الثلاثاء، مارس 18، 2014

الجزائري ورفض النظام



ترى نسبة كبيرة من الجزائريين ، كما رأت ذلك دائما منذ اواخر الثمانينات، وجوب تغيير النظام، دون أن يكون لها تصور واضح حول طبيعة النظام الذي ترغب في تغييره وتعتبره نظاما سيئا يدير البلد وفق آليات وذهنية معرقلة للتقدم الذي يطمح إليه الجزائريون. مع أن غالبية المواطنين يركزون على نقطتين جوهريتين: الفساد الذي يرعاه النظام، وحكام الظل الذين لا نعرفهم على وجه التحديد، أي أولئك المقررين الفعليين في مصير البلاد. طبعا يذهب البعض أبعد من هذا في تصوره لطبيعة التغيير التي يرى أنها يجب أن تكون جذرية قوامها الإنقلاب على كل ما يمت للقديم بصلة من مؤسسات وسلوكات، وهو التصور الذي سعى الفيس لتحقيقه عن طريق حشد جماهيري غير مسبوق ضد النظام، حشد بشر بالنظام البديل الذي قوامه الدولة الإسلامية.
وللحقيقة فغالبية الجزائريين حتى المتعاطفين مع التصور الاسلامي غير مستعدين للذهاب بعيدا في تصور الدولة الإسلامية المطروح من طرف تيارات الإسلام السياسي المختلفة، صحيح أن الجزائري المتدين بطبعه يسعى لتطبيق الشريعة في بعض المناحي الأخلاقية شديدة الصلة بالأسرة وبعض التعاملات الاقتصادية التي يسعى لأن تكون حلالا بشكل إجباري يفرضه القانون. لكن الرؤية السياسية البديلة التي يبشر بها البعض بديلا للنظام القائم المندد به والمرفوض والمطلوب رأسه منذ اكثر من ربع قرن، غير مقنعة لغالبية الجزائريين الذين يتخوفون على حريتهم من نظام كهذا ، بالإضافة إلى أن أصحاب التصور الإسلامي لنظام الحكم لم يتجاوز طرحهم في الغالب شعارات من قبيل الإسلام هو الحل والدولة الإسلامية ودولة الخلافة على منهج السلف الصالح، دون تقديم آليات حكم فعلية يمكن اختبارها ميدانيا. كما أن التصور المناقض للرؤية الإسلامية الذي يسوق له التيار العلماني والذي قوامه الحداثة بكل ما يتفرع عنها من قيم اجتماعية تنشد الحرية والفردانية و قوانين وضعية ناظمة لتعاملات الأفراد فيما بينهم من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة ثانية. هو تصور لا يلقى ترحيبا، ويقابل بريبة مسبقة تستند على تهم نجح الإسلاميون في إلصاقها بخصومهم العلمانيين: وهي التغريب ومعاداة الدين والدعوة للانحلال والتفسخ، والجزائري الذي يكتفي غالبا على المستوى الفكري والمعرفي بالكليشيهات الجاهزة عادة ما لا يتعب نفسه في البحث من أجل تكوين معرفة معمقة حول تصور كل طرف لطبيعة النظام المرتجى أو المطروح بديلا، وهذا ما يجعل التصور العلماني مرفوض بقوة الصورة النمطية المشكلة عن العلمانية ككل في المخيال الجمعي.
إننا كجزائريين نتفق بنسبة كبيرة على وجوب رفض النظام والمطالبة بتغيره، لكننا في المقابل لا نملك تصورا حول طبيعة النظام الذي نرغب في أن يكون بديلا للنظام القائم، صحيح أن الطرحين الإسلامي والعلماني لطبيعة نظام الحكام يلتقيان في طابعمها الإيديولوجي، وانهما لا يقدمان بديلا مقنعا للنظام لأن النظام القائم لا يرفضه الجزائريون بسبب طابعه الإيديولوجي، فإيديولوجيا هو نظام مرضي عنه من طرف الأغلبية، لأنه في الوقت الذي يشكل فيه ضمانة التحديث وسبيلا لتبيئة قيم الحداثة وما تحمله من روح علمانية، هو نظام حامي للتقاليد المسنودة دينيا، كما أنه نظام سعى منذ الإستقلال ليدمج الخطاب الديني ضمن مجال اختصاصه باعتباره راعيا للدين وحاميا له، لكن وفق تصور شعبوي للدين يحصره في الممارسات التعبدية وبعض الاحكام المتعلقة بالأسرة والميراث.
فالنظام وفق هذا التصور غير مرفوض إيديولوجيا، إنه مرفوض كممارسة، وكحكم فاشل في طريقة تسييره، ومرفوض كأشخاص، ومرفوض كمرجعية قوامها الشرعية الثورية، ومرفوض كمؤسسات تسير وفق رؤية غير عقلانية أساسها الولاء والمحسوبية، ومرفوض كرؤية أبوية ترتاب أمام الحرية في شقها السياسي الذي تعبر عنه معارضة حقيقية وصحافة حرة. وهو مرفوض كذلك كقوانين صيغت بشكل يخدم فئات معينة تشكل الكتلة الإجتماعية للنظام ( المجاهدين وذوي الحقوق، إطارات الدولة ذووا التكوين الفرانكوفوني، وبدرجة أقل الفلاحين والنساء ).
إن رفض النظام لجملة تلك الأسباب لا يستدعي الثورة عليه من أجل تغييره، بمقدار ما يستدعي إصلاحه من الداخل وفق نضال واعي وموجه نحو جزئيات معينة كالنضال من أجل ٍرفض أو تعديل قوانين نرى أنها غير فعالة أو غير عادلة. لكن الغريب في رفض الجزائريين للنظام انهم يرفضونه ككل دون الدخول في تفصيلات ما يرفض فيه وما يمكن قبوله وتعديله، دون أن يكون لهم تصور بديل للنظام المرفوض، ولا رؤية واضحة لكيفية تغيير النظام بعد فشل محاولة أكتوبر 88 وما تلاها من محاولة الفيس.
في نضاله ضد النظام يخلص الجزائري لروحه وتكوينه النفسي والفكري الذي يجعله ينظر دوما للظاهر من الأشياء، دون التساؤل عن الجوهر وعن أساسات قيام وتشكل ذلك الظاهر الذي نوجه له سهام النقد والرفض. أذكر أن الصحافة والأحزاب وبعض الشخصيات الوطنية والعامة قد نددت عقب عدة مناسبات انتخابية ( رئاسيات 2004، تشريعيات 2007 ....) بالتزوير التقني الذي سمح به قانون الانتخابات الذي تضمن عدة هفوات، دون أن يناضل أحد، بالشكل الكافي على الأقل، من أجل تغيير القانون. فالجزائريون لا يناضلون ضد القوانين التي صاغها النظام لخدمة مصالحه وتقويته، وهو نضال جزئي يمكن أن يحقق اهدافه بقليل من الصبر والإرادة، إنما ينشغلون فقط بالرفض المطلق للنظام، رفض غير ممفهم وفاقد لآليات تحققه.



الاثنين، مارس 03، 2014

مناهج الغرام للمولعين بالمناهج الحديثة


تبدأ جاذبية التفكيك كمنهج غرام، عند انفكاك الأزرار الأولى لفستان المحبوبة، إنه آلية تفكيك فعالة للحماية التي تفرضها النسوة على ممتلكاتهن الخاصة المحمية بالثوب والحجاب وبتعويذات الحروف المطلسمة، وبالطلسمات المبثوثة في ملامح الوجه واشراقة الشفتين وفي استدارة النهدين وفي نعومة النحر المنكشف تلميحا، هي الطلسمات التي تبوح ولا تصرح، إنها موضوع انشغال واشتغال التفكيك، الذي يمعن فيها هدما وبناء وتعرية دون لملمة البقايا الساقطة من الثوب المهمل عند القدمين. لحظتها، تشتغل السيماء، حيث انجذاب الروح للروح والجسد للجسد في حضرة البياض العاري حين يفيض الضياء ويسيح البياض مع أول انفكاكات أزرار القميص وانبلاج النور من الترائب المصقولة بإمعان. سيماء النور المنساب مع انزياح الثياب، يفرض على العاشق المجسون في سياق الدلالات المتولدة بتجدد مع كل همسة ولمسة مع تعدد مطارحات البوس والضم المحموم، أن يتقن بتفنن أسلوبية الغرام وآليات المقاربة بالضم وفن التأويل حينما تلتقي العينان، وحيثما تهمس الشفتان بغمغة الشوق المبثوث في آهات لا تفهم إلا تأويلا، لكنها ترمي العاشقين المتعانقين في اتحاد إلى نسقية التعدد المنهجي التي تفرضها لحظات الغرام.

كذب الرجال



للرجل كذبات وتلوينات حكايا هي في الأصل حكاية ابتدأت صدقا خالطها زيف الادعاء أو بريق الاضافات وانسلت منها الحكايات ومنها تناسلت الاحاديث التي بعضها لغو وبعضها صنارة صياد يبتغي السلوى حين يظفر بمهجة العيون العسلية التي اجذبتها الكذبات المتناسلة وأساطير الهوى المدوزنة بوعود لن تتحقق كما تبغيها العيون التي لاح فيها بريق عشق في طور التكوين. هو الرجل الكذوب في صدق حكاياه، المدعي في تفاصيل بطولاته وفتوحاته النسائية وهو الواعد دوما بالبدء من صفر جديدة ومن ظفيرة فكفكها بلهفة الغرّ وخفة الخبير، وهو في عيون العاشقات الحالمات بعمر يكتمل على مودة الوصل وشجن الوصال الصادق الصدوق وإن كذب، فالنساء لا يمنحن الصدق والعمق وحلاوة الريق إلا للكاذب الكذوب الذي يدوزن بِسمْتِ الصادق العاشق كل تلك الوعود التي لن تتحقق.


شذرات عن الرواية




شذرات عن الرواية

تكتب الرواية الحديثة عن إنسان دنيوي، قد ينكر استغراقه في متع الحياة الحسية، لكنه يمعن في اقترافها، إنسان معرى من الهالة ومجرد من إدعاءات التعالي التي يتقن تسويقها الرجال الطامحون للتموضع في مقام القدوة والمثال، أولئك الذين يقودهم طموحهم الاجتماعي إلى التسربل بالمثل العليا وإدعاء الأخلاق الرفيعة.
إن الرواية، على عكس التاريخ، يغريها المهمش والشاذ والمبتذل، فهي تكتب عن ذلك الإنسان/ البطل الذي يضيع عمره دون ان يحق شيئا، ويمضي دون ان يترك خلفه لا ذكرا ولا سيرة تروى. إن أبطال الرواية الحديثة المغتربون والإشكاليون هم بتعبير ابن الفارض وبتجاوز معناه:
رجال إذا حضروا لم يعرفوا .... و إذا غابوا لم يذكروا
فبطل الرواية الحديثة هو بتعبير فيصل دراج: " إنسان اكتفى بمأساة مستقلة، مراجعها حضارة تقنية وعقلانية مجزوءة ورهبة الموت التي يواجهها الإنسان وحيدا بلا معين "، إنه إنسان تائه في بحثه المضنى عن القيم التي يؤمن بها ولا يلتقيها في واقعه الاجتماعي وهذا ما يجعله مرتحلا لا يأنس لحضن ولا يستقر به مقام، مع أنه لا يصل بتاتا إلى حيث يريد، إنما، وبتعبير لوكاش: " لا يصل إلا إلى حيث أراد له الطريق أن يصل ".

عن العنوسة التي تزحف على أعمارهن


ارتفاع نسبة العنوسة بهذا الشكل المفرط وفي كل الدول العربية بغض النظر عن المستوى المعيشي للفرد والوضع السياسي، راجع أساسا لطبيعة التغير الاجتماعي غير المدروس وغير الموجه، ولطبيعة التحديث المتبع في هذه الدول منذ حصولها على استقلالها إلى الآن،حيث تم تفتيت النظام الأصلي للمجتمعات العربية والقائم على قيم أساسية كالتكافل والروابط الاسرية الشديدة المتانة والتي كانت توفر من ضمن ما توفره علاقات مصاهرة متبادلة بين العائلات، حيث أن العائلة هي التي تدبر أمور الزواج للفتيات وللأولاد بنسبة أقل، دون أن يكون هناك نظام بديل يحضى بالقبول النسبي من طرف فئات المجتمع المختلفة، حيث أن تغير النظام الاجتماعي، مع بقاء قيمه التقليدية تعاند التغير بنجاح، ادى إلى وجود شرخ حاد بين الواقع المحدثن بقيمه المدينية المنفتحة في الظاهر وبين القيم التي يؤمن بها الفرد في العمق ويعتبرها أصيلة ويجب الدفاع عنها وتنبيها والاحتكام إليها فيما يخص القرارات المصيرية للفرد كالزواج، وطرق اختيار شريك الحياة، فتسرب الكثير من الأفكار حول الفردانية وتحقيق الذات والاستقلال الاقتصادي للأفراد بحياتهم الخاصة لم يرافقه تبني ذهني واخلاقي للقيم الرافدة لتلك الافكارن فالمجتمع الذي يدعو المرأة للتعلم ويشجعها العمل والكسب لا يمنحها الحق في الاستقلال الاقتصادي والمعيشي بشكل انفرادي، كما يمنحه للرجل، إنما يطالبها، وبشكل نكوصي على الأفكار السابقة، بأن تظل مرتبطة بالعائلة وتابعة لها، وفي نفس لوقت الذي الذي يطالبها بالانخراط في الحياة العملية يشنع عليها الاختلاط الذي تفرضه تلك الحياة العملية، ويعتبر تواجدها داخل مجال التواد الرجالي مساسا بالشرف واتهام ضمني، يظهر كلما كانت المراة في موضع اختيار، فعملها وسط الرجال يمكن جعله تهمة عند عائلة الحبيب الرافضة لارتباطه بها، كما ان تواجدها بالجامعة وارتقاءها في التعلم رغم أنه يحدث بمباركة وتشجيع العائلة وبرضى نسبي من طرف المجتمع، إلا ان صورة الطالبة الجامعية في المخيال الجمعي ليست جيدة بالمرة.إن عملية التحديث العرجاء التي تمت خلال النصف قرن الماضي والتي ركزت على الجوانب المادية للمجتمع والتي كانت من نتائجها الإقحام المتزايد للمرأة في المجال العام، قد أوقعت المرأة او بالأحرى صورة المرأة في نظر المجتمع، في وضع مأزقي، حيث أن المجتمع يطالبها بأن تكون عضوا فعالا بالمجتمع من خلال التعلم والعمل، لكنه ينظر بريبة شديدة للنتائج الحتمية لتواجد المرأة في المجال العام، وأعتقد أن التفسيرات البسيطة لظاهرة العنوسة بإرجاعها للظروف المعيشية وغلاء المهور، هي تفسيرات سطحية، إذا لم نربطها بالقيم الاجتماعية السائدة في وقتنا الراهن والتي هي قيم مأزومة نتيجة كونها قيم نكوصية تشدنا لماض لا نلتقي به في واقعنا الحالي. 



عن الجميلات



الجميلات مظهرا وتقاسيم أنوثة،هن المشغولات بالكحل والمرايا وتلاوين أحمر الشفاه وصبغات الأظافر المختلف ألوانها، هن المغموسات في العطر عرفا وتخيلا لا ينال، وهن المتشوقات بفتنة العاشقات لنعومة معطف الكشمير الذي يلف جسدا يستقبل الريح بتفاصيل شتوية مبهمة، يعرف سرها وكنه انحناءاتها الدانتيل الأسود المعشّق بالحرير، وقد انفصل على الجسد فستان سهرة لا ينكشف إلا في القاعات المغلقة او ثوب نوم يفضله الرجال أحمرا بلون الرغبة، وتشهيه النساء أسودا يليق بالبياض الذي تحته، وهن الغارقات حين يلتقين في ثرثرات جامحة عن آخر التصاميم الشتوية لحقائب اليد، وعن لون عدسات العيون الأنسب للثوب الأسود والأحمر، ولمشاوير العمل اليومية.
إنهن فاتنات مؤمنات ماجنات، يبحثن عن حبيب هو الزوج غيرة وإنفاقا، وهو العشيق الطالع من المسلسلات التركية رقة خلق ونبل اخلاق ووسامة شكل نحتته اجتهادات الخيال وآماني العاشقات. يذكرن الصلاة ليلا ؛ جمعا وتقصيرا، ونهارهن عامر بالمشاغل والخرجات ورنات الهاتف المزود بشريحتين، للحبيب واحدة وللصديق اخرى ولابن الجيران ثالثة محتاط بها عند الاخت او تحت المخدة البيضاء المطرزة بخيوط الدانتيل وبالأحلام التي تكبر وتقاس بمقاييس الجمال عندهن، هن الجميلات مظهرا وتقاسيم أنوثة.

عن بنات الريف، مغنيات الأعراس


كان صوتهن على ضربات الدربوكة يعلو بنداء الرجاء: " طول حبيبي ما جاني يا الرايح قولو حبك كواني "، هن بنات الريف الجميلات صانعات الفرح المنسرب في تلابيب الروح ، خالقات البهجة الطروب التي تعم اعراس الدوار حين تلتقي النسوة والأطفال في حوش الدار ويتوسط الرجال الرحبة يسسبحون بحمد الخالق ويمجدون جمال مخلوقاته، وتغني النسوة وتعلو الزغاريد الرافضة حين ينشد الرجال تسابيح الندم : أنا راسي شاب وخايف ملعذاب ..." ترد النسوة من صحن الدار بصوت الغواية والدعوة للمعصية التي تؤمن أن رحمة الله اكبر من أن تخطيء العاشقين فستره يحرس خطوات سعيهما نحو التوحد البهيج:
التُوت وْيا مكحلْ التُوتْ
التوت غرس الدوالي
و اللَّه ما نذوق التوُّت حتى نبوس ولدْ خالي.

عن حاجة الرواية إلى أبطال إشكاليين




يندد البعض بالرواية التي تصور حيوات مأزومة وأبطال إشكاليين، وتنقل رؤية سوداوية عن الواقع ويرون بأن الرواية ما كان يجب لها أن تغرق في سودواية تجعل القاريء لا يجد فيها سوى شخصيات شاذة ومأزومة وعاجزة عن الفعل والتغيير، شخصيات مطرودة من ملكوت الرضا إلى خلاءات لا إسم لها، مستنزفة الروح وذاهلة عن الطرق التي أمامها، لكن، وبقراءة متأنية لما ينشر سنويا من روايات نجد أن الروايات الإشكالية التي تقارب تلك الشخصيات المأزومة والمطحونة تحت وطأة الواقع، روايات قليلة. صحيح أنها قد تكون فارقة وأكثر أهمية، وبالتالي الأكثر صدى، لأنها نصوص روائية مصرة على مقاربة تمزق الشخصية الروائية باعتبارها تعبيرا عن تمزقات اجتماعية وسياسية ومحاولة لفهمها وتقدير تأثيراتها على الفرد الذي غالبا ما ينسحق تحت وطأتها ، والرواية تصور وتكتب ذلك الانسحاق والضياع الذي يعيشه فرد مطرود من رحمة الجماعة.

في مقابل هذه الروايات التي لا يقدر إلا لقلة قليلة من المبدعين الكبار على كتابتها، نجد روايات اخرى كثيرة، وربما هي أكثر مقروئية تخرج عن سوداوية الروايات الإشكالية لتصف واقعا متدرجا في ألوانه، وهي روايات غالبا ما يغمرها النسيان سنوات قليلة بعد إصدارها. فتاريخ الرواية يحفظ لنا روايات الأبطال الإشكاليين المأزومين كنماذج وكعيون أدب ويضرب في الغالب صفحا عن باقي الروايات التي يدرجها مؤرخو الأدب غالبا ضمن الأدب التجاري رغم ما تحققه في وقتها من نجاحات، والسبب في هذه الانحياز نحو الروايات العميقة التي تعالج اوضاعا مـأزومة وإشكالية، يكمن في اعتقادي في طبيعة الجنس الروائي ذاته؛ إن الرواية كجنس لا يتطور إلا في فترات المخاض والتمزق الاجتماعي التي تعبر عنها الرواية، دون بقية الأجناس الأدبية، باقتدار ، نتيجة لما تملكه من حرية وقدرة على الغوص في النفس الانسانية وفي الواقع الاجتماعي وما يحدث بينهما من تبادلية تأثير وتأثر.
إن كل انتقال من شكل روائي سائد إلى شكل جديد، يسعى لكسب مشروعيته، غالبا ما كان يحدث في فترات أزمة مجتمعية حادة، ولنأخذ الروائية الجزائرية كمثال، رواية ما قبل التسعينات ورواية التسعينات وما بعدها، ونبحث عن تأثير الأزمة في الأدب سنجد تغييرا جوهريا قد مس طبيعة الرواية الجزائرية سواء من ناحية الشكل أو من ناحية المضمون، وقد نناقش لاحقا طبيعة تلك التغيرات التي مست الرواية في شكلها ومضمونها، تلك التغيرات كانت نتيجة لسبب رئيسي هو أزمة العشرية السوداء التي تناولتها الرواية من خلال شخصيات تائهة وفاقدة لليقين وللقدرة على التغيير الذي تطمح له.
إن اولئك الأبطال الشواذ، وتلك الشخصيات الضالة والضائعة هي مطلب للرواية، كجنس، قبل ان تكون اختيارا من طرف الكاتب الذي لا يملك إلا لاستجابة لذلك الشرط الروائي.

البارود يلالي



كان البارود في أعراسنا الريفية أكثر من بهرج وأكثر من تقليد يعلن عن الشهامة التي يحرص على إبرازها الشباب والشيب الأشد رجولة في المشتة وفي الدوار، ويظهرون من خلاله رجلة وفتوّة وفروسية محدثة بعد أن تم التخلي عن فرس الفارس كمرافق للمكحلة والبارود، رغم بقاء الأغاني الممجدة لذلك الالتحام بين الفارس الممتطي جواده وبندقيته وما تضفيه تلك الهالة من أسطورية على الفرسان:
فرسان القايلة هزوا المكاحل
ساروا فالليل اداو الزين وراحو
إنه ذلك كله وأكثر، وهو بشكل من الأشكال اعلان امتلاك وتعبير عن رغبة في القرب العلني الذي تكون الاعراس المناسبة الأفضل لربط الزواجات وللتعبير عن الحب بشكل لا يحرج المجتمع لأنه تعبير يتوسل بتقاليد المجتمع ويحترمها، حيث تدخل الراقصات الى الفرجة؛ الفرجة التي هي مساحة رجالية حصريا لا تفتح إلا للنساء المستورات الوجه والبدن، يدخلن يرقصن ويهيّجين الجمع وينسحبن، فقط تدخل نساء دار العريس مكشوفات الوجه فلهن حرمة اهل الدار مع الضيوف، وباقي المدعوات من بنات الأقارب وبنات الجيران يدخلن الفرجة وفوق الرأس خمار يتخذ من الأسود لونا في الغالب حتى لا يعرفن مع أنهن في الغالب يعرفن وتشي بهن حركاتهن ولباسهن، كما تشي النسوة المتوزوجات بالعازبات اللواتي يرقصن في الفرجة ويكن عرضة لضربات البارود من العزاب الراغبين في الزواج، فمن يعجبه رقص احداهن ليس عليه سوى الاقتراب منها وإعلان الرغبة فيها بطلقتي بارود ترد عليها إن هي وافقت بحركة رقص خاصة يعرف معناها الأكبرون سنا فترد على طلقة البارود أم الفتاة المختارة من خلف حدود الفرجة بزغروتة هي إعلان قبول ورضا وترحيب بالعريس الذي يتنافخ شرفا وعزة وقد أكسبه الرد الآتي من خلف الفرجة ثقة وغرورا وسعادة وهو ليؤكد عرضه ير د على القبول المبارك بطلقتي بارود أخريين، ليلمع بريق البارود في العيون المبتهجة من خلف الخمار الأسود الشفيف في قتامة تظهر ما خلفه ولا تظهر.
فالبارود في أعراسنا ليس فقد أداة للفرح وإضفاء نكهة رجولية على أعراس هي للنساء اكثر مما هي للرجال، إنما هو وسيلة امتلاك رجولي لنساء يعلنّ عن استعدادهن للخصب والبذل حين يدخلن الفرجة راقصات يلفهن الستر وتكشفهن الوشاية المحببة.

عن غواية الفن



باسم الفن وبواسطته وبعيدا عنه قبل أن يتشكل الفن تجسيما ولوحات تذر ربحا وتستذر عيون المتذوقين وتستجلب اعجاباتهم بتموجات الجسد المرسوم ورقة ذوق الرسام وعينه الشاخصة حينا للوحة التي تنرسم وحينا للموديل الذي يتمدد أمامه عاريا أو موحيا بعري يغري اكثر من العري ذاته.
تشكلت، وكانت نظرتنا للفن محض اجتزاء يخل بالذوق المستسلم لشبقيته والذي يختصر الفن في امرأة غاوية تتعرى امام العاشقين والمحزونين واللاهين بطيش الحياة. كان الفن وكانت اللوحات التي صورت سحر الشرق وشبقيته الباذخة وأجساد نساءه الممتلئة عريا ورغبة في حمامات اسطنبول وبغداد والشام، وفي أزقة القصبة والجزائر وفاس، كان الفن عندنا امرأة تتعرى في لوحة صاخبة بالوان البهجة والحبور ، وكذلك مازال في مخيال العوام كما في تصورات نخب لم تتشكل إلا على مضض الإستجابة العيية لأسئلة الحداثة ونداءات التحديث الخالقة لشبق يتمطى أمام دهشة الاكتشاف المنصدم بهشاشة التقديس الذي عاش فيه وبه قرونا. وكان لنا في لحظات التحدثن لقاء مع الفن المنسحر بشرق مشرقن ومختصر في حكايا الحريم وتكايا الدروايش، ونظام العبيد الذي يقف أساسا لنظام إنتاج لا يتطور ولا يتحول.
استقبلنا كشرق، وكعرب ذلك الفن الذي يخبر عن زمن أروبي شديد التحول ومبهرا في تطوره وعلمانيته، كان فنا حاملا لعلمانية تهمل التقديس وتركنه في الهامش القصي من الوعي، علمانية لم نؤمن بها يوما وظلت، كما ظلت الحداثة وقيم العقلانية والتنوير، مجرد أوهام حداثوية نلجأ إليها تعبيرا عن نزق النفس الحائرة أو هربا من تضييق قيم تخنق فينا الرغبة في القول الناطق بقيم الحب والحرية والفردانية، كما تخنق فينا الفعل الذي يرى التحرر افتكاكا للجسد من نمطيته الثقافية التي يصبغ عليها المجتمع الستر والإخفاء الذي يعين بنمط لباس، هو للمرأة حجاب وللرجل قميص يتقاصر عند الساقين.
كان الفن للحالمين ملاذا ووجاء من صهد الشرق المنذور لخلاء الصحراء ودفئها الوهاج، وكان للمارقين التواقين لعتق الروح من أسر قيم هي كالخناق يشد النطاق، ملاذا وضياعا فيما يتيحه الفن للروح من امتلاء.

الأحد، مارس 02، 2014

عن الثقافة المهملة للمدينة والناس




ثقافة أية مدينة هي ناسها وهي مقاهيها العتيقة وهي لهجتها التي تكشف كل غريب إذا نطق، هي مأثور القول وهي الحكايات القديمة التي تنبعث متجددة وزاخرة بالإضافات مع كل جيل، ثقافة كل مدينة هي روح مثقفيها، وهي مؤسساتها الثقافة وإرثها وتاريخها، وهي الفن الذي ابتدأ في الأعراس ومواسم الجني صوتا يلهج بنداء الرجاء في أغاني النساء وامتد صوتا طروبا يهديء الروح ويفتح باب الذكرى الملتاعة لتاريخ راح، ولأيام خلت ومحبوب لم يف بكل وعوده فانقطعت سبل الوصال وتباعدت احضان المودة عند منعطف ما.
ثقافتنا هي صخب الأطفال الطالعين من مدارسهم هرولة نحو الخارج الفسيح ولهفة على ماتشات ما بين الأحياء وعلى كل الشيطنة التي انكبتت داخل جدران مدرسة جعلناها بوعينا البائس سجنا يحترم فيه النظام ويمجد الانضابط الصارم أمام العَلَم والنشيد كل صباح، وهي الخربشات على جدران المدارس ومؤسسات الدولة وداخل المراحيض العمومية؛ خربشات ضد كل ما يبعد الروح عن بهجتها، وصوتا يعلو، حين ينكتب سرا، ضد سلطة سرقت منا الصوت الجهور وأسلمتنا للهمس الصموت بالقمع والترهيب والقولبة التي كانت المدرسة والمسجد والجريدة الواحدة التي تصدر بعناوين متعددة أداتها ووسيلتها المثلى.
ثقافتنا هي تاريخ لم يكتب وحكايات عن ثورة لم تدون احداثها فتنازعتها الذاكرات التي غزاها الشيب والنسيان وانسربت في مأثور الحكي حكايات بطعم الاضافات ورونق الخيال المؤثث بتمجيد زائف وتخوين غير مؤسس يتشربه الأحفاذ حكيا وأمثالا سائرة بين الناس ونكتا وأخبارا لا أصل لها؛ وكل ما لا أصل له يؤصله الزمان ويشرعنه التداول والانتشار في ثقافة تؤمن بالمشافهة وتمجد كل ما لا يوثق، هي الخائفة من الكتابة والمرتعبة أمام كل ما يدون وكل ما يكون دليل إدانة أمام أجيال ستأتي بطيش جديد ونزق مغاير، وثقافة تتعاطى خفيف القول الذي افتك نفسه من أدلوجات القهر، ثقافة مرهفة الإحساس بذاكرة نضرة وقصيرة.

لهذه الأسباب أنا ضد العهدة الرابعة



لأن بوتفليقة لم يرد منذ استدعائه للخدمة في النظام مجدادا سنة 1999 سماع الحقيقة التي تزعجه، أحاط نفسه بالأهل والعشيرة والمتملقين الذين يكذبون عليه، وهو يعلم أنهم كاذبون ويصمت ويعلم أن صمته سيجعلهم يتمادون في غييهم، ولأنه لم يرد إلا أن يموت رئيسا وأن يكون الرئيس الذي حكم الجزائر أطول فترة فقد داس على كل ما وعد باحترامه سابقا. بوتفليقة الذي قدم نفسه لجيلنا الذي لم يعرفه إلا سنة 1999 كمترشح للرئاسيات، قدم نفسه كسياسي ليبرالي يحترم قواعد الممارسة الديموقراطية، وكرجل دولة يتعامل مع الواقع بمنطق مصلحة الدولة لا بمنطق مصلحة الجهة والناحية والعشيرة والأصحاب. بوتفليقة الذي أعلن في عز انتصاره على خصومه سنة 2004 أن عهد الشرعية الثورية قد انتهى، انقلب على قوله وأنكر خطاباته السابقة حين عدل الدستور سنة 2008 من أجل الخلود في السلطة متكئا على شرعية الماضي الثوري التي اينعت في زمنه وتجلت في عودة "الركاي" من الشيوخ والعجزة لتولي مناصب الدولة.
بوتفليقة الذي اعترف أكثر من مرة بفشله وفشل الحكومة في الوفاء بوعوده الانتخابية لم يجد حرجا في الاستمرار مع الفشل، ورغم أنه صرح : " طاب جناني "، إلا أنه بدا أكثر إصرارا على البقاء في سدة الحكم لولاية رابعة وخامسة ان أمد الله في عمره.
قد يكون بوتفليقة شخصا متسامحا، لكن تسامحه أفقد الدولة هيبتها وجعلها في وضع دفاعي اتجاه مواطنيها الذين صار قطع الطريق وسيلتهم المثلى للحصول على ما يرونه حقا لهم، وتسامحه هو نفسه الذي نمّا من حوله نظاما يعتاش على الفساد والسرقة في ظل وفرة مالية غير مسبوقة، وهي الوفرة المالية نفسها التي جعلت النظام الذي يشكل بوتفليقة واجهته يشتري السلم الاجتماعي كل مرة من خلال تقديم رشاوي لكل الفئات المتذمرة من وضعها الاجتماعي، فكان رفع الاجور ومشاريع لونساج التي يطالب المستفيدون منها بمسح ديونهم على غرار مسح ديون الفلاحين الذي أعلنه بوتفليقة اثناء حملته للعهدة الثالثة، فالنظام يستغل المال العام الذي هو حق لكل الجزائريين من أجل ضمان استمراره ورشوة الفئات والجماعات التي تعلن بصوت عالي عن مطالبها الاجتماعية؛ فيكفي هذا النظام أن لا ترتقي تلك المطالب الجماعية إلى مطالب سياسية تطالب برأس النظام لا بتقاسم الريع معه كحال غالبية الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي.
ولأن الدولة فقدت هيبتها في عهد بوتفليقة، ولأن وعوده لم تتحقق إلا جزئيا وبتكاليف مضاعفة، ولأن عهد بوتفليقة شهد أكبر عمليات اختلاس وفساد في تاريخ الجزائر، وحوّل الفساد إلى أكبر واهم مؤسسة في البلاد تجر إلى اتونها كل المسؤولين والموظفين الصغار وتقحم المواطنين فيها بشكل من الأشكال. ولأن بوتفليقة كشخص، وجيله كفئة متدثرة بالمرجعية الثورية، ونظامه كخلفية، لم يعودو قادرين على تمثل رؤى وتطلعات أجيال من الجزائريين فقدت الأمل في التقدم والتطور والتغيير في ظل وجود هذا النظام وما خلقه من هيئات شكلية وأحزاب صورية وعمليات انتخابية لا تفعل أكثر من إطالة عمره، فمن واجب الجزائريين المحبين لوطنهم والذين يشعرون أن الجزائر تستحق وضعا أفضل مما هي عليه أن يناضلوا بشكل سلمي ومستميت من أجل الوقوف في وجه استمرار هذا النظام ومنطقه وشرعيته الثورية البائدة، وما النضال ضد العهدة الرابعة إلا مرحلة أولى في نضال طويل ضد نظام فقد صلاحيته لقيادة بلد بحجم وإمكانات الجزائر.



الجمعة، ديسمبر 27، 2013

عن الطالبات

الطالبات في عرفنا وأقصى تخيلاتنا غانيات مكسوات بالبهاء، هن العاشقات وهن المعشوقات وهن سيدات الدلال، ومالكات فتنة لا ينضب لها معين، هن اللواتي في صوتهن وعد الخضوع، وفي ضحكاتهن حين تتعالى صخب الفتوة والشباب. مغريات هن حين يمزجن الضحكة الغنّاء بمكر النظرات البارعة في توزيع وعود لا تتحقق، وهن المسكونات بيقين أنثوي لا يخيب أن مشيتهن الواثقة تزرع حولهن الارتباك، وتخلق في القلوب آلاف الحسرات، وهن يتقدمن بخطى فيها الرشاقة والخفة والرنين الذي يشحذ الانتباه من أمامهن وخلفهن، وهن اللامباليات، يتظاهرن، حين تحاصرهن العيون المعجبة، بالتأفف والتعفف وقلة الانتباه، وعيونهن تسرق النظرات وتوزع الأماني.
ملتحفات بخمورهن، أو تاركات شعرهن للريح يتطايره، يشتركن في عشقهن لسراويل الجنيز تحت الجلابيت السود او بدونها، وقمصان تضيق عند الصدر وتضيق لتخبر عن جسد عامر بالخصب والعطاء، وعن نهود تبعث من تحت القمصان والجلابيب وعبر الطوق المفتوح صهد الشبق والاشتهاء، وهن، في دلال الواثقات يبرعن في ضم الكتاب الذي بين اليدين للنهدين، أإخفاء لإمتلاء زاد عن لحد المرغوب وإشعالا للخيال الذي لم يبصر التحت بعد، وليس الكتاب المضمون للنهدين او المتروك مهملا على الركبتين في قاعات الدرس أو في الحافلات العامة سوى علامة تميز، ورغبة في الإخبار عن هوية تعلمن أنها تجلب السعد والحب، وتغري بالاقتراب، فالطالبات في عرفنا وأقصى تخيلاتنا هن المالكات لحرية الخروج، وللرغبة في عيش المغامرة، وللجرأة على التجريب العاطفي، إنهن في عرف البعض ممن انطقهن كبت السنين بالمتبذل من العبارة: عاهرات محترمات. أو، بالأقل من ذلك الابتذال: هن نساء يسعى الكل لغض الطرف عن هفواتهن. إنهن مقصورات الطرف التي يعد كل عشاق الجمال وطلاب المتعة انفسهم بهن، ولو تخيلا.

المتعلم وتقديس المرجعية



التسليم بما يصدر عن مرجعية أعلى ( الأب، الإمام، الأستاذ، الكتاب، وسائل الإعلام المكتوبة خاصة ) هي ثقافة سائدة لدينا كعرب وكمسلمين، وهي ثقافة موغلة في القدم ومتكئة على الاستدعاء الدائم للمرجعية والأصل، وتقديس كل ما تقادم من المأثورات والأقوال والأحكام، إنها ثقافة تعادي التجديد وتعادي الإبداع المركون عنوة في زاوية مظلمة تسمى البدعة، والبدعة ضلالة في عرف العارفين الضالعين في مراتب التقديس المرجعي للأصل وللسلف الذي ما ترك شيئا لعقول الخلف.
فابتداء من القرآن كنص مقدس وكأول المكتوبات وأكثرها تأثيرا في التكوين العقلي والنفسي للفرد العربي المسلم، وعلى امتداد تدوين ( كتابة ) الحديث، وتصنيف العلم الذي ما كان يعني في العرف العربي القديم سوى العلم الشرعي المسيّج بالقداسة والغموض الذي يستعصي على أفهام العوام؛ أولئك الذين لا يطلب، ولا ينتظر منهم سوى التصديق والتسليم بما يقرؤون او يقرؤ لهم من نصوص متعالية متشحة بالقدسية، فالنص المكتوب بالعربية ظل دائما في الفكر الشعبي الذي لم نتخلص منه رغم كل عمليات التحديث، لصيقا بالقداسة، فالعربية لغة مشدودة عنوة إلى الدين وقداسته وإلى المعرفة اللدنية، أي تلك الرؤية العرفانية التي بثتها نصوص الصوفية في الوعي الجمعي عن طريق الزوايا واحتفاليا الموالد و" الوعدات " التي تتلى فيها نصوص لا يفهمها اؤلك المريدون المنتشون في حضرة السيد العارف اللائذ بالغياب إمعانا في تعميق الإحساس بالقداسة وبالرهبة امام إرثه المتداول حكايات اسطرتها الرواية المتعددة لها شفاهة وكتابة.
إن أول ما يتعلمه الطفل العربي، غالبا، هو القرآن، والنص القرآني، بقداسته، يشكل بالنسبة للطفل أول لقاء بالمكتوب / القدسي، ونتيجة المناهج التعليمية المرتكزة على التلقين الحرفي وعلى المعلم / العارف الذي لا يقول إلا صدقا في نظر المتلقين / التلاميذ / الطلبة، فقد نتجت، وتعمقت تلك القدسية الرهيبة التي يتعامل بها لطلبة مع ما يجدونه مبثوثا في ثنايا الكتب، وخاصة الكتب التعليمية تقدم من خلال نصوصها منتوجا معرفيا يزعم لنفسه تقديم معرفة وعلم يقيني لمن هو بحاجة لذلك العلم ( الطلبة )، وهذا ما يجعل التعامل مع الكتاب بالنسبة لطلبة لم يتعلموا القراءة والنقد خلال مراحل تعليمهم السابقة على الجامعة، تعاملا يشوبه الكثير من الارتياب والرهبة والاستعداد المسبق للتسليم بكل ما يقرأ، نتيجة التأثير الرهيب لصدمة الإلتقاء الأول بالكتابة من خلال نص مقدس يعتبر التساؤل حلو صحته او معناه المضمر نوعا من التجديف، وهو القرآن.

أغنية محمد الزاني


هي اغنية عتيقة، نسائية الروح والكلمات، مغرقة في تحسرها على الحبيب الذي خان بعد أن نال من محبوبته ما أراد. كانت ولوقت قريب ترددها النسوة بالأعراس، هنا بمنطقة جيجل، وإن كان ترديدها يقتصر غالبا على سهرات دار العروس، وكأنها نوع من التوديع النسائي لحياة العزوبية بما فيها من أخطاء وهفوات ومن عشق مباح ومستباح، وكتحية إخلاص للحب االذي كان صادقا رغم أنه لم يكن في مستوى تطلعات فتاة ريفية، بسيطة الوعي، تربط الحب بالزواج بشكل تلقائي.
في الأغنية تحسر على غدر الحبيب، وعتاب شديد لا كره فيه لذلك العاشق الغادر، بل، ورغم مرارة ما آلت إليه حال تلك الفتاة العاشقة المفطورة القلب والمخدوعة في شرفها، فإنها تظل تؤكد على حفظ الود، وصيانة الذكرى من النسيان، وكأن تلك اللحظات التي عاشتها في حضن الحبيب، هي أثمن وأعمق ما عاشته في حياتها، لهذا فهي حين تكرر تاكيدها على حفظ الود والحب، وكأنها تؤكد على وجوب حفظ دكرى الحب لا ذكرى الحبيب، لأن الحبيب المخادع الموصوف في الاغنية " بالجنش " لا يستحق كل ذلك الحب وكل ذلك الوفاء، وكأنه، في هذه الأغنية، أي العاشق، مجرد تعلة، ومجرد وسيلة لعيش تلك الحالة من العشق والافتتان والاستسلام لشهوة الكشف وشبق الاكتشاف والإنكشاف روحا وجسدا في حضرة المحبوب، رغم خطورة ما ينجم عن هكذا علاقة مجرمة اجتماعيا.

لاشْ أَمحمدْ أَمحمَّد لاش أَمحمد الزّاني 
تْوسَّد دْرْع مرْتو والدَّاه النُّوم وخلاَّني 
عْويناتو عْويناتوُ عوينات الحنش في الليل 
كِنتفَكر أَمحمد الدَّمعة في الفراش تْسيل
عويناتوُ عويناتوُ عوينات الحنْش في الماء 
وْكِنتفَكر مْحمد الدَّمعة تَسْبق الكلمة 
أو و الله ما نْسيتك يا خْليلي غير إيلا برْدت الكَلْمة 
ضربوُني وجَرحوني وْسال الدَّم علَّخراضْ
ضربوني عذراعي وْزادولي عْللْخمَّاس 
لاش أَمحمد أمحمد لاش أمحمد الزَّاني 
توَسَّد درع مرتو والدَّاه النُّوم وخلاني 
زافْ الريح زافْ الريح والريحْ خَلخَل فْوادي 
و الله ما نسيتكْ يا خْليلي ولو نْعود بولادي 
زاف الريح زاف الريحْ، والريح خلخل الجوزة 
و الله ما نسيتك يا خليلي حتى نعود عْجُوزة
ضربوني وجَرحوني وحتى سالو عيْنياَّ
و الله ما نسيتك يا خْليلي حتى يبرْدو رجليا
لاش أَحْنيش لاشْ أحْنيشْ تزَفر عليَّا
وأنا صاحبي مْحمد وحماتي يهوديَّة
لاش أمحمد محمد لاش أمحمد الزاني 
توسد درع مرتو والداه النوُّم وخَلاني 
لاش أمحمد أمحمد لاش امحمد يا الطَّحانْ
فَموُّ يهدر مْعايا وقلبو مع المْرة في الداَّرْ
الدَّردوس والدَّردوس عدا على الغابة 
و كنتفكر خليلي والدمعة سرابا

سلطة الكلام



يميز باختين بين نوعين من الكلام: الكلام الآمر والكلام المقنع.
يمتلك الكلام الآمر سلطة داخلية، ومشروعية مسنودة غالبا، بالإستعداد الذي يبديه المتلقي لتقبله والتسليم بما جاء فيه. إن الكلام الآمر عادة ما يكون خطابا أخلاقيا وأبويا، إنه كلام الكبار والأساتذة والزعماء الملهمين وقادة الرأي العام.
على العكس من ذلك، فالكلام المقنع هو كلام عامة الناس، أو بتعبير أدق هو كلام أولئك الفاقدين للسلطة والمجردين من هيبة المشروعية التي تموضع كلامهم في رواق المقبولية، ولهذا فغالبا ما تكون الخطابات التي تصدر عن هؤلاء الفاقدين للسلطة، خطابات تفتقد للتقدير الإجتماعي، بغض النظر عن مستواها او أصالة ومصداقية ما تتضمنه.
إن هؤلاء، وحسب توصيف بورديو، يفتقدون للسلطة التي تنقل خطابهم من مجال الكلام المقنع إلى مجال الكلام الآمر نتيجة افتقادهم للرأسمال الرمزي الذي يموضعهم بشكل أفضل داخل الحقل / المجال الذي يصدرون ضمنه خطاباتهم، وسعيهم من أجل تحصيل رأس مال رمزي داخل الحقل يجعل خطاباتهم غالبا ذات نبرة نقدية واحتجاجية حادة اتجاه التسلط والأبوية، وهيمنة المرجعية. تلك المرجعية التي يتخذون، في مسيرة تحصلهم للرأسمال الرمزي، من توكيد الإنتماء إلى روحها، وتمثل بناءها النظري مقولاتها المفهومية، سندا ودليلا على أحقيتهم في ولوج الحقل الثقافي / الأكاديمي / السياسي / الديني ... الذي ينتجون خطاباتهم ضمنه. وفي نفس الوقت تكون تلك المرجعية موضوع نقد حاد وغير رحيم من طرفهم، على اعتبار انها تشكل الحصن المنيع الذي يصدر أصحاب المشروعيات المكرسة كلامهم الآمر من خلف أسواره.
لكن غالبا ما يكون ذلك النقد وتلك الهجمة على أسس وتمظهرات تلك المرجعية المكرسة للمشروعية، نقدا غير أصيل، وبالتالي فاقدا للقدرة على خلخلة تلك الأسس، وذلك بسبب كونه مجرد وسيلة تدافع على الخيرات الرمزية التي توفرها المرجعية، أي أنه من مصلحة أصحاب الكلام المقنع الذي يتسم بكونه أقل دوغمائية واكثر انفتاحا وتقبلا للرأي الآخر، أن يحافظوا على تلك المرجعية قائمة، لكن مع تركيز النقد الملحاح على استبداديتها وتهميشها للآخر، بشكل يضغط من اجل فتح الأبواب امام هؤلاء الوافدين الجدد بعد ان اكتسبوا الرأسمال الرمزي الكافي ليتحولوا من أصحاب كلام مقنع إلى اصحاب كلام آمر، أي إلى مالكين لمشروعية انتاج خطابات تمتلك قوة داخلية تمنحها هالة وهيبة لدى المتلقين.

الثلاثاء، ديسمبر 03، 2013

عن أحمد فؤاد نجم الذي لا يموت



بذيء اللسان والقلم كان، ككل الغاضبين لاغتصاب الحق وغيبة الوعي، كان أحمد فؤاد نجم كما وصفه أنور السادات: الشاعر البذيء. وهو رغم، وبواسطة تلك البذاءة كان أكثر من عبر عن أوجاع الروح المصرية بلغة تمتح من محكي الشوارع وصراخ الحارات العتيقة، ومن دندنة صبية المقاهي في حارة خوش التي جعل منها نجم ورفيق دربه الشيخ إمام محج المثقفين وكعبة الغاضبين الراغبين في التنفيس عن إحباطهم الطبقي الذي عبرت عنه أشعار ذلك الفاجومي النحيف الجسد والقوى ألإرادة ذلك الذي في شعره قوة تسقط الأسوار كما وصفه لويس أراغون.
لم تكن حياة احمد فؤاد نجم، وهو ابن عائلة نجم المعروفة ببر مصر، إلا حياة صعاب تُتَجاوز، ومكابدات لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد تماما كما مكابدات بروميثيوس الأبدية في إيصال الصخرة إلى أعلى الجبل. وهذا ما جعل في شعره ثورة غضب لا تخفي وإن تمت مداراتها أحيانا بخفة العبارة وحلاوة المزاح الممزوج بطعم المرارة؛ وهو الطعم نفسه الذي عمقته موسيقى الشيخ إمام، التي اتكأت على أشعار نجم، ليشكلا ثنائيا من أشهر الثنائيات الفنية في التاريخ العربي الحديث، رغم صدامية النهاية التي ميزت علاقتهما، لكن الترجمات الموسيقية التي قدمها الشيخ الضرير لأشعار الفاجومي، ستضل أهم ما يربطهما، واكبر من كل خلافات النهاية، تلك العلاقة التي ابتدأت في حارة خوش، وفي ذات الحارة نمت وتناسلت اعمالهما المشتركة، تلك الاعمال الثورية، الهادفة لإيقاظ الوعي الشعبي المصري من غيبوبته ومن لا وعيه بوضعه الطبقي في مجتمع يستنفذ كل القدرة على الصبر والاحتمال التي يتسم بها الغلابى والمقهورين، في بلاد خابت فيها كل اماني ثوارها ووعود ساستها، فانقلبت وعود الثورة والوحدة العربية التي بشرت بها ثورة يوليو والتي آمن بها نجم، إلى دكثاثورية واستبداد، وقمع للحريات وتكميم للأفواه، وهو ما عاناه نجم وشريكه الشيخ إمام كثيرا وطويلا، ولعل الشيخ إمام هو أول موسيقى عربي يسجن بسبب تأليفاته الموسيقية، فكما يقول عنه رفيقه نجم: " أول موسيقي تم حبسه في المعتقلات من أجل موسيقاه وإذا كان الشعر يمكن فهم معناه فهل اكتشف هؤلاء أن موسيقى إمام تسبهم وتفضحهم".
والفضح، وببذاءة لا تخجل من نفسها وعباراتها، هو ما قام به أحمد فؤاد نجم خلال المرحلة التي يسميها كمال عبد الملك في كتابه عن نجم بمرحلة: بلاغة العنف الثوري " ، والتي هي قمة تطور الوعي السياسي لنجم، والذي رافقه تطور وتثوير لأساليب الكتابة الشعرية التي ظلت وفية للعامية المصرية كقالب لغوي قادر على احتواء كل ما جادت به قريحة الشاعر البذيء أو الشاعر البندقية كما أسماه الراحل علي الراعي.
إن ثورية ما كتبه احمد فؤاد نجم، قد جعلت منه واحدا من اكثر المثقفين العرب تعرضا للإعتقال. لكن 18 سنة من الاعتقالات لم تكسر فيه روح الدهشة والحلم والأمل، والإيمان بالقدرة على التغيير، فكونه مثقفا ملتزما ذو رؤية يسارية عميقة التجدر وشديدة التأثير في سلوكياته ونتاجاته الإبداعية، جعله لا يكف عن النضال السياسي، سواء من خلال حزب الوفد الذي انتمى اليه قبل ثورة 25 يناير، او من خلال تصريحاته التي ظلت تلهم الكثير من الشباب العرب، وهو قد آمن بالشباب وبالفن، حتى آخر نفس.
أحمد فؤاد نجم، المناضل الشيوعي وعاشق الخمرة والنسوان، صاحب الثمان زوجات الذي اكتشف بعد رحيل العمر والقوة على أنه كان حمارا، كما عبر بنفسه عن خيبته من كل تلك الزواجات، ومن حبه الأول لابنة عمته التي حال الوضع الطبقي بينه وبنها، بسبب كونها من عائلة غنية، وهو مجرد بروليثاري يئن تحت وطأة فقر الجيب وغنى الوعي. هو يرحل عنا، ويبقى فينا حاضرا كما يبقى كل العظماء الذي ينيرون دروب الوعي الانساني بكتاباتهم، وهو عبر سيرة حياته الملحمية، وعبر ما خلفه من إرث شعري، سيظل واحد من تلك المنارات الثورية التي ستحرضنا دوما على أن نؤمن بأن الوضع القائم ليس قدران وإن خيانة الوعود الكبيرة لا يمكن ان تبرر، أو يدافع عنها تحت أية ذريعة.

conter