدينية التي تميز أقطار الوطن العربي، فسمة المشرق العربي تعدد واختلاف الطوائف الدينية في مجتمعاته ، لذلك نجد اختلافا واضحا في التصورات والرؤى حول الهوية ، بل ونجد صراعا ثقافيا وسعيا أيديولوجيا لترسيخ تصور ما عن هوية مجتمع بذاته ، خذ لذلك مثلا سعي القوميين العرب لتسويق تصور عن الهوية قائم على الوطن واللغة بعيد عن الدين ، يقابل هذا حرص على إثبات الدين كعنصر أساس من عناصر الهوية لدى الإسلاميين ، وهو واقع مبرر في مجتمعات متمايزة في خصوصياتها الدينية ، وعلى العكس من ذلك نجد في مجتمعات المغرب العربي انسجاما كبيرا في الخطاب الثقافي حول علاقة الهوية بالدين ، وإن كانت العلاقة بين الهوية وعناصر أخرى يشوبها كثير من التوتر على غرار اللغة والتاريخ نتيجة التمايز العرقي الذي يمثله عنصرا العرب والبربر، انسجام واضح في الخطاب الثقافي بين مختلف فئات النخبة المغاربية والجزائرية تحديدا – إسلامييها وعلمانييها – حول اعتبار الدين عنصرا من عناصر الهوية ،فإذا كان تصور الإسلاميين للهوية واضحا ومحسوما مذ اختاروا اتجاههم الفكري والديني في الوقت نفسه بأن الدين ركن أساس في هوية الأمة ، فإن الذي يدعو إلى التأمل والسؤال هو اتجاه العلمانيين إلى إنتاج ذات الخطاب حيث الدين أيضا مكون أساس للهوية الجماعية ، فهل يتماشى هذا الخطاب مع حقيقة التصور العلماني للمجتمع ؟ وهل يمكن للدين أن يكون حاضرا في مجتمع يجب أن يفصل عن الدين ؟.
قبل هذا لا بد من الرجوع إلى الممارسة العلمانية التي لا تثبت – ولا شك- على صيغة واحدة ، إنما هي أكثر من شكل ، شكلان على ما يبدو : علمانية متطرفة تلغي الدين وتقصيه وتضع الحواجز أمامه كي لا يمر إلى المجتمع بل يبقى حبيس الشخص لا يتعداه ، وهي علمانوية صراعية بتعبير محمد أركون ، تقابلها علمانية تقبل الدين كتراث خصب للدراسة والتأويل العقلاني ، وهذا النوع من العلمانية هو الذي يركز عليه كثير من مفكرينا ، لكن قبول هذه الفئة من العلمانيين بالدين لا يعني تجاوزه حدود الشخص وإحاطته بهالة من القداسة على المستوى الاجتماعي، كلا بل إن العلمانية لا تعرف للدين قداسة وإلا لما كان ثمة قدرة على الدراسة العلمية لنصوصه ، ولما كانت هناك حرية في تدبر محتويات هذه النصوص .
وتنظر هذه الفئة من العلمانيين إلى نصوص الدين الإسلامي وعلى رأسها القرآن كنص أول على أنه نص بشري وليس نصا إلهيا لاعتبارات الفهم والتأويل والتفسير وهي صفات بشرية تتجه من البشر إلى النص القرآني ، فهو بهذا اتجاه لإقرار فلسفة مايريده البشر من هذا النص وليس مايريده النص من هؤلاء البشر ، إنها تعمل على أنسنة الحياة الاجتماعية من خلال تغيير أماكن السلطة بين العقل والنص الديني حيث السلطة للعقل أي للإنسان.
فخطاب النخبة العلمانية عن علاقة الدين بالهوية في أحد جوانبه – وأنا أتحدث هنا عن النخبة الجزائرية والمغاربية عموما – هو خطاب ائتلاف وتلازم : الهوية تقوم على الدين والدين مكون أساس من مكونات الهوية، لكنه خطاب منفعي على مايبدو ، فرضته حتمية المحافظة على البقاء ، وأدى إليه الخوف من الرفض الاجتماعي ، حيث المجتمع لا يقدس من لا يقدس مقدسه ، بل يمقته ولا يصغي له في قول ، خطاب غير منسجم مع ذاته رغم أنه يبدو مؤتلفا مع خطابات أخرى في حقل أيديولوجي مختلف ومتنوع ، فبينما تدعو العلمانية إلى حصر الدين في حدود الشخص وإبطال تطبيق الحدود والأحكام التي جاء بها النص الديني – القرآن – بداعي الحرية الشخصية كعنوان عن إبعاد الدين عن المجتمع ، نجدها تصر في خطاباتها على أن الدين من مكونات الهوية الثقافية للأمة ، إنه تناقض واضح وصريح لأن الدين هنا لن يكون سوى مكون من مكونات الهوية الفردية أو الشخصية بينما هم يتحدثون عن الهوية الجماعية .
قد يكون من الضروري أن نفهم أن نخبنا العلمانية تنظر إلى الدين الإسلامي كمرادف للثقافة الإسلامية ،بينما هو مختلف عنها لأننا إذا نظرنا إلى الدين وجدناه ملزما في حدوده وأحكامه عكس الثقافة التي تتسم بالمرونة وتقبل الأخذ والرد وفق الحاجة ،فالثقافة الإسلامية يمكن أن تكون أسا من أسس الهوية لدى العلمانيين على خلاف الدين الذي لايمكنه ذلك لأنه مقصى في الواقع من خلال تعطيل النصوص التي تتضمن الحدود والأحكام، لربما هو نوع من التقية الثقافية والفكرية حيال المجتمع هذا الذي تسوق له خطابات نخبنا العلمانية .

الجمعة، يونيو 12، 2009

شذرات الوجع



الله المتعالي
الذي يسكن السماء
يتجلى أكثر رحمة
في سلوكات الآخرين

الآخرون ليسوا
هم الجحيم
فقط هم باب
تنفتح على جهنم


كم كنت مغفلا
حين اعتقدت أن حبك
وحده سيقودني للفرح
لقد تبعته مؤمنا به
فأوصلني لحافة الانهيار


فقط حين أخلو لوسادتي ليلا
أتذكر أوجاعي
واستحضر كل الخسائر
التي منيت بها
في طريقي إلى شواطئ عينيك


كانت امرأة بلا ملامح
أحببتها
فخانتني
فانتزعتها من روحي
فقتلتني


كان يحلم
بخبز أبيض
وامرأة يأوي إليها
ليلا
لكنه يصحو دوما
ليذهب إلى المقهى
ويتكأ على حائط أصم
دامع القلب


كان صديق طفولتي
صار نجما وغنيا
وصرت محبطا بلا أفق
والفرق بيننا
له القدم
ولي القلم


فقط بعد ذلك الحادث
أدركت أن الموت
يأتي دوما
في صورة امرأة تتعرى للريح


ليست كل النساء مثلك
وحدك من انغرست
كالرمح في القلب


كوني سرا
لا يعلمه سواي
وسما وترياقا
لا يتجرعه سواي



الماضي لم يكن
أمسا عشناه
أنه الغد الذي يترصدنا
ليسرق كل طموحات اليوم


تاريخنا لم نقرأ منه
سوى لحظات مضيئة
تتجلى كنجمات في ليل حالك


حزين حتى الموت
لهذا اكتب بعيدا عن القلب
عن شؤون تشغل العقل
وتغيّب نبضات القلب الموجوع


أعوام العمر القصير
قضيتها بحثا عن وطن
يسكنني
بعيدا عن الأرض التي اسكنها
كم هو موجع سؤال الوطن


كان أكتوبر حلما
شاهدته على شاشة التلفزيون
كطفل ينبهر بمشهد الأطفال
وهم يغرقون المدينة بالصخب
وبعد سنوات
عايشته كابوسا
تسكنه الجثث المتناثرة

السبت، يونيو 06، 2009

الحكم باسم الله؟!!!

ثنائية الضلال والهدى أو الحق والباطل، أو بتعبير آخر ثنائية النباهة والاستحمار كما وظفها علي شريعاتي وهو يقدم نقدا لنظام ولاية الفقيه الذي يقوم عليه الفكر السياسي الشيعي المعاصر، هي نفس الثنائية المتحكمة بكل المجتمعات التي تقوم فيها نظم أو أحزاب معارضة تحكم أو تتكلم باسم الله وكأنها هي الناطق الرسمي باسم الإرادة الإلهية، وفي شخوص زعمائها( زعيم دولة أو زعيم حزب معارض) تحل بعض صفات الله لتعصمه من الخطأ وتجعل كل ما يصدر عنه ليس في النهاية سوى تعبيرا بليغا عن المشيئة الإلهية.
نحن كمسلمين ارتبط نظام الحكم عندنا ومنذ انقلاب معاوية على الشرعية الشعبية ( على بن أبي طالب ) بهذه الصفات التي يزعمها الحاكم لنفسه، وكما يخبرنا ابن خلدون فإن قيام الدول والإمارات في بلاد الإسلام كان يحتاج لعصبة أي بالتعبير الحديث لأنصار سياسيين ( مناضلين ) يلتفون حول الزعيم الرمز لأجل دعمه لبلوغ السلطة ، سواء بالانقلاب على السلطة القائمة ( وهذا ما يحدث غالبا ) أو بإنشاء دولة أسلامية جديدة ( عن طريق الفتح )، ولكن الفرق بين العصبة التي يستند إليها الدعاة السياسيين عبر التاريخ الإسلامي لأجل إنشاء دول وإمارات وبين المناضلين السياسيين في الوقت الراهن يكمن في أن العصبية تقوم على أساس قبلي وديني حيث القبيلة توفر العدة البشرية اللازمة في حين الدعوة الدينية تعطي شرعية وقداسة لتحرك العصبية القبلية نحو السلطة مسكونة بيقين ديني يبرر سعيها للسلطة حتى لو مرت على جماجم المسلمين .
استند الحكم في الإسلام على ربط تعسفي بين الحاكم والله، فحتى لفظ الخلافة وصفتها تبدلت، حيث أنه مع خلافة أبي بكر كان يلقب ولي أمر المسلمين بأمير المؤمنين وخليفة رسول الله، وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة صار أميرا للمؤمنين وخليفة خليفة رسول الله ، فالخلافة كانت خلافة للرسول في تسيير شؤون الدولة وليس في الوحي ولا في العصمة، ولكن لاحقا انتقلت الخلافة من خلافة رسول الله في أمر دنيوي إلى خلافة الله، فصار الحاكم خليفة الله، مع تمتعه بصفة الملك المطلق الحق في التصرف في الرعية وفي أموال الرعية ( بيت المال ) وإضافة القرابة بين شخصه والله لأجل إعطاء شرعية وقدسية دينية لحكمه ونظامه ودولته .
ومن هنا يصير الحاكم المتمسح بشرعية الله باعتباره ظل الله في الأرض مطلق التحكم في أمور الدين والدنيا وهذا ما يجعل منه مرجعية متعالية لا تحتمل النقد، وهذا ما ولد ما يسميه كارل وماركس بالاستبداد الشرقي ليس كنظام اقتصادي قريب من الإقطاعية في آليات عمله، إنما كنظام سياسي تختفي في ظله أية إمكانية لبروز سلط مكلمة لسلطة الخليفة / الحاكم، وتتحول المعارضة والرفض إلى رفض عنيف ومسلح يهدف لإلغاء النظام، لأنه لا مجال لوجود معارضة سلمية في ظل تركز السلطة الدينية والزمنية في يد الخليفة وحده.
فالخليفة / الحاكم ونظرا لتماهي صفته مع صفة الله، وتمتعه بسلطة دينية بالإضافة لسلطته الدنيوية يكتسب سلطات واسعة تخوله استتابة الناس المارقين، وهؤلاء المارقون في نظره ما هم في الغالب سوى من يرون أنه مجرد شخص غير معصوم
وانه لا يحق له احتكار الدين والحديث باسم الله ، أي الراغبين في تجريده من سلطته الدينية الطاغية لكي يفسح المجال أمامهم لتحقيق تطلعات سياسية بعيدة عن حضوره المطلق في الزمان والمكان والذي يسد أمامهم كل الأبواب والنوافذ.
هنا حين نجد الحاكم وقد صار يرى نفسه ظلا لله في الأرض وقد جمع من حوله رجال الدين ليسبغوا عليه صفة حارس الدين والناطق باسم المشيئة الإلهية والراعي لشؤون المسلمين. سنكون بصدد حكم مطلق يلغي حرية الناس ويصادر حقوقهم باسم ضرورة الامتثال لأوامر الله وسنجد كل المعارضين للحاكم قد صنفوا في خانة الزنادفة والهراطقة الذين يستتابون وتهدر دماءهم باسم الشرع
باختصار هكذا نظام وهكذا أحزاب تستمد سلطتها من الله مباشرة لأنها بحسب رأيها واعتقاها تمثل مشيئته، يمثلون خطرا على الحرية ومصادرة لها وإلغاء لعقول الآخرين ، وهذا ما يخلق احتقانا اجتماعيا يؤول حتما للفوضى ( والتاريخ الإسلامي على امتداده يعطينا أمثلة كثيرة عن الفتن التي حدثت بسبب التنازع على السلطة السياسية والدينية )؛ وحين ننظر لتجارب حديثة في العالم العربي والإسلامي عرف محاولات لقيام أنظمة حكم دينية تستمد شرعيتها من الله، سنرى أن النتيجة هي التفكك والفوضى الذي طال تلك الدول. فتجربة السودان وباكستان مثلا تعطي أمثلة واضحة عن مقدار الشرخ الاجتماعي والسياسي والأمني ( وهذا الأهم ) الذي يحدثه هكذا نظام؛ والتجربة الجزائرية تعطي مثالا آخر عن مقدار الخراب الذي يمكن أن يلحق بالمجتمع نتيجة تطلع أحزاب سياسية إلى الحكم باسم الله وتمثيله في الأرض، فالأحزاب الإسلامية لم تنتج في النهاية سوى عنف ضد الدولة والمجتمع وحتى حين تصل للحكم لفترات قصيرة فإنها تنفجر من الداخل وتفجر الدولة معها ( السودان كمثال ).
لهذا أنا أرى أن العلمانية وبمفهوم منفتح لا يعارض الدين ولا ينفيه للمساجد هي الأصلح لمجتمعاتنا الحديثة ، فمثال تركيا يعطي دلالة عميقة عن الدور الذي يمكن أن تقوم به العلمانية في أفراغ الدين من شحنته التناحرية حين يلصق عنوة بالسياسة، في تركيا يحكم حزب إسلامي ورئيس الحكومة أو نواب الحزب في البرلمان يقدمون مشاريع قوانين يمكن إرجاعها ببساطة لمراجعها الإسلامية ( الشريعة ) ولكنها تقدم باسم الفرد أو الهيئة أو الحزب ولابد أن تقنع الآخر
ين حتى يتم تبنيها لأنها تقدم كرأي فردي يحتمل الخطأ والصواب وليست ، كما كان يردد أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر:" لا قانون لا دستور..قال الله قال الرسول ".
في هكذا أنظمة منفتحة تأخذ بالرأي دون تعصب ودون قدسية نستطيع أن نمنح ثقتنا للأفراد لأجل أن يسنوا قوانين مستمدة من الشريعة ولكنها لا تقدم كأمر واجب التطبيق دون نقاش ومن يرفضه فله الويل والثبور وعظائم الأمور ( ربما الموت ) .
أنا عشت بالجزائر عشرية كاملة من عمري قضيتها على أخبار الموت والقتل المجاني كنتيجة لمحاولة البعض إقامة دولة على أساس ظل الله في الأرض وعلى أساس شرعية دينية محضة تكفر كل من يرفضها أو يعارضها ؛ والنتيجة عشرات آلاف الضحايا. ولهذا أرى أن الشعار الذي يرفعه أنصار الإسلام السياسي والقائل بان الإسلام هو الحل دون يوضحوا ماذا يقصدون بالإسلام تحديدا في المجال السياسي، ودون يوضحوا آليات الحل وماذا يحلون من إشكالات، فهم يقدمون الشعار كمعطى جاهز يقبل دون نقاش، ولمن يقبله جنة النعيم لأنه يقبل الإسلام، أو يرفض جملة وتفصيلا، ولمن يرفضه التكفير أو الاستتابة لأنه يرفض الإسلام ، مع أن الرافضين لهذا الشعار الفضفاض والذي يستغل كمطية لتحقيق أغراض سياسية ودنيوية محضة مسلمون ولا شك في إسلامهم. هذا الشعار ينبغي أن يتوارى لصالح شعارات دقيقة ومحددة وممكنة التطبيق، وهكذا فقط يمكن لتيار الإسلام السياسي أن ينخرط في مجال السياسية دون دوغماتية لا تنتج سوى الخراب، وان يتنازل قليلا ليقبل التنافس مع التيارات الأخرى التي تستند لمرجعيات مغايرة، دون أن ينظر إليها على أساس أنها تيارات ضالة.

الثلاثاء، يونيو 02، 2009

غزالة لروح مالك حداد

قرأت مالك حداد بالعربية في " التلميذ والدرس"و"سأهبك غزالة"، ربما تهجيره للعربية التي التزم الصمت لعجزه عن الكتابة بها افقد النص المالكي بعض بريقه ووهجه. قرأته شعرا في ديوان" الشقاء في خطر".
ومالك حين يكتب الراوية يكتبها بنفس شعري حتى إنني لم أجد فرقا بين النص الروائي والنص الشعري عنده، اقصد لم أجد فرقا شاسعا فمالك هو نفسه حين يكتب شعرا وحين يكتب نثرا، هو الإنسان العاشق والمسكون برومانسية لا تنتهي وبعمق فكري قلما نجده عند جيله من الكتب رغم انه جايل العظماء مثل كاتب ياسين ومولود معمري وفرعون ومحمد ديب وآخرون، وقد تمايز عنهم بشفافيته المفرطة في كل ما كتب ، فمالك يكتب وكأنه يبوح بسر.
مالك ومن خلال بضعة سنوات فقط هي عمره الإبداعي استطاع قول الكثير ليركن بعدها لصمت رهيب ويدخل في حالة تشبه الانتحار.
ربما عرفته أكثر من خلال ما كتبه عنه شرف الدين شكري الذي يعتبر واحدا من المتخصصين في مالك حداد الذي لم نكتشفه بعد رغم أننا نستحضره كصنم
نحن لا نزال نستحضر مالك حداد إيديولوجيا، نستحضره من خلال مقولة " الفرنسية هي منفاي " دون أن ننتبه لنصه ونقرأه بالعمق والاهتمام الذي يستحق، لم نقرأه كما يجب أو قرأناه بأفكار مسبقة وبمقولات استقيناها من هنا وهناك.
حين يلومه كاتب ياسين واسياخم ويتهمونه بموالاة النظام عقب الاستقلال، وحين يلومه رجال الدين على أساس انه استسلم لانتحار بطيء عقب الاستقلال من خلال الغرق في الخمر، وحين يهرب خالد بن طوبال من نصه إلى نصوص أخرى ليتم تشويهه أو على الأقل إلباسه لباسا غير مالكي.
حين نطلع على كل هذا مسبقا ونقبل على قراءة مالك حداد مدججين بأحكامنا المسبقة
نغتاله مرات ومرات، هو الذي قرر اغتيال إبداعه وسجنه بداخله حتى لا يرى النور بغير لغة الوطن.

الوطن الذي شكل قصيدة شجية امتدت على كل الصفحات التي كتبها مالك حداد بلغة غير لغة الوطن، بلغة هي اليوم غنيمة حرب لدى كل المتطلعين للانتشار في الفضاء الفرانكفوني بعدما كنت عند مالك وجيله وسيلة لقول الأنا بلغة الآخر، ووسيلة لتجاوز أدوات الصدارة les majuscules كما كتب ذات يوم عن الواقع الثقافي والإيديولوجي المتشنج
اليوم ونحن نستحضر مالك حداد لا نملك سوى أن نتفهم بؤسه ككاتب زرع في طريقنا ورودا لم تعد قادرة على البوح بعطرها وظل حتى آخر نفس يشفق على الشقاء الذي رأى انه مهدد بخطر قادم رغم أن ذلك الخطر لم يكن غير الاستقلال أو هكذا اعتقد.

الاثنين، يونيو 01، 2009

دين وسياسة...


من المثالية أن نعتقد بان السياسة منفصلة عن الدين أو عن الثقافة أو عن أي مجال من المجالات الأخرى، فكما يقول الراحل ادوارد سعيد: السياسة ترافقنا في كل مكان.
العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة في المفهوم الشائع عنها بمعنى جعل القوانين الناضمة للحياة السياسية نتيجة اجتهاد الأفراد وليست نتيجة ترجمة حرفية للنصوص الدينية لأن النص الديني يتمتع بقدسية كما انه يحتمل عدة تأويلات، وتعدد التأويلات التي تكتسب بدورها شيئا من القدسية، يجعل تنازل أي طرف عن رأيه الذي يرى انه من صميم الدين أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، ولهذا تحدث الفتن بسبب الدين والتي تتجلى سياسيا.
السياسة مرتبطة بالزمني وهي فن من فنون الممارسة الميكيافيلية ، هي فن العمل في حدود الممكن ( كما يعرفها الأكاديميون ). في حين الدين يتسم بمعيارية الفهم والممارسة، وهنا يقع التعارض بين الدين والسياسية رغم الخلط الذي يقع بين الممارس
ة السياسية والاعتقاد الديني الذي يكون توظيفه من طرف رجال السياسية بمثابة بحث عن شرعية دينية ( مقدس ) للفعل السياسي ( زمني/ دنيوي).
نحن حين نخلط الدين بالسياسية فإننا نسيء للدين نتيجة إخضاعه لمقتضيات الأمور السياسية التي لا تحيل على النبل في غالب الأحيان، فحين تفسد السياسة تفسد الدين معها، وبما أن السياسة متغيرة والدين ثابت ولو نسبيا، فإن جعل الإسلام دين ودولة كما يقول أنصار الإسلام السياسي تكون نتيجته هي تنفير الناس من الدين الذي يوظف لأجل إعطاء مشروعية للعمل السياسي حيث نتيجة مزجه بالسياسة فإنه ينزل من عليته وقدسيته إلى مستوى التحالفات الظرفية والتكتيكية التي تغيير بين عشية وضحاها لمقتضيات سياسية.
وهذا الأمر فيه إساءة للدين في ذاته، كما أنه يفقد السياسة انفتاحها حين تمزج بالدين وتتحول إلى دوغما أو اعتقاد ثابت لا يتغير، وهذا أمر مناقض لمفهوم السياسية السابق الذي هو فن العمل في حدود الممكن.

الأحد، مايو 31، 2009

الرفض الشعبي والحركات الاجتماعية

تتمظهر الحركات الاجتماعية ذات الطابع الاحتجاجي في العالم العربي كردات فعل عن الخيبات والانكسارات والهزائم المتتالية التي يرزح تحتها الموطن العربي والتي تشعره بالخزي والمهانة في كثير من الأحيان، ولكن هذه الحركات الاجتماعية التي تستند أحيانا لحركات جمعوية ومجتمع مدني مسنود من طرف فئات وشخصيات راغبة في التغيير، لم تتجاوز بعد مرحلة رد الفعل، أي أنها لم تتنقل لمرحلة المبادرة بالفعل وظلت منذ فترة طويلة أسيرة الانفعالية والتفاعل مع المستجدات، أي أنها لا تزال أسيرة مرحلة الاستجابة للتحديات المطروحة علينا كمجتمع وكأمة في مرحلة عصيبة من تاريخها.
أرى انه قد حان الوقت للانتقال لمرحلة أخرى من مراحل تطور هذه الحركات الاحتجاجية، فعلى الحركات الاجتماعية الهادفة إلى التغيير والعاملة لأجل بلوغه أن تتجاوز مرحلة رد الفعل التي هي عليها الآن وتنتقل لمرحلة الفعل الواعي والهادئ والمتواصل الذي يؤسس لممارسة سياسية بديلة للممارسات المتكلسة التي أفلست في نظر الإنسان العربي البسيط المطحون تحت وطأة الواقع وتسارع الأحداث التي لا يدرك كيفية التعامل معها بفاعلية.
الحركات الاجتماعية نشأت في الوطن العربي كردات فعل عفوية عن الظلم والاضطهاد الممارس على الإنسان العربي سواء من طرف الأنظمة السياسية أو من طرف القوى الأجنبية وبالتالي فهي تتسم بالمرحلية والمناسباتية وهذا ما يجعلها عاجزة تماما ( في الوقت الراهن ) عن التأسيس لطروحات بديلة تكون لها إمكانية التطبيق وإمكانية طرح البديل المقنع سواء بالنسبة للنظام السياسي أو بالنسبة لجموع المواطنين الذي يؤيدون هذه الحركات دون أن تكون لهم ثقة كاملة في قدرتها على إحداث التغيير المطلوب والذي يعد مطلبا أساسيا لكل الفئات الاجتماعية المتضررة من الوضع الراهن.
ما يعاب على هذه التنظيمات أيضا هو عدم قدرتها على التأسيس ليوتوبياها الخاصة التي تحدد الهدف بدقة وترسم طريق الوصول إليه، إنها تكتفي في الغالب بالشعارات وبالرفض الذي هو ميزة الشارع العربي في هذه المرحلة المتشضية من تاريخنا الاجتماعي والسياسي. وهذا العجز عن تسويق يوتوبيا تعبوية تحضا بالحد الأدنى من القبول الجماهيري ومن الإمكانية الواقعية للتطبيق ناتج عن الفسيفساء الإيديولوجية التي تندرج ضمن هذه الحركات دون أن تنصهر فيها لتشكل لرؤية تتسم بالانسجام الإيديولوجي رغم تعدد المشارب الفكرية التي تنهل منها هذه الحركات، وهذه الحالة التي تعانيها هذه الحركات تفقدها الانسجام المطلوب لأي حركة شعبية ذات أهداف محددة وذات رؤية فكرية متسقة .
كما أن هذه الحركات الاحتجاجية الراغبة في منازعة السلطة السياسية بعضا من هيمنتها على المجال السياسي تفتقد للوسائل المادية التي تمكنها من تحقيق أهدافها، والرفض حين يفقد وسائله المادية التي تمكنه من التحول لفعل تغييري يكون مجرد وهم ورغبة لا تلتقي بمعادلها المادي في المجتمع ، وهذا للأسف حال الحركات الاحتجاجية في العالم العربي رغم كون دائرتها في اتساع ورغم الرغبة التي تبديها في مناوئة السلطة، والقدرة التي تكشف عنها باستمرار في تعبئة الجماهير، إلا أنها تظل في مرحلة جنينية قد تبشر بتغيير قادم دون أن ترسم ملامحه بدقة.

السبت، مايو 30، 2009

أسئلة الثقافة بين التجديد والتقليد

سفيان ميمون
minoune78@yahoo.fr

مشكلة الثقافة في إحدى زواياها تكمن في وقوعها بين شقين : شق الرسالة وهو تحديد دور لها لا يتعدى نقل قيم معينة والمحافظة على أسلوب محدد في الحياة ترسم كثيرا من جوانبه العناصر الثقافية التي اتخذت أشكالا معينة في الماضي كالعادات وأنماط التفكير وطرق الوعي بالقضايا الدينية أو القضايا التي يكون للدين موقف منها، وشق التحرير أي تحرير الذات الثقافية من عبء ماضوي وإعادة بناء الذات انطلاقا مما أنتجه العصر من قيم حديثة كانت لدى كثير من الأمم والشعوب قواعد متينة للبناء والتشييد .
هذا المشهد الذي يرسمه واقع الثقافة وتبرزه الممارسات الثقافية الراهنة يوحي بأن ممارسة الثقافة كرسالة إنما هي مجرد إيديولوجيا يحاول القابعون وراءها تعميم تفاصيلها وترسيخ أجزائها ، بينما ممارستها ضمن قالب " تحريري " هو بعد عن الأيديولوجيا وتحرر من سلطة المقدسات " اللغة والدين والعادات .." وتحكيم للعقل ، لكن أي عقل ؟ إنه العقل العلمي الذي أنتج قيم التنوير وصنع الحداثة بمفهومها العام ، لكأننا أمام سجنين للفكر متشابهين متماثلين : سجن الماضي بقيمه وأنماطه ، وسجن الحاضر بمعطياته ومفرزاته !!
يتحدث المتحدثون عن الرسالة ويصفونها بالنبالة فمتى يصدق عليها هذا الوصف ؟ الواضح أن نبل الرسالة متصل بنبل القيم التي تنقلها هذه الرسالة ، ونبل القيم متصل بدوره بطبيعة المصدر الذي تنقل عنه هذه القيم ، فحينما يكون الدين الإسلامي مصدرا تنقل عنه قيم على سبيل الرسالة من جيل إلى جيل أو من جماعة إنسانية إلى أخرى تكون هذه القيم ذات شأن على مستوى التداول الاجتماعي وتمنح المكانة العلية في المجتمع ، فلا أحد ينكر قيمة القيم التي أتى بها الإسلام إذ نبلها من نبله وشأنها من شأنه ، وهو أمر متفق عليه اجتماعيا لدى العامة من الناس كما لدى النخبة أيضا .
إن القيم التي تنقل على سبيل الرسالة تتخطى الدين كمصدر إلى مصادر أخرى أوسع وأرحب منها التاريخ والممارسات الاجتماعية التي دأب الناس عليها من عادات وتقاليد وقيم القبيلة والوطن والفئة ...، هذا النقل يغذيه اعتقاد سائد أن استمرار الأمة وإعادة بعثها لن يكون بغير الاستناد إلى قيم الأمة ذاتها وأن الخوف كل الخوف في استبدال هذه القيم بقيم أخرى دخيلة يكون حالها كحال من يغرس غرسا في تربة عقيمة ،اعتقاد صائب وخوف مشروع فلم اعتراض طريق هؤلاء القوم إذا ؟! بينما هم يعملون على إحياء الأمة بإحياء قيمها ، أوليسوا جديرين بالمساندة ؟ أما على المجتمع أن يمد لهم يد المساعدة ؟ الأمر ليس بهذه البساطة لدى الحداثيين ، إنهم ينكرون الركون إلى الوراء بينما يتقدم الزمن وتتفتح البشرية على فضاءات للفكر جديدة وتكتسح مجالات في العلم والمعرفة فلا ينفع بعد هذا ركون إلى وراء ، أو نظر إلى الخلف .
رسالة الحداثي تختلف إذا عن رسالة التراثي ، فبينما يرجع التراثي إلى التراث باحثا عن قيم تلائم أصالته ، يحمل الحداثي هم التحرير أو قل رسالة التحرير ، تحرير المجتمع من قيود التخلف ، ولكن وقبل ذلك تحرير المجتمع من قيود التراث الذي ألقى بثقله على المجتمع وأضحى عبئا ثقيلا يصعب زحزحته خاصة وأن له حراسه الذين يدافعون عنه بكل شراسة نازعين عليه كل سمات القداسة .
لم تكن إشكالية التقليد والتجديد مطروحة كما هي عليه اليوم إلا بعد عصر النهضة إثر الاصطدام الحضاري بين الشرق والغرب حيث فرض الغرب تجربته التقنية والقيمية كمثال حضاري راق أسال لعاب كثير من أبناء الشرق الذين راحوا يقلدون تجربته في مجالات الحياة كافة في الوقت الذي يعيبون التقليد على من خالفهم الرؤية من الذين اتجهوا نحو تقليد القدامى .
التقليد إذا هو السمة البارزة التي اتسم بها الشرق بعد الصدمة الحضارية هذه بينما قصدت نخبه الحداثية التجديد ، ولكن لا جديد ، فقد اختصر الإبداع في استنساخ قيم الحداثة ومحاولة تطبيقها في مجتمعاتنا العربية الإسلامية ، كما ظل التقليد سمة المقلدين من التراثيين ، فسيان بين تراثي مقلد وحداثي مقلد .
لقد كان اتجاه الحداثيين نحو التجربة الغربية بعد عصر النهضة لغرض تحرير ذهنية الإنسان العربي المسلم مما علق بها من شوائب فكرية وقيمية من خلال تبني قيم الغرب المتطور ، ولكن هذا الاتجاه انتهى بهم أيضا إلى ذات التقديس الذي كانوا يذمونه لدى التراثيين .
لعمري كيف نتصور الأمر، بل كيف نصوره ؟ هل هو رسالة ذلك الفعل المتجه نحو الماضي لنقل قيمه أم أنه قيد ؟ هل هو تحرير ذلك الفعل المنبهر بمفرزات الحاضر الآخذ بقيمه أم أنه قيد وأسر ؟ .
لم تكن نزعة التقليد لدى الشرق سوى انعكاس واضح لتلك الصدمة الحضارية التي ولدت عقدة حضارية خطيرة أصبحت ( أي هذه العقدة ) المتحكم الرئيس في سلوك الفاعلين الثقافيين والاجتماعيين ، مثلما تخلف الصدمة لدى الفرد عقدا نفسية يعسر على المختص النفسي معالجتها .
لقد ارتبطت العقدة لدى التراثيين بالخوف على عناصر التراث من عناصر ثقافية وافدة تدعمها تجربة ناجحة في مجال التقنية ، كما ارتبطت لدى الحداثيين بالانبهار الشديد بالقيم التي ركبها الغرب وأدت إلى تطوره وازدهاره ونبذ التشبث بالقيم التي ظل يتداولها الشرق دون أن يجني من ذلك شيئا بل وبقي بفعلها على حالة التخلف قرون عديدة .
العقدة في مبناها ومعناها أسر وقيد ، فكما هي أسر للفرد حيث يتصرف بمقتضاها ويصبح على حالة نفسية تستدعي العلاج فإنها كذلك أسر للجماعة حيث يتحدد بفعلها سلوكها الاجتماعي والثقافي ، ولما كانت النخب الثقافية خلايا مكونة للجماعة فإن سلوك هذه النخب – حداثييها وتراثييها – تتدخل في تحديده هذه العقدة الناتجة عن صدمة الالتقاء بين الشرق والغرب.
ربما يعد تحريرا ذا حدود ذلك الاتجاه الذي يسلكه كثير من مثقفينا نحو التوفيق بين قيم التراث وقيم الحداثة إذ يفتحون مجالهم الثقافي لقيم التراث كما يفتحونه أيضا لقيم المعاصرة ، وتزداد قيمة اتجاههم هذا حينما يؤصلون نظرتهم ثم يطعمونا بما جد في مجال العلم والمعرفة ، وبذلك يعملون على التحرر من سلطة التراث المطلقة كما يعملون في الوقت نفسه على التحرر من سلطة الحداثة ، وهم على هذه الحال إنما يؤدون رسالتهم الحضارية من خلال الانتقاء النوعي للقيم بإلغاء المجال الزماني لها بينما يوفرون لها مجالا مكانيا معايير القبول فيه : التنمية والتطور متصلة بالذات والهوية .
تحرر نلمس نسبيته في ندرة الإبداع الثقافي ووقوع هذه الفئة من النخبة ( فئة التوفيقيين ) موقع الممثل لطرفي الصراع ( التراثي والحداثي ) من جهة وآدائها لوظيفة التخفيف من حدة الصراع بإيجاد حل وسط يؤمن بهذا ويقبل ذاك .
لكن ورغم نسبية التحرير الذي يمكن أن تجنيه الثقافة من اتجاه هذه الفئة لأن طرحها فيه شيء من السطحية والبساطة فإن مجرد القبول الذي يلغي الرفض هو اتجاه فعلي نحو التحرر من سلطة الشيء ، والشيء هنا هو قيم ثقافة ما أصيلة كانت أم معاصرة .
في العرف الثقافي نجد الجواب على سؤال: إلام تستند الرسالة ؟ ومم يكون التحرير ؟ ذا بداهة ووضوح، فالرسالة هي الأمانة في نقل القيم والتحرير هدم لتلك القيم، وذلك حينما تكون حال الثقافة حال صراع بين تياري الأصالة والمعاصرة ، ولكن يمكن لنا أن نتمثل تيارا واحدا يجمع بين الرسالة والتحرير على الأقل في تصوره هو ، فالتراثي الذي ينقل قيما دأب عيها أجداده يرى أنها المخلص والمحرر للجماعة من جملة القيود التي أفرزتها سيرورة الحياة الاجتماعية ، وكذلك الحداثي الذي يحاول نقل قيم الغرب على سبيل واجب اجتماعي ورسالة حياتية يرى في هذه القيم السبيل إلى التحرر الاجتماعي والثقافي ، فالرسالة والتحرير يمكن أن يكونا على صف واحد لدى فريق واحد .
لكن اعتقاد الجمع بين الرسالة والتحرير يأسر جماعات النخبة في وهم الحقيقة حيث يعتبر كل فريق أنه ينقل الحقيقة إذ ينقل نوعا من القيم ويعمل على التحرير من ذات المنطلق بمحاولة زحزحة قيم لصالح قيم
" الحقيقة " هذه ، وهنا يبدو لنا أن الرسالة بدءا هي تحرير لقيم معينة بمحاولة تحريكها نحو المكان الذي
" يجب " أن تشغله ، كما أن التحرير في ذاته رسالة يحملها الحالمون بالتغيير، المتطلعون نحو الأفضل
في الثقافة ، الأفضل في الحياة .
يبدو إذا أن ثمة إمكانية للتآلف بين آداء الرسالة الحضارية وممارسة التحرير الحضاري لدى فئة بعينها من النخبة بعدما سلمنا تفكيرنا ووجهنا نظرنا لعلاقة الإلغاء المتبادل بين الرسالة والتحرير لدى نخبنا الفكرية والثقافية : إلغاء الرسالة للتحرير وإلغاء التحرير للرسالة .
إن عمليات الإلغاء والقبول والائتلاف والاختلاف عمليات ثقافية وفكرية لا يمكن إلغاؤها فهي ضرورة اجتماعية وثقافية لها فعلها الإيجابي أو السلبي في توجيه المجتمع والثقافة ، لذلك كان حريا بنا توجيه هذه العمليات بوعي ودراية فنقبل ونرفض ونختلف ونأتلف ونلغي ونتجاوز ونحلل و نركب وفقا لهذا الوعي الذي يضع نصب عينيه المجال الثقافي العام دونما تمييز بين ماض وحاضر أو بين أصالة ومعاصرة ، ولكن يأخد الثمين فيثمنه ويترك الرديء ويزدريه ، وبهذا فقط نستطيع أن نرسم خطا للانطلاق نحو التقدم ، فليس التقدم كنزا نحفر عليه في الماضي ولا هو هبة تمنحنا أياها الحداثة وقيمها ، وليست هذه نظرة توفيقية بالمعنى الذي سبق ، ولكنها نظرة تلغي الإلغاء الثقافي دون أن تقف عند هذا الحد بل تدعو إلى تحريك أدوات الإبداع الثقافي والفكري من نقد وتركيب وتفكيك وبناء وتجاوز .....، وبذلك وحده يكون للرسالة معناها كما يكون للتحرير أيضا معناه .

الثلاثاء، مايو 26، 2009

في المسألة اللغوية


منذ البداية – أي ما قبل الاستقلال – لم تكن العلاقة بين المثقفين المعربين من جهة والمفرنسين من جهة أخرى، علاقة وفاق أو تكامل كما يفترض أن تكون، بل إنها كانت علاقة تضاد وصدامية في كثير من الأحيان، رغم بعض الصداقات الشخصية التي كانت تربط بين أطراف من هذه الفئة وأطراف من الفئة الأخرى.فالازدواجية اللغوية هي خصوصية من خصوصيات المجتمع الجزائري الذي يعيش انكسارا لغوية وقطيعة لغوية داخل النخبة، نخبة معربة ونخبة مفرنسة وطبيعة هذه العلاقة بين المثقفين الجزائريين قد أدت بعد تعريب الجامعة إلى الوصول لصيغة توفيقية رعتها الدولة، لم تحسم الخلاف والاختلاف وإنما حددت مجال لكل فئة، الثقافة والإعلام والتعليم للمعربين، والصناعة والفلاحة والهياكل القاعدية للمفرنسين، "باختصار مهندسون مفرنسون وعقائديون معربون "لقد كانت اللغة العربية في وضعية المغلوب على أمره خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وكان تداولها جد منحصر ومحدد بين فئة قليلة جدا من المتعلمين الذين تلقوا تعليمهم في المدارس التابعة للزوايا أو سافروا للمشرق، أو في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بداية الربع الثاني من القرن العشرين؛ في المقابل عملت الإدارة الاستعمارية على التمكين للغة الفرنسية بين الجزائريين من خلال المدرسة الكولونيالية، ومن خلال جعل الفرنسية وسيلة للرقي الاجتماعي بين الأهالي، هذه الحالة التاريخية التي عاشتها اللغة العربية في الجزائر المستعمرة، جعلت من الدفاع عن العربية كمحدد من محددات الهوية الجزائرية، مطلبا شعبيا ومطلبا سياسيا للحركة الوطنية، فقد " ارتبطت عملية الدفاع عن العربية بالدفاع عن التراث والدين الإسلامي والهوية الوطنية في كل برامج الحركات الوطنية والثورة الوطنية فأصبحت تراثا ثقافيا وإيديولوجيا سيوجه سياسة الدولة الثقافية نحو التعريب ووضع تصور لتعميم استعمال اللغة العربية "، هذا التصور الذي لم يلتقي بالواقع إلا في مجالات معينة مرتبطة بالمجال الثقافي والإيديولوجي، خصوصا مجال الإعلام، أما المجالات الأخرى الاقتصادية تحديدا، فإن اللغة العربية ظلت بعيدة وعاجزة عن إيجاد موطأ قدم لها ضمنها رغم توظيفها من طرف منتجي الثقافة النخبوية كلغة حداثية قادرة على استيعاب التطورات المتسارعة في مجال الفنون والآداب ، إلا أنها كانت ومازالت ذات مردودية اقتصادية وتكنولوجية ضعيفة في مجالات التحديث والتصنيع ونقل التكنولوجيا، وهي المجالات التي راهنت عليها الدولة الجزائرية عقب الاستقلال من اجل التقدم والازدهار، وهذه المراهنة على مجالات تسير وتدار باللغة الفرنسية هي التي جعلت من عملية التعريب التي مست الجامعة وقطاعات أخرى تفقد معناها، كما غدت النزعة الاستعلائية لفئة المتفرنسين اتجاه زملائهم المعربين مما ساهم في تأزيم العلاقة بين الطرفين، حيث على المستوى الثقافي مثلا يعرف الحقل الثقافي الجزائري شرخا حادا بين ما يكتب بالعربية وما يكتب بالفرنسية، رغم عمليات الترجمة التي يقوم بها بعض المثقفين لانتاجات زملائهم الذين يكتبون بلغة أخرى، سواء من الفرنسية إلى العربية أو العكس، رغم ما يشوب عمليات الترجمة من انتقائية وزبائنية في غالب الأحيان، حيث أن اختيار النصوص المترجمة لا يستند عادة إلى القيمة الفكرية والأدبية للنص المترجم بمقدار ما يستند إلى محددات أخرى غير ثقافية غالبا. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن اللغة الفرنسية في الجزائر تتجاوز وضعها كلغة عملية لتندرج ضمن التناولات السياسية للقوى الخارجية، وتحديدا لفرنسا التي تسعى ومن خلال الفرانكوفونية إلى بسط نفوذها بشكل أكبر داخل المجتمع الجزائري، فالفرانكوفونية كسياسية لغوية وضعتها الحكومة الفرنسية بغية التمكين للثقافة والفكر الفرنسي، أي لإشعاع فرنسا في غيرها من البلدان، تتجاوز مسألة اللغة الفرنسية في حد ذاتها والتي لازلنا نعتبرها غنيمة حرب، لتتجلى كوسيلة لفرض الهيمنة تتوسل باللغة، وعن طريقها يتم تحصيل منافع اقتصادية ومصالح سياسية معينة. الحالة السابقة الذكر التي وجدت اللغة العربية نفسها في ظلها رغم الدعم السياسي الذي حظيت به من أعلى هرم السلطة والذي تجلى في عملية التعريب التي مست الجامعة ومجالات أخرى مرتبطة بالإعلام والنشر، وقانون تعميم استعمال اللغة العربية ( المعطل التنفيذ )، هذه الحالة قد فسحت المجال واسعا أمام اللغة الفرنسية لتكون لغة الاقتصاد ولغة هرم السلطة، والاهم من هذا وسيلة للرقي الاجتماعي والوظيفي كما كانت عليه خلال الفترة الاستعمارية، هذا الوضع يجعل من المسألة اللغوية في الجزائر مجالا للصراع الاجتماعي، بنفس القدر الذي يشكل به الثراء اللغوي للجزائر وبعيدا عن التوظيفات السياسية مجالا لازدهار الإبداع الثقافي وللتعبير عن الذات، سواء باللغة العربية أو باللغة الفرنسية الحاملة لثقافة عربية أو امازيغية كما كان الشأن مع الجيل الأول للروائيين الجزائريين (مولود فرعون، مالك حداد، كاتب ياسين ) الذين كتبوا نصوصهم باللغة الفرنسية وبها عبروا عن ذواتهم وهويتهم.

الاثنين، مايو 18، 2009

التماثل الاجتماعي وتغييب الفردانية


هناك ميل فطري لدينا كجماعات وكأفراد للتقولب الذي يلغي الخصوصيات الفردية أو يحجبها لصالح التماثل الجماعي، وهذا الميل لا يزال مسكوتا عنه في خطاباتنا الفكرية المنتجة حول المجتمعات العربية، وإنطاقه يحتاج لدراسات معمقة لم تنجز بعد.هذا الميل الجماعي للتقولب يقابله في بعض الأحيان وليس دائما نزوع فردي نحو التفرد والتميز، ولكن هذا النزوع لا يعلن عن نفسه أمام الجماعة بمقدار ما يعلن عن نفسه أمام الذوات المفردة.الجماعة بالنسبة لنا سلطة تحيل دوما على العنف بمعناه المادي والرمزي، وهي سلطة جبارة لا يمكن مجابهتها، مثلها مثل الدولة والقبيلة والمؤسسة الدينية والعصبة التي تتمظهر من خلالها الجماعة وتمارس تأثيرها الكبير على الفرد إلى درجة إلغاء ذاتيته والحجر على أفكاره حين تتعارض مع أفكار الجماعة التي تمثلها المؤسسات الاجتماعية والسياسية و الأعراف والعادات والتقاليد.الدولة تسعى لقولبة المجتمع عن طريق وسائلها الإيديولوجية (المدرسة، الإعلام الرسمي ).المؤسسة الدينية أيضا تسعى لفرض قولبة خاصة بها تقوم على ثنائيات حدية صارمة: الفضيلة مقابل الفساد، الدين مقابل الإلحاد ، الخير مقابل الشر.ثنائيات لا تترك مجالا للخيار لدى الجماعة، كما أنها تجعل الفرد يحجم عن رفضها علنا على الأقل.
هذا الغياب للفردانية في ثقافتنا العربية ساهم بشكل فعال في الحد من القدرة على الإبداع والابتكار سواء على مستوى الإبداع الأدبي و الفني أو على مستوى السلوكيات اليومية التي تظل مؤطرة بما ترتضيه الجماعة رغم حالات الخروج الكثيرة عن موديل الجماعة في اللباس والعلاقات الخاصة والأفكار أيضا، ولكن هذا الخروج لا يتم بشكل طبيعي، لأنه يقابل عادة بتجريم الجماعة من خلال القيم والأعراف السائدة أحيانا، وبالتسفيه أحيانا أخرى، وهذا ما يضع الفرد في مواجهة غير متكافئة تنتهي غالبا بانكفائه على ذاته وخضوعه لمتطلبات الجماعة.
الثقافة العربية تمجد قابلية الفرد للذوبان في الجماعة والاحتماء بها لدرجة لم يتأسس عندنا بشكل واضح المعالم مفهوم الفردانية، وهذا الوضع إن لم يشكل عائقا كبيرا في طريق التنمية في الفترات السابقة التي اتسمت بوجود بنيات تقليدية تحكم كل مفاصل الدولة والمجتمع في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، فإنه في وقتنا الحاضر ومع الاصطدام بقيم عالمية تفرض حضورها بقوة في واقعنا وديارنا، قد صار عائقا في طريق التنمية بمعناها الذي يتجاوز المجال الاقتصادي، وفي طريق الابتكار والإبداع الذي يتأسس على مفاهيم مثل الحرية والاختلاف التي تعد مفاهيم وقيم أساسية في أزمنة الحداثة التي تستدعي الفردانية وكل ما يتساوق معها من مفاهيم، وتنفر من القولبة والتماثل.

الأحد، مايو 17، 2009

القيم الدينية والعقلانية وإشكالية التنازع


إشكالية الديني والعقلاني هي إشكالية التوافق المفقود في الفكر العربي على امتداد مسيرته التاريخية الطويلة، هي إشكالية لم نصل بعد لحلها بسبب تطرف كل تيار وتعصبه لما يراه صوابا.صحيح أن هناك الكثير من المحاولات التوفيقية، التي تمت على امتداد التاريخ العربي الإسلامي لإيجاد توافق مفقود، بين أنصار العقل وأنصار النص أو النقل، إلا أنها لم تأتي بنتيجة ملموسة. في حين أنه في الأصل لا تعارض بين الاثنين، فكما يقول أبن رشد: الدين حق، والحكمة حق، والحق لا يضار الحق.ولكن الفكر العربي المبني على الثنائيات الحدية التي تنفي أحداها الأخرى بالضرورة أوقع العقل العربي والإسلامي في مأزق حضاري رهيب لم نستطع تجاوزه رغم كل الجهود المبذولة.وبما أن القيم الاجتماعية هي نتاج سيرورة تاريخية، تبدأ من المجتمع وتنتهي إليه فإن النظر إليها بمنظار واحد ووحيد أمر غير مقبول بتاتا ، لأن المجتمع بصفة عامة يميل للقولبة والتماثل، ويستجيب أكثر للدعوات التي تحترم يقينياته ومعتقداته في نفس الوقت تجد حلولا لأزماته ومآزقه، أي أن أفراد المجتمع البسطاء مثاليون وبراغماتيون في الوقت نفسه، وهذا تناقض ظاهري على المستوى الفكري، إنما على المستوى السلوكي العام، تتعايش المثالية التي تجد مرجعها في الدين والهوية ، والبراغماتية التي تسعى لتلبية رغبات وطموحات الأفراد حتي غير المشروعة ، دون إحساس بهذا التناقض فالتعبير عن التناقض يكون من طرف النخب الفكرية، وإدراك هذه النخب لذاك التناقض الاجتماعي يجعل لكل فئة من هذه النخب أنصار وموالون ، أي أن المفكر أو الداعية الذي يشتغل في ظل هذا التناقض على اتجاه واحد، يستطيع إيجاد الكتلة الاجتماعية المكونة من أفراد وجماعات، التي تتبنى أطروحاته كما هي بواحديتها، وبانغلاقها أيضا. وهذا الأمر يجعل القضايا المطروحة علينا لا تجد حلها الذي يرضي كل الأطراف ولو بشكل نسبي، رغم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك.
الدين مكون أساسي في الوعي الاجتماعي، وهو الأقدر من ضمن كل المكونات الأخرى التي تتشكل منها الهوية الوطنية التي تصاغ على هديها القيم الاجتماعية، هو الأقدر على التجييش وجلب الأنصار.
يمكن أن نعطي مثالا عن هذه الحالة: دعوة الأستاذة بن براهم لتقنين الدعارة. الهدف الذي أعلنت عنه بن براهم كذريعة لدعوتها هو حماية المجتمع من الفساد الذي يستشري فيه ، وهو مبرر عقلاني محض لم يراعي مشاعر عامة المواطنين الذين يرون في الأمر تكريسا للفساد بقوة القانون، وهو نفس رأي رجال الدين كما عبر عنه رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الرحمان شيبان. ردود الفعل الشعبية كانت في غالبيتها ترى في هذه الدعوة مروقا لا يمكن تقبله وهذا الرأي هو نتيجة الدور الكبير والخطير الذي يلعبه الدين في
حياة أفراد المجتمع أي أنه رفض من منطلق ديني محض دون الاهتمام بالجوانب الأخرى، التي يمكن أن تكون حاملة لبعض الفوائد، لهذا خبا النقاش دون أن يحدث تغييرا ملموسا، لأنه رفض بشكل كبير من طرف القوى الإسلامية والمحافظة، كما أن المواطنين عبروا بصمت في كثير من الأحيان عن الرفض، ولم يتبنى الطرح النقيض سوى قلة من العلمانيين الذين نظروا للأمر بمنظور عقلي براغماتي محض مجرد من أي صلة ممكنة أو محتملة بالدين.والنتيجة التي نصل إليها من خلال ذاك النقاش، هي أن الديني ما زال قادرا على التحكم في المجتمع ولو من خلال قنوات الدين الرسمي ( وزارة الشؤون الدينية، وجمعية العلماء المسلمين، المجلس الإسلامي الأعلى)، الديني بعد أن كسب المعركة يبدو انه مستعد أكثر للتعبير عن مواقفه بصراحة وصلابة اكبر وأيضا بنوع من الانغلاق، وهذا ما عبر عنه النقاش الأخير حول زيارة الشاعر العربي الكبير ادونيس للجزائر وما أثارته محاضرته المعنونة ب : "من أجل ممانعة جذرية وشاملة " التي دعا فيها لتحييد الدين، حيث كان رد جمعية العلماء المسلمين حادا وقاسيا وتفسيقيا للشاعر وللمكتبة الوطنية التي استضافته، ونفس الأمر بالنسبة للنقاش الدائر حول إلغاء عقوبة الإعدام، حيث الديني حاضر برفضه لكل المقترحات التغييرية سواء على مستوى الأفكار أو القوانين.
وحين نحاول مقاربة الفكرة التي طرحتها الأستاذة بن براهم مثلا من منظور ديني واجتماعي ماذا نجد من معطيات؟
بعض الإحصاءات الغير رسمية تقول أنه يوجد بالجزائر العاصمة وحدها 8000 بيت دعارة غير مقنن) شقق مفروشة، ملاهي ليلية، فنادق تسمح بدخول الأزواج غير الشرعيين بالإضافة للحدائق العامة)، وبالتالي فتقنين هذه الظاهرة في مقابل محاربة الفوضى، التي تخلقها تلك الدور غير المقننة يعتبر مقبول منطقيا، ومرفوض في المقابل دينيا. الدعارة هي أقدم مهنة في التاريخ صحيح أنها كانت موجودة قبل الإسلام وفي صدر الإسلام وبعده، ولكن بشكل غير مقنن، الإسلام لم يقننها بل عمل على محاربتها نصا لكنها ظلت موجودة واقعا. قننت في دول كثيرة، حماية للمجتمع من تفشي الأمراض الجنسية وتفشي الأمراض الناتجة عن الكبت، مثلا الأستاذة بن براهم دافعت عن أطروحتها بحجة أن الكبت وراء بروز ظاهرة البيدوفيليا واختط
اف الأطفال والاغتصاب وزنا المحارم، بالإضافة للعلاقات الجنسية العادية خارج إطار الزواج. تبدو هذه الحجج مقنعة من الناحية العقلية، وحين نظيف لها متغير العدد، أي مدى انتشار الظاهرة، تصير الدعوة للتقنين أكثر إلحاحا، خصوصا في ظل تنامي ظاهرة العزوبة ومظاهر العري والفسق في المجتمع، وغيرها من المظاهر التي تؤجج الرغبة، ولكن حين نعود للمتغير الديني، نجد المجتمع يميل دوما للستر عملا بالمبدأ الديني: إذا عصيتم فاستتروا
لهذا فالمجتمع يرفض نشر غسيله، وفضح ممارساته الغير شرعية بقوة القانون، يريد أن يمارس كل الموبقات، لكن في سرية تامة، تسمح له بادعاء الطهر والملائكية، حين يتطلب الموقف منه مثل هذه الادعاءات. هي ازدواجية المجتمع، فالقيم المجتمعية تكون عادة مثالية وبراغماتية في الوقت نفسه، دون أن يحس الفرد العادي بالتناقض الذي يكتنف هذه التوليفة. لهذا فالمجتمع يميل تحت ستار ديني لإبقاء الظاهرة في عداد المسكوت عنه، وتقنينها يخرجها للعن لتأخذ شكلها الطبيعي والصحي، والجارح أيضا لقيم هذا المجتمع.

الجمعة، مايو 15، 2009

التصوف النخبوي والسلطة السياسية


علاقة المثقف بالتصوف تجلت من خلال تجربة التصوف الإسلامي في الجانب الفردي لهذا التصوف، وانفصلت هذه العلاقة بتحول التصوف من حالة فردية إلى تصوف جماعي مهيكل ضمن مؤسسة تشكل الزوايا إطارها التنظيمي، ومن هنا فإن الفكرة القائلة بمهادنة التصوف الإسلامي للسلطة السياسية تبدو فكرة غامضة بعض الشيء ولا تستند على دعائم قوية ، فإذا كان ابتعاد المتصوفة عن السلطة مقولة يمكن المجادلة حولها، فان النقد الذي وجهه المتصوفة للسلطة كان قويا وذا تأثير كبير مما دفع بهذه السلطة إلى التضييق عليهم وإعدام الكثير من رموز التصوف الإسلامي فضلا عن تكفيرهم.

ولكن يجب أن نميز بين نوعين أساسيين من التصوف يختلفان اختلافا جذريا في كيفية تعاطيهما مع السلطة السياسة، وهما التصوف الجماعي والتصوف الفردي.
فالتصوف الجماعي الذي هو مرحلة أخرى من مراحل التصوف لاحقة على التصوف الفردي، قد اوجد بعض التحالفات مع السلطة السياسة موظفا سلطته الروحية في التأثير على العامة لصالح النظام القائم وموظفا مؤسساته الطرقية والزوايا في هذا المجال، وبالتالي فهذا النوع من التصوف لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتباره معارضا ولا حتى ناقدا للسلطة السياسية بل انه تصوف قابل للتعايش مع أي شكل من أشكال الأنظمة السياسية حتى ولو كانت أنظمة مغتصبة للسلطة والأرض أو محتلة، كما حدث في الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية، حيث بعد كسر شوكة الطرق الصوفية التي قادت المقاومة الشعبية تم تحويل تلك الطرق والزوايا المهيمنة على المجال الروحي إلى أداة تبرير للوجود الاستعماري في الجزائر.

وإذا كان موضوع تحالف الزوايا في الجزائر مع الاستعمار موضوع شائك ويشكل نقطة خلاف كبيرة بين المهتمين والدارسين فان الرأي الغالب هو القائل بوجود هذا التحالف
.
أما النوع الثاني من التصوف وهو التصوف الفردي فقد كان له دور كبير في المعارضة السياسية.

وهذا النوع من التصوف هو الأسبق ظهورا في الساحة الإسلامية، وقد ارتبطت حالات التصوف بميل حاد نحو نقد تجاوزات السلطة السياسية والتنديد بلا شرعيتها، حدث ذلك مع الصحابي أبي ذر الغفاري ومع للحلاج والجنيد ومحي الدين بن عربي وغيرهم

حيث أظهر هؤلاء جميعا معارضة قوية وشرسة للنظام القائم، فأبو ذر الغفاري ظل حتى وفاته معارضا للدولة الأموية في بداية نشأتها واعتبر معاوية بن أبي سفيان مغتصبا للحكم وليس خليفة.

أما الحلاج فإنه شكل مثالا عن مقاومة المتصوفة للاستبداد السياسي من خلال تبني أفكار راديكالية اتجاه النظام الحاكم.

فالحلاج الذي كان على علاقات متقدمة بحركة القرامطة الثائرة ضد الخلافة رفض الانخراط في زمرة مداحي الخليفة نظرا للظلم الاجتماعي الواقع ضد فئات واسعة من الأمة باسم الخلافة، وانتصارا منه لتلك الفئات الاجتماعية المظلومة انظم لحركة القرامطة المعارضة والتي أقامت أول دولة “اشتراكية” في التاريخ. والتي كانت بالإضافة إلى حركة الزنج أو ثورة العبيد التي زامنتها، قادرة على تشكيل تهديد حقيقي للخلافة.

لست هنا بصدد مناقشة أفكار القرامطة التي آمن بها الحلاج ودافع عنها لان الكثير من الأفكار الثورية والنبيلة سرعان ما تنحرف عن مسارها، ولكن ما أردت قوله

هو أن الفكرة التي تسعى إلى الربط بين المتصوف /المثقف من جهة و مهادنة السلطة / النظام القائم مع الاحتفاظ بحق نقده من جهة ثانية هي فكرة تعوزها الكثير من الدلائل ويمكن المجادلة حولها خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتصوف الفردي الذي شكل وعلى امتداد تجربة التصوف الإسلامي نموذجا لمعارضة السلطة، سواء السياسية أو الدينية في بعض الأحيان، وقد دفع المتصوفة / المثقفون ثمن هذه المعارضة غاليا.

المثقف علمانيا


حين أتحدث عن المثقف فأنا اقصد تحديدا المثقف العلماني وليس المثقف الديني، لان هذا الأخير يمكن إدراجه ضمن فئة الفقهاء أو الدعاة، نظرا لاختلاف طبيعة كل طرف ( مثقف علماني/ فقيه )، حيث الأول يشتغل على ما هو نسبي ودنيوي، في حين يشتغل الثاني على ما هو معياري ويتسم بشيء من الثبات.
صحيح أن العلمانية
في العالم العربي والإسلامي ذات سمعة سيئة بين الأوساط الشعبية، وصحيح أيضا أن الأنظمة العربية التي طبقت العلمانية سواء بشكل معلن مثل تونس أو بشكل غير معلن كالجزائر قد طبقتها بشكل مجتزأ يبدو في ظاهره معاديا للدين، وبالتالي فهي أساءت إلى العلمانية بمقدار ما أساءت للدين من خلال توظيفه كذريعة لتبرير الاستبداد.

ولكن أرى وهذا رأيي الشخصي أن قدر المثقف أن يكون علمانيا فيما يدعو إليه لأنه يحمل بالأساس قيما إنسانية لا تحصر نفسها بشكل كبير ضمن إطار الثقافة التي ينتمي إليها إنما يحمل أفكارا قادرة على الانتشار في بيئات اجتماعية ودينية مغايرة رغم ما يلحقها من تغير عند انتقالها من بيئة لأخرى.
المثقف ليس رجل دين ولا فقيه بالرغم مما يفترض أن يحمله من قيم دينية هي قيم اجتماعية بالأساس، ولا هو برجل سياسة بالرغم من القيم السياسية التي يحملها ويدعو لها. مع أن المثقف العربي الحديث هو سليل الفقيه، وكنت في أول إدراج بمدونتي قد أشرت إلى هذه النقطة راجيا العودة للتوسع فيها لاحقا.
لذلك عندما نتحدث عن جوهر المثقف فنحن لا نتحدث عن فقيه كما أننا لا ندعو لسجن المصحف والأفكار الدينية في المساجد ودور العبادة لان هذا نوع من الاستبداد الذي يجب على المثقف محاربته فدعوته لحرية كل طرف في نشر أفكاره والدفاع عنها يجب أن تكون لبنة أساسية تدخل في جوهر تكوينه، ولهذا نجد غوستاف فلوبير وهو نموذج لمثقف يعي مكانته ودوره جيدا يقول مقولة صارت شعارا لاحقا: " قد اختلف معك في الرأي ولكني سأقاتل من اجل حرية رأيك".

وهذا هو دور المثقف المرتجى أي الدفاع عن الحرية والقيم الإنسانية النبيلة سواء كانت تلتقي مع القيم الدينية أو تبتعد عنها. فالمثقف هو من ينتصر للقيم الدنيوية، وهذا ما يأخذه عليه الإسلاميون الذين ينتصرون للقيم الدينية أساسا.
مع أنني لا أحبذ استعمال كلمة الإسلامي لأنها تلغي ضمنيا مجموعة كبيرة من الأفراد بمجرد إطلاقها على فئة معينة. لهذا الكثير يستعيضون عنها بكلمة الاسلاموي والتي تعين توظيف الدين الإسلامي ونصوصه المقدسة لأغراض صراعية مرتبطة بتقاسم النفوذ مع تيارات أخرى ذات مرجعيات غير مقيدة بالنص الديني، فنحن نجد أنصار تيار الإسلام السياسي مثلا يقومون بتوظيف قراءات معينة للنص الديني من اجل الوصول للسلطة التي هي وحتى في الفكر الإسلامي وعلى امتداد التجربة التاريخية للمسلمين سلطة دنيوية وليست سلطة دينية.
ومن هنا يحدث التناقض فمقولة الإسلام دين ودولة هي مقولة حديثة والنظام السياسي في الإسلام صاغته اجتهادات فردية وليس الوحي الإلهي، حتى الخلافة ليست فرضا دينيا.

الخميس، مايو 14، 2009

الفلسفة ضحية إلغاء العقل لصالح المرجعية النصية


يقول ابن رشد عراب العقلانية الحديثة:" الدين حق والحكمة حق والحق لا يضار الحق"طبعا المقصود بالحكمة هنا الفلسفة بالمفهوم الحديث والتي تتوسل بالعقل لإثبات براهينها.هذه المقولة الرشدية كانت في سياق رد ابن رشد على الغزالي الذي سفه تاريخا بأكمله من الفكر الفلسفي الإسلامي بحجة انه طريق إلى الضلال.
وابن رشد كفقيه وفيلسوف قدم أفضل شرح إسلامي لأرسطو، رأى عكس رأي أبي حامد الغزالي، بأن لا تعارض بين الدين والفلسفة إلا في عقول العامة وفي عقول المنغلقين على الرؤية الدينية المحضة والسطحية.وبعد ثمانية قرون من زمن ابن رشد (1126-1198م) والغزالي ( 1058 – 1111) ، نجد أن الغزالي انتصر في الفكر العربي في المقابل اندحر فكر ابن رشد العقلاني كاستمرار لنكبته التي هي في النهاية نكبة الفكر العربي الإسلامي برمته الذي لا يزال ينظر للعقلانية وإعمال العقل كطريق للضلال خصوصا حين يكون إعمال العقل على مشارف النص الديني، وهذا ما أوصل الثقافة العربية إلى حالة جمود مستمرة منذ عدة قرون.نحن نلاحظ أن فترات ازدهار الحضارة العربية الإسلامية كانت هي فترات إعمال العقل وفترات ازدهار التفكير الفلسفي وبروز مدارس وأعلام الفكر العقلاني بعيدا عن قلعة العلم الشرعي، تلك القلعة المنغلقة على ذاتها داخل ما يسميه محمد اركون بالسياج الدوغماتي المغلق، فترة المعتزلة وعلم الكلام كانت لحظة مشعة بلغ إشعاعها خارج بغداد ودار الحكمة وامتد في الزمن إلى وقتنا الحاضر، دون أن يكون لتلك الفترات الراقية في تاريخنا الفكري (ورغم إشعاعها بعيدا في التاريخ والجغرافيا) أن تؤسس لثقافة عربية تنتصر للعقل وتتوسل بأدواته لأجل الرقي والتقدمإن كل حالة ضعف تكون نتيجتها خوف على الهوية، وبما أن هويتنا كمسلمين تحيل بشكل مباشر على المرجعية الدينية (قرآن وسنة) فان الخوف على الهوية نتيجة حالة الضعف التي لحقت بالعالم العربي الإسلامي، قد تمت مجابهته بالعودة إلى النص الديني والانغلاق عليه كمرجعية وحيدة لأمور الدين والدنيا وتجاوز للعقل وللتفكير الفلسفي الذي يطرح الأسئلة دون أن يعطي الإجابات الحاسمةلان إجابات العقل المتفلسف تبدو نسبية وخاضعة للحظة التي أنتجت فيها، في حين أن إجابات النص الديني معيارية وغير مرتبطة بزمانها في غالب الأحيان، فهي (أي إجابات النص الديني عن إشكالات الحياة والدين) تقدم نف
سها كحكم مطلق متجاوز للزمان والمكان لان أصل القرآن متجاوز وغير مقيد بزمان ومكان ( زمن نزول الوحي وظروفه ) ومن هنا كانت أحكامه أو ما يستنبط من أحكامه، متسمة بهذه الميزة، مع أن تاريخ الفقه الإسلامي يعطينا أمثلة ناصعة عن تغير الأحكام بتغير عوائد الزمان ، حدث ذلك من الشافعي وهو ينتقل من العراق إلى مصر وحدث ذلك مع الكثير من الفقهاء الذين فهموا حيوية النص الديني وقدرته على الاستجابة المتجددة لتحديات الأزمنة المتغيرة.حين نطرح السؤال بهذه الصيغة: العقل أم النقل؟نكون أمام ثنائية حدية تلغي احد الطرفين لصالح الآخر، وبالتالي أرى أن طرح القضية بهذا الشكل هو طرح خاطئ ويهيئ النفس والعقل لإلغاء احد الحدين مسبقا، وهذا الأمر فيه تعسف ومغالطة كبيرة رغم أن جل المقاربات التي تناولت هذه العلاقة الملتبسة بين العقل والنقل تصل في النهاية إلى صيغة توفيقية أو بعبارة اصح تلفيقية تنتصر للنقل وتفتح بابا للعقل. في حين أن النص الديني نفسه وأنا هنا استشهد بالنص الديني كمرجعية مشتركة لنا كمسلمين، النص الديني ينتصر لإعمال العقل بمطلقيتهولكن الفهم الفقهي للآيات التي تدعوا لإعمال العقل، قد عمل على تقميط تلك الآيات وحصر دعواتها المنتصرة للعقل داخل مجالات معينة يعتبر الخروج عنها مروقا يعاقب عليه بالتفسيق والتكفير، والتاريخ يعطينا أمثلة كثيرة عن هكذا حالات من التكفير الذي لحق بالكتاب والفنانين وحتى رجال الدين النتيجة أن مقولة: من تمنطق تزندقمازالت تحكم فكرنا بشكل ينفي العقل إلى الزوايا المظلمة ويفسح المجال للنص الديني بفهمه الظاهر والسطحي ليكون المرجع الوحيد لحياتنا مع أن هذه الحالة الغير سوية هي تجاوز للنص الديني في حد ذاته الذي يدعوا لإعمال العقل

الاثنين، مايو 04، 2009

رواية الجيل الجديد وروح المغايرة

ما يمكن الإشارة إليه قبل التطرق لرواية جيل الشباب، هو أن الرواية الجزائرية وحين نتناولها من منظور الأجيال الأدبية يمكن تقسيمها لجيلين فقط، نظرا لان جيل الثمانينات لم يكن سوى استمرارية بشكل من الأشكال لجيل السبعينات سواء على المستوى الفني، أو على مستوى طبيعة الرؤية للعالم التي تبناها كلا /الجيلين في أعمالهم الإبداعية، ولم يسجل أي تطور جذري خلال سنوات الثمانينات يمكن اعتباره قطيعة مع رواية السبعينات، لهذا نقول وبشيء من الحذر المنهجي عن الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية تحديدا، قد عرفت لحد الآن جيلين فقط إذا اعتبرنا أن الجيل الأدبي لا يحيل على معنى زمني بمقدار ما يحل على طرائق تعبير وتطور فني ورؤيوي للعمل الأدبي لأن ظهور هذه الأجيال مرتبط ارتباطا أساسيا بحدوث ظواهر اجتماعية معينة· ولكن يبدو واضحا أن الأجيال الأدبية تضم أفرادا يسهل على الباحث تعداهم، ورغم أن فترة الثمانينات من القرن العشرين قد عرفت بالجزائر تغيرات سياسية واقتصادية عميقة، غير إن الرواية الجزائرية وباستثناءات قليلة ظلت غارقة في الرؤية التي أنتجها الآباء المؤسسون للرواية الجزائرية دون أن يتمكنوا من إنتاج نصوص تشكل قطيعة مع تلك النصوص والرؤى، هذه القطيعة لم تحدث إلا مع نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي حين برز جيل من الروائيين الشباب يكتبون الرواية لأول مرة غالبا وينتجون نصوصا ذات حساسيات أدبية ومعرفية مغايرة، وهذا ما يسميه داود محمد /بانبثاق حقل روائي جديد/·
هذا الانبثاق لحقل روائي جديد بالجزائر كان نتيجة لتلك التحولات العميقة التي عرفتها الجزائر على جميع الأصعدة بداية من سنة ,1989 تلك التحولات التي كانت بنوعية وقوة غير معهودتين من قبل· فكالإعصار المدمر عمت موجة الإرهاب مختلف أقطار البلاد، وقد كان الفاعل الثقافي الهدف المفضل والمطلوب من لدن هذه القوة الهدامة العمياء· وفي مثل هذا الموقف وجدت الذات الكاتبة نفسها في مواجهة قوى مختلفة، مضادة ومعادية، بيد أنها تشترك في محاولة نفي تهميش المثقف أو إسكاته على أقل تقدير· هذه الظروف المستجدة التي كانت نتيجتها إسكات وتهميش المثقف الجزائري بالإضافة لتعرضه للتصفية الجسدية، والقتل المعنوي، كانت محفزا للأدباء الجزائريين من اجل المقاومة عن طريق فعل الكتابة، والوقوف عن طريق الكتابة كشهداء على تلك المرحلة المتمزقة من تاريخ الجزائر المعاصر·
حيث شهدت فترة نهاية التسعينات مجموعة من النصوص الروائية سواء بالعربية أو بالفرنسية تناولت المصائر الفردية والجماعية في ظل ظروف اجتماعية وأمنية تجعل من الموت المفجع طقس يومي منذ بداية العنف المسلح ضد كل فئات الشعب الجزائري وضد الدولة الجزائرية ورموزها·
ما يميز هذه النصوص المغايرة هو كون معظم منتجيها شباب يكتبون الرواية لأول مرة بعد أن تمرسوا على الكتابة في الصحافة لفترة معينة ( حميد عبد القادر، بشير مفتي، ياسمينة صالح، كمال بركاني··· الخ )·
وهذا الجيل من الروائيين الجزائريين الذي اشترك مع روائيي الجيل السابق في الحقل الروائي الجزائري جنبا إلى جنب تميزت كتابته عن الجيل السابق بعدة ميزات نوردها في النقاط التالية:
- نشرت هذه الأعمال كلها ضمن دور نشر خاصة ( البرزخ، الفضاء الحر، القصبة، الشهاب، منشورات مارينو)، أو عن طريق جمعيات ثقافي (الاختلاف، رابطة إبداع، الجاحظية )، أي لم تحتضنها مؤسسات الدولة بصفة مباشرة، مما يمنحها استقلالية كبيرة في النشر والتوزيع، ومن ثمة استقلالية في طرح المواضيع بحرية أكبر·
-هذه النصوص تحمل في مضمونها أطروحات جديدة، تعيد النظر في العديد من القضايا الفكرية والإيديولوجية التي سادت وتكرست في الساحة الثقافية، كما أنها عملت على إعطاء قراءات مغايرة للتاريخ تشتبك مع القراءة الرسمية وترفض تبنيها
ابداعيا·
- جل تلك النصوص الروائية التي صدرت خلال أواخر عشرية التسعينات وبداية الألفية الجديدة تجرب كتابة جديدة يمكن تسميتها /بعنف النص /، لأنها تعيد النظر في الكتابة التقليدية المعروفة بتلاحق أزمنتها وأحداثها، فهذه النصوص الجديدة تتميز بتكسير زمن الحكي والتشظي على مستوى الذاكرة والذات الكاتبة·
- هذه الكتابة الجديدة التي ينتجها الروائيون الشباب تتميز باعتنائها الكبير بفئة معينة من المجتمع الجزائري وهي فئة المثقفين، هذه الفئة التي شكلت كبش فداء للصراع الدائر بين الدولة والجماعات الإسلامية المسلحة·
- جل تلك الروايات تميل لان تكون بوحا ذاتيا تتماهى فيه حياة الكاتب الروائي مع شخصية الراوي في العمل الإبداعي، فجل تلك الروايات لم تكن في النهاية سوى سيرة ذاتية ولو بشيء من التحوير لحياة الكاتب نفسه·
وبمقارنة هذه الخصائص التي تميز رواية الجيل الجديد من الأدباء الجزائريين مع ما كان يميز روايات الجيل السابق وبصفة عامة المتن الروائي الجزائري منذ لحظة التأسيس في سبعينيات القرن الماضي، يمكننا الحديث على ضوء هذه المقارنة عن روح جديدة ومغايرة تمام المغايرة لتلك الروح الإبداعية التي ميزت المتن الروائي الجزائري قبل سنة .1989
ـــــــــــــــــــــ
نشرت هذه المقالة اولا بملحق الأثر الثقافي الذي يصدر أسبوعيا عن جريدة الجزائر نيوز

السبت، أبريل 25، 2009

لوسيان غولدمان وعلم اجتماع الرواية


اعتمادا على كتابات جورج لوكاتش وخصوصا كتابيه : " نظرية الرواية " و " التاريخ والصراع الطبقي " التي تحتضن: " الفرد الإشكالي، التشيؤ، الوعي الممكن.." والتي تم إخصابها لاحقا بمقولات أخرى تسمح بها " البنيوية التكوينية"، وانطلاقا من المقولات العامة للفكر البنيوي القائلة بأن " كل تفكير في العلوم الإنسانية إنما يتمّ من داخل المجتمع لا من خارجه، وبأنه جزء من الحياة الفكرية لهذا المجتمع، وبذلك فهو جزء من الحياة الاجتماعية "([1])، ومن منظور ماركسي، انشغل لوسيان غولدمان ( 1913 – 1970 ) بتأسيس نظرية خاصة في علم اجتماع الرواية كما كان يؤكد بثقة كبيرة وهو يصوغ مقولاته النظرية حول هذا الفرع المعرفي الذي رأي أن علم اجتماع الأدب لم يقترب منه كثيرا، سواء علم الاجتماع الماركسي، أو علم الاجتماع الوضعي، ومستفيدا أيضا من مؤلف روني جيرار:" كذب رومانسي وحقيقة روائية" الذي وجد فيه تقاطعات كثيرة مع الأفكار التي اعتمدها لوكاتش في " نظرية الرواية "، هذه الأفكار التي شكلت المنطلق النظري لعمل لوسيان غولدمان.
لوسيان غولدمان الذي ولد في بوخارست، وانتقل عام 1934 إلى باريس حيث هيأ رسالة دكتوراه في الاقتصاد السياسي. وقبل أن يستقر به المقام هناك فر عام 1940 إلى سويسرا هربا من الاحتلال الألماني لفرنسا، وهناك حيث بقي في أحد معسكرات اللاجئين إلى سنة 1943 توسط الفيلسوف (جان بياجيه) في تحريره وإعطائه منحة دراسية لرسالة الدكتوراه، ليقوم بتعينه لاحقا مساعداً لـه في جامعة جنيف، حيث تأثر بأعماله حول البنيوية التكوينية التي صاغها بياجيه على مبعدة من المفاهيم الماركسية، لكن غولدمان سيقوم بترحيل البنيوية التكوينية لاحقا من مجال علم نفس الذكاء إلى مجال علم الاجتماع مطعما إياها بالمقولات الماركسية.
وبعد تحرير فرنسا عاد غولدمان إلى باريس، حيث اشتغل كباحث في المركز الوطني للبحث العلمي، وأنجز رسالة دكتوراه في الأدب بعنوان (الإله المختفي: دراسة للرؤيا المأساوية لأفكار باسكال ومسرح راسين) عام 1956، حيث أثارت دراسته تلك ضجّة كبيرة في النقد الحديث في فرنسا. ثم وضع كتابه (أبحاث جدلية) عام 1959. وكان قد نشر كتابه (العلوم الإنسانية والفلسفية) عام 1952. وفي عام 1964 أصبح مديراً لقسم علم الاجتماع الأدبي بجامعة بروكسل الحرة، فأصدر كتابه (من أجل علم اجتماع للرواية) عام 1964، ثم وضع (البنيات الذهنية والإبداع الثقافي) عام 1967، و (الماركسية والعلوم الإنسانية) عام 1970 وهو تاريخ وفاته وهو في قمة عطاءه الفكري.
غولدمان ورواية الرأسمالية:
انطلق لوسيان غولدمان في نظريته حول ميلاد الجنس الروائي وتطوره من فرضية أساسية، صارت لاحقا بمثابة المسلمة فيما يخص الرواية الأوروبية، تربط بين الشكل الروائي والمجتمع الرأسمالي " ووفقا لهذه الفرضية فإن الشكل الروائي ينقل إلى المستوى الأدبي الحياة اليومية في المجتمع الفرداني، الذي يلازم، بالضرورة، الإنتاج الرأسمالي من اجل السوق"(
[2])، ووفقا لهذه الفرضية التي صاغها غولدمان فإن " بنية جنس الروائي وبنية التبادل، تتبديان متماثلتين غاية التماثل، إلى حد نستطيع معه الحديث عن بنية واحدة ووحيدة تتجلى على صعيدين متباينين. وعلاوة على ذلك، فإن تطور الشكل الروائي الذي يتطابق مع عالم التشيؤ لا يمكن أن يفهم -ًُ كما سنرى فيما بعد – إلا بالقدر الذي سيربط فيه بتاريخ مماثل لبنى هذا الأخير "([3])؛ إن فكرة التناظر أساسية بالنسبة لغولدمان فهو يأخذ بها أولا ليقيم تناظرا بين تطور الشكل الروائي وبنية الاقتصاد الرأسمالي وتطوره، ويأخذ بها أيضا وهو يحدد العلاقة العضوية التي تربط البنية الفكرية للعمل الأدبي / الروائي بوعي اجتماعي معين تتبناه فئة أو طبقة اجتماعية معينة.
وهذا التناظر بين الشكل الروائي والحياة الاقتصادية، أو الانتقال من الواقع الملموس المتسم بالتشيؤ وصنمية السلعة كما يتجلى في علاقات التبادل، إلى الواقع المتخيل الذي تصوغه الرواية كشكل أدبي، يتم حسب غولدمان انطلاقا من النشاط المتضافر لأربعة عوامل مختلفة هي التي تحدد الانتقال من البنى الاقتصادية إلى المظاهر الأدبية وهي(
[4]):
1 ـ ولادة مقولة الوساطة في فكر أعضاء المجتمع البورجوازي، انطلاقا من السلوك الاقتصادي ومن وجود القيمة التبادلية، هذه القيمة التي تنزع لأن تكون قيمة مطلقة بدلا من أن تكون وسيطة.
2 ـ وجود أفراد إشكاليين ينزعون في تفكيرهم وسلوكياتهم نحو القيم النوعية على حساب القيم الكمية كما تتجلى في عمليات التبادل، ولكن يبقى فكرهم وسلوكهم مغلوباً أمام القيم الكمية. فالكتّاب والفلاسفة ( وهم النماذج الغالبة التي تتكون منها فئة الأفراد الإشكاليين ) لا يستطيعون الهروب من تأثير السوق.
3 ـ تطوّر الشكل الروائي انطلاقاً من استياء عاطفي غير ممفهم، نتيجة السعي المباشر إلى قيم نوعية، إما في مجموع المجتمع، وإما لدى الفئات الوسطى فقط التي ينضوي معظم الروائيين في عدادها.
4 ـ في المجتمع الليبرالي المتجه نحو السوق تظل القيم مرتبطة بوجود التنافس. وانطلاقاً من هذه القيم تتطور الرواية كسيرة لفرد إشكالي يشبه مؤلفه، ثم يتحول الشكل الروائي لينتهي إلى الانحلال التدريجي، وإلى تلاشي الشخصية الفردية.
وانطلاقا من هذا التناظر بين البنيتين الروائية والاقتصادية يحدد غولدمان المراحل الأساسية التي مرت بها الرواية الأوروبية استرشادا بتطورات الاقتصاد الرأسمالي، وتطور الرواية عند غولدمان مرتبط بكيفية تجلي البطل الإشكالي في الرواية التي هي سيرة ذلك البطل الباحث عن إعطاء معنى لحياته، " فالرواية التي لها بنية سيرة ( حضور البطل الإشكالي ومصاعبه في إعطاء معنى لحياته ) توافق طور " الرأسمالية الليبرالية " ، وهو طور يمتد، وكما يرى غولدمان، من مرحلة استقرار اقتصاد السوق إلى عام 1910، ويتسم بنزوع فكرة الكلية إلى التلاشي من الوعي الجماعي، من دون أن يمنع ذلك عن الفرد الأسباب التي تتيح تفتح شخصيته وتطورها "(
[5])، في هذه المرحلة من تطور الشكل الروائي تمثل البطل الإشكالي في الرواية كبطل يتبنى تصورا نقديا ومعارضا " فهو شكل من أشكال المقاومة للمجتمع البورجوازي اخذ في التطور، وهي مقاومة فردية لم تستطع أن تعتمد – داخل زمرة – إلا على سيرورات نفسية ووجدانية غير ممفهمة "([6]) وهذه المقاومة الفردية للانحطاط وضياع القيم الأصلية الذي رافق صعود البورجوازية، وكذا التطورات اللاحقة للرأسمالية، كانت نتيجة لغياب المقاومات الواعية من طرف فئات اجتماعية معينة تتعامل مع الوضع الذي تفرضه البورجوازية برفض ايجابي، كما كان يرجو ويرتقب كارل ماركس من الوعي المعارض للطبقة البروليتارية. ولكن التنديد الذي حملته الرواية في تلك المرحلة والرفض لكل ما يحول دون تفتح الشخصية الإنسانية وتطورها الطليق، لم يستمر لاحقا، نتيجة التهديد المتصاعد لذلك الاستقلال الذاتي النسبي للشخصية، حين بدأت الرأسمالية تأخذ الشكل الاحتكاري الامبريالي، وهذا التطور الذي عرفته الرأسمالية انعكس على الرواية في أزمة بنيوية عنوانها اضطراب الشخصية، شخصية البطل الذي يمد الرواية بموضوعها من خلال سيرته " فبعد أن كانت الرواية تصبغ على الفرد اتساقا موضوعيا عبر إدراجه في كلية تتجاوزه، جاءت مرحلة جديدة عبرت عنها، في لحظة الاستهلال، أعمال جويس وكافكا، وتطورت متصاعدة في " غثيان سارتر، و" غريب كامو"، وصولا إلى " الرواية الجديدة " في فرنسا الخمسينات. وتتصف رواية المرحلة الجديدة باختفاء مضطرد للشخصية، يبدأ من ضياع الاسم ويصل إلى غياب يقين الفرد في وجوده الذاتي، ليفضي في النهاية إلى انحلال البنية القاعدية للرواية الكلاسيكية، والذي هو إجابة مطابقة على انحلال الشخصية الروائية "([7]).
في حوار له مع نتالي ساروت وألان روب غارييه سنة 1962 يؤكد غولدمان أطروحته النظرية التي تقول بعلاقة تجانسية بين تاريخ البنى التشيئية وتاريخ البنى الروائية من خلال دراسته التناظرية للبنيتين: " يبدو لي أن المرحلتين الأخيرتين من تاريخ الاقتصاد والتشيؤ في المجتمعات الغربية تطابق فعليا مرحلتين كبيرتين في تاريخ الأشكال الروائية: المرحلة التي سأميزها بمرحلة انحلال الشخصية، وهي المرحلة التي تتضمن أعمالا في منتهى الأهمية كأعمال جويس وكافكا وموزيل والغثيان لسارثر والغريب لكامو وربما إلى حد كبير أعمال نتالي ساروت بوصفها واحدة من أكثر مظاهر هذه المرحلة جذرية. والمرحلة الثانية التي بدأت لتوها العثور على تعبيرها الأدبي والتي يعتبر روب غرييه واحدا من أكثر ممثليها أصالة وألمعية، وهي المرحلة التي يميزها ظهور عالم مستقل للمواضيع له بنيته الخاصة وقوانينه الخاصة ويمكن، عبره وحده، للواقع الإنساني أن يعبر عن نفسه إلى حد ما "(
[8])؛ هذا الواقع الإنساني الذي عبرت عنه الرواية في مراحلها المتعددة، والتي وضحها غولدمان استنادا لتطور النظام الرأسمالي، هو واقع يعيشه الفرد، بطل الرواية، وهو البطل الإشكالي الذي حدده لوكاتش جيدا، وجعل منه قوام نظريته حول الرواية، فالبطل الإشكالي يعيش وضعا يعجز عن استيعابه وتمثله، أي يعجز عن الانسجام معه نتيجة لكون جوهر هذا البطل الإشكالي مسكون بالبحث عن قيم لم تعد موجودة في واقعه "وهذا البطل ليس سلبيا ولا إيجابيا , فهو بطل متردد بين عالمي الذات والواقع ، يعيش تمزقا في عالم فض. إذ يحمل البطل قيما أصيلة يفشل في تثبيتها في عالم منحط يطبعه التشيؤ والاستلاب والتبادل الكمي . لذلك يصبح بحثه منحطا بدوره لا جدوى منه"([9])، وطبيعة علاقة البطل الإشكالي مع واقعه الاجتماعي حددها غولدمان اتكاء على ما توصل إليه لوكاتش، من خلال التصنيف الذي قدمه للرواية والتي قسمها إلى ثلاثة أنواع رئيسية([10]):
أ – رواية المثالية المجردة التي تتميز بنشاط البطل أو بوعيه الضيق للغاية بالقياس إلى تعقد العالم ( "دون كيخوتة" لسيرفانتيس و " الأحمر والأسود " لستاندال).
ب – الرواية النفسية التي تنزع إلى تحليل الحياة الباطنية، وتتميز بسلبية البطل وبوعيه الواسع إلى الحد الذي لا يرضيه معه ما بمقدور عالم العرف أن يقدمه إليه ( والى هذا النوع قد تنتمي رواية " أوبلوموف " ورواية التربية العاطفية" )
ج – الرواية التربوية المنتهية بانحسار ذاتي outo limitaion الذي لا يشكل، رغم أنه تنازل عن البحث الإشكالي، لا قبولا لعالم العرف ولا تخليا عن سلم القيم الضمني هذا الانحصار الذاتي الذي يجب تخصيصه بعبارة " النضج الفحولي" ( ويلهلم مايستر" لجوتة، أو " der grune heinrich " لكوتفريد كيللر).
فالبطل يكون مثاليا كلما كان الواقع اكبر من الذات ومن طموحاتها القصوى في تحقيق قيمها ومثلها كما هو الحال في النوع " أ "، في حين يكون البطل رومانسيا واثقا من قدراته الذاتية رغم معاندة الواقع لتحول تلك القدرات إلى واقع ملموس، ورومانسية البطل كما هي في النوع " ب "، تتمظهر كلما كانت الذات أكبر من الواقع، وكلما كانت الأحلام والطموحات كبيرة، أي كلما كانت قيمة القيم تنبع من الداخل دون أن تجد ما يصدقها في الواقع. أما النوع " ج " أي الرواية التعليمية فهي رواية التصالح مع الواقع، حيث يميل البطل إلى تكييف نوازعه الذاتية وطموحاته مع الواقع من اجل تفادي الصدام مع هذا الواقع، وهي رواية كما يؤكد غولدمان تنزع لتنازل البطل عن بحثه الإشكالي عن القيم الأصلية رغم عدم تسليمه بالقيم الموجودة والواقعية.
إن الحديث عن غولدمان يقودنا إلى التطرق لبعض المفاهيم التي وظفها، وبنى على أساسها مشروعه في علم اجتماع الرواية ومنهجه النقدي، فبالرغم من صفة " تلميذ لوكاتش " التي ارتضاها لنفسه، إلا أنه وخلافا لأستاذه يبدو أكثر توغلا في دراسة بنية الأعمال الأدبية وأكثر تعمقا في استنطاق دلالاتها و تشكيلاتها، وكذا التجليات الإبداعية للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الأوروبي.
بنى غولدمان فرضيته الأساسية التي يتعامل معها كمعطى نظري يقترب من القانون في يقينه، والتي تربط بين تطور الشكل الروائي وتطور الاقتصاد الرأسمالي والإنتاج من اجل السوق على أربع مقولات أساسية:
- الإنسان الفرداني.
- مفهوم القيمة.
- التشيؤ وصنمية السلعة.
- دلالات الانتقال من الكيف إلى الكم.
ترتبط المقولة الأولى، أي الإنسان الفرداني " بالمجتمع الليبرالي والذي هو طور من الأطوار الأولى للمجتمع الرأسمالي، أعطى، وليس بعيدا عن ضرورات التنافس وعقود العمل والاعتراف المتبادل بين البشر، أنسانا يعي فرديته، ويمارس حرا عقود البيع والشراء "(
[11])، فالفردانية كمفهوم هي وليدة الليبرالية، وهي واحدة من القيم التي دافعت عنها الطبقة البورجوازية، ورسختها كقيمة مناقضة لقيم العائلة والعشيرة والجماعة التي كانت سائدة في المرحلة الإقطاعية.
في حين المقولة الثانية " تحيل مباشرة على السلعة، التي تتعين كقيمة استعمالية وقيمة تبادلية في آن، وان كان الإنتاج من اجل السوق يفصل بين القيمتين ويختزن القيمة الأولى إلى حدها الأدنى "(
[12])، والقيمة مقولة ماركسية بامتياز خصها كارل ماركس بعناية كبيرة وهو يعمل على تحليل جوهر النظام الرأسمالي وآلياته التي تنتج التشيؤ، وتقود الفرد إلى الاغتراب، وحضت لاحقا باهتمام كبير من طرف الماركسيين الذين نقلوها من مجال التداول الاقتصادي البحت إلى مجالات معرفية أخرى لا تلغي الاقتصاد من حيز اهتمامها وانشغالاتها، كما هو الحال بالنسبة لعم الاجتماع.
أما المقولة الثالثة التي وظفها غولدمان وافردها اهتماما خاصا في نطاق عمله المضني لإقامة تناظر بين البنى الروائية والبنى الاقتصادية، فهي " تعالج 'الوعي الزائف'، الذي لا ينفصل عن تحولات السلعة، التي تتجلى، في الإنتاج من اجل السوق، موضوعا مستقلا عن البشر ومسيطرا عليهم أيضا"(
[13])، وهي مقولة درسها لوكاتش بكثير من التفصيل في كتابه: " التاريخ والصراع الطبقي"، حيث يؤكد لوكاتش بان الوعي الطبقي يبقى إمكانية قابلة للتحقق حين يتمكن الإفراد المنتمين لنفس الطبقة انطلاقا من أفكار ومشاعر معينة، من فهم واستيعاب الوضع الذي يعيشون فيه و كإمكانية موحدة حين " يتعين على الوعي الطبقي أن يرى الغاية النهائية التي يسعى إليها تعبيرا عن تطلعات المجتمع بأسره "([14])، تقرر هذه المقولة عند نقلها إلى المستوى الروائي، واعتمادا على فرضية غولدمان الرئيسة القائلة بتماثل البنى، بأن الذات المبدعة للعمل الروائي ( أو الأدبي بصفة عامة، والفلسفي والفني بصفة أعم ) هي ذات جماعية، بالرغم من كون خالص العمل ( رغم صوفية عبارة الخلق ) هو ، وبالمعنى التجريبي فرد استطاع نتيجة جملة أسباب التعبير عن الطموحات القصوى للجماعة/ الطبقة، وهذه الأسباب يلخصها غولدمان في اتجاهين:
" فالأديب يفعل ما فعل إما لأنه ينتمي، اجتماعيا، إلى فئة محددة، بإمكانه التعبير عن أفكارها، أو لأن سيرته الذاتية، وبسبب وقائع معينة، تتوافق مع تجارب فئة اجتماعية، لا ينتمي إليها بالضرورة "(
[15])، وهذه الأسباب التي أوردها غولدمان، والتي عن طريقها فسر السبب الكامن وراء قدرة الفرد على التعبير الإبداعي عن تطلعات الذات الجماعية، تبقى فرضية من فرضيات علم اجتماع الرواية.
في حين تترجم المقولة الأخيرة، والتي تستمد جذورها من الفكر الهيجيلي مباشرة، " معنى الانزياح من الكيف إلى الكم، الذي يترجم أحوال وعي لا يعرف الارتقاء، أو يعرف الارتقاء ويجهله معا "(
[16])، وهي حالة البطل الإشكالي في الرواية الذي يظل معلقا بين تطلعه للسمو والارتقاء لعالم الكيف الذي يحتفل بالجوهر والصفاء، وبين خضوعه مجبرا لقيم الكم التي تجبره على التعامل بها أثناء عملية التبادل.
من خلال استعراضنا لأهم الأفكار التي جاء بها غولدمان والتي ظل يؤكد على أنها تمثل منطلقا لعلم اجتماع الرواية، والتي حاول من خلالها التأكيد على التناظر بين البنى الاقتصادية والبنى الروائية، مستفيدا من أعمال لوكاتش ورونيه جيرار، بعد أن أدرجها في منظور ماركسي محض، نشير في النهاية إلى ملاحظة أساسية أوردها فيصل دراج وهو يتناول بالتحليل والنقد أفكار غولدمان: " على الرغم من الجهد النظري التركيبي الذي يقوم به غولدمان، فإنه لا يجب على قضية إلا ليصمت عن أخرى، فمفهوم " اللاوعي المعرفي " يظل صامتا أمام الأسباب التي تدفع مبدعا معينا إلى الأخذ بتصور معين للعالم والعزوف عن تصور آخر، بقدر ما يبقى كامل الصمت أمام خصوصية الذات المبدعة، كما لو كان هذا " اللاوعي " يشرح آلية أفعال عامة، بعيدا عن أي تخصيص "(
[17])، فلوسيان غولدمان يتعامل وفقا لهذا المنظور مع بعض مقولاته كمسلمات، دون أن يعمل على إثباتها.
ـــــــــــــــــــــــ
[1] - محمد عزام، تحليل الخطاب الأدبي على ضوء المناهج النقدية الحداثية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2003، ص 230.
- فيصل دراج ، نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي الرباط،، 1999، ص 42.[2]
2- لوسيان غولدمان، مدخل الى قضايا علم اجتماع للرواية، تر: محمد معتصم، مراجعة: محمد البكري، عيون المقالات، العدد 6/7، المغرب، 1987، ص 65 - 81
[4] - انظر ، نفس المرجع.
- فيصل دراج، مرجع سابق، ص 46 [5]
- لوسيان غولدمان مرجع سابق.[6]
- فيصل دراج، مرجع سابق، ص 46.[7]
- لوسيان غولدمان، عن، فيصل دراج، مرجع سابق، ص 47.[8]
[9] - جميل حمداوي، مدخل إلى البنيوية التكوينية.
http://www.almishkah.net/detail.php?n_no=2060&t=1
- انظر لوسيان غولدمان، مرجع سابق.[10]
- فيصل دراج، مرجع سابق، ص 43.[11]
- مرجع سابق، ص 43.[12]
- نفس المرجع، ص 43[13]
- نفس المرجع، ص 49.[14]
- نفس المرجع، ص 49.[15]
- مرجع سابق، ص 43.[16]
- نفس المرجع، ص 51.[17]

conter