الخميس، سبتمبر 03، 2009

مبدأ الشرعية الثورية وتأميم الدولة والمجتمع

منذ الخمسينيات وما قبلها نعيش على وهم القومية والشعرات التي لا تلتقي بالواقع، باسم القومية انتصرنا وبسببها أيضا انهزمنا، في البداية كان المد التحرري كبيرا وهو ما أتاح للعالم العربي تحقيق استقلال كل دوله، ولكن الذين حاربوا بالأمس المستعمر استولوا على الدولة وأمموا المجتمع والدولة لصالحهم، لقد احتكروا السلطة باسم مشروعيات مختلفة ليرموا بكل المواطنين في الزوايا الضيقة والمعتمة
تلك العصب السلطوية التي اختطفت الاستقلال والدولة معه جردت الفكرة ( فكرة القومية ومعها فكرة الوطنية ) من وهجها وحولتها لشعار يلصق أعلى بوابات الهيئات الرسمية، لتكون تلك الشعرات سببعا في انطفاء جذوة الثورة ومعها رغبة الرقي والنهوض.
لنصل نحن جيل الهزائم والنكسات الذين ولدنا في أوطان مستقلة ومهانة إلى أن نكفر بكل الذين صورهم لنا التاريخ على أنهم أبطال الأمس، لأننا نراهم اليوم يختطفون السلطة والدولة والمجتمع والمال العام.
بوتفليقة واحد من هؤلاء الأبطال الذين حاربوا بالأمس ولكنهم وبعد تحقيق الاستقلال لم يستوعبوا جدلية التاريخ التي تقول بان الثورة حالة فورة وفوضى والدولة حالة نظام وتنظيم وعلى كل المتعاملين مع الثورة أن يغيروا حساباتهم حين ينتقلون لمرحلة بناء الدولة لان هناك أشياء كثيرة مستجدة تفرضها قوة الأشياء ونواميس المجتمع.
هم لم يدركوا هذه الجدلية وبالتالي تعاملوا مع الدولة بمنطق الثوار الذين يصنفون العالم إلى صنفين مع أو ضد. والمع ينال الرضا والمكافئة والضد يرمى للجحيم ويحرم حتى من حقه في الحياة، وهذا المبدأ " الثوري جدا " هو الذي تتعامل به الأنظمة العربية مع كل المعارضين لها.

الثلاثاء، سبتمبر 01، 2009

الاتحادات التدوينية والسلطة السياسية


تسمية الاتحادات التدوينية شكلية وهي على شاكلة كل الاتحادات والتعاضديات وما إلى ذلك من التنظيمات الداعية للقولبة والمستمدة من النظام الاشتراكي الزائل والذي ترك آثاره عندنا ورحل، هي على شاكلة اتحادات الكتاب واتحادات الفلاحين واتحادات النساء وما إلى ذلك،الفرق، أن اتحادات المدونين هي اتحادات هلامية وافتراضية والأشخاص المنتمون إليها غالبا غير معروفين بأسمائهم الحقيقية كما أن الانخراط فيها غير ملزم بتاتا.
التسمية شكلية والتنظيم أيضا، فأن يجتمع عشرة مدونين جزائريين ويقرروا تأسيس اتحاد تدوين جزائري متجاهلين آلاف المدونين الجزائريين الذين يعتقدون يقينا أن التدوين عمل فردي لا جماعي، وهو مبني على أساس الحرية والالتزام الفردي، بمعنى أن العملية التدوينية تنوجد كرغبة لدى الأفراد المسكونين بالرغبة في "وجع الراس"، فالتدوين هو واحد من المجهودات التي نبدلها دون أن نحصل مقابلها على أجر.
أكيد سوف يطلق هؤلاء المدونين العشرة على تنظيمهم اسم: اتحاد المدونين
الجزائريين، وهؤلاء الذين يبادرون بتأسيس مثل هذه الاتحادات هم في الغالب أناس متسللون، يحبون التمظهر ويجيدون الاستيلاء على نجاحات الآخرين بالوصاية المعنوية عليهم مع أن هذه الوصاية هشة وغير ملزمة لكلا الطرفين سواء للمدونين غير المنخرطين أو لأعضاء الإتحاد.
والنتيجة أن أعضاء الاتحاد سوف يتفاوضون، لاحقا، وفي ظروف معينة مع هيئات غير تدوينية بغية تسويق دعم هش لهم، على أساس أنهم ممثلون لكتلة واسعة من " أصحاب الرأي"، وتكون هذه الجهة غير التدوينية غالبا هي السلطة ممثلة بإحدى مؤسساتها. رغم علم هذه الجهة / السلطة بلا تمثيلية الاتحاد للمدونين، غير أنها غالبا توافق على الدخول في اللعبة لأنها تهتم بالشكليات ولا يهمها من الاتحاد ومن كل المدونين مجتمعين سوى خبر في جريدة، أو برقية توردها وكالة الأنباء الرسمية عن دعم المدونين للمشروع الفلان
ي أو للشخص الفلاني، فالخارجين عن مجال التدوين لا يعرفون شيئا عن تمثيلية الاتحاد للمدونين وبالتالي فهم مستعدون بسبب جهلهم لواقع الحال لتصديق الخبر، والاقتناع بأن المدونين قد عبروا من خلال اتحادهم عن دعم أو رفض، وهي نقطة تحسب للحاصل على الدعم، صحيح أنها نقطة هشة ولكنها تساهم في حشد الدعم الذي تقدمه الأحزاب والجمعيات التي لا تمثل سوى المنتسبين إليها لسلطة فاقدة هي الأخرى لتمثيل شعبي حقيقي.
والنتيجة: سوف تحصل السلطة على نقطة إضافية وعلى تطبيل شبه مجاني أما أعضاء الاتحاد التدويني فقد يحصلون على بعض الامتيازات، أقلها أو أكثرها السماح لهم بنشر بعض خربشاتهم بجرائد حكومية، وطبع بعض ما يكتبون على نفقة الجهة الحاصلة على الدعم والتأييد، بمقابل إبقاء الباب مفتوحا لتسخير أعضاء الاتحاد التدويني – في حالة احتاجت السلطة لهم - للتشويش على أصوات المدونين المشاكسين الذي لا يعجبهم العجب ويرفضون التسليم للسلطة بما تقرره.
في حالة وقوع هذا اتفاق فعلي أو ضمني بين اتحاد مدونين وبين جهة معينة في السلطة وتصدي الاتحاد للقيام بحملة تطبيل لصالح خيارات السلطة سيجد المدونون الآخرون الذين يدركون أن الاتحاد لا يمثلهم، أنفسهم مجبرين على التدخل ورفض هذا الانحراف، رغم أنهم في حالات معينة غير معنيين بأمر الاتحاد بصفة مباشرة ( حينما يوقع الاتحاد عرائض المساندة باسم الاتحاد فقط، وليس باسم كل المدونين كما حدث مع النادي الجزائري للتدوين في الانتخابات الرئاسية الماضية) وتدخل هؤلاء المدونين سيكون رافضا لنقطتين:
الأولى: أن لا يتحدث الاتحاد باسمهم.
الثانية: سيدافعون عن حرية التعبير واستقلالية التدوين بصفة عامة ويرفضون الدخول في تفاوض مع السلطة تكون نتيجته التنازل عن شرط التدوين الأساسي وهو الحرية.

فلسطين حالة ابداعية


فلسطين حالة إبداعية، عنقاء تنبعث من رمادها كل حين أكثر وهجا وأكثر قدرة على قول: أنا هنا بامتدادي في التاريخ، أنا هنا في لحظات الانكسار حاملة لوعود الانتصار، أنا هنا وطن لجميع المحزونين في هاذي الأرض.
أرض فلسطين حالة إبداع إلهي، هي حاضنة الديانات التي تؤمن أن النبي محمد لم يكون إلا عربي بلغ رسالته لكل من يحمل في قلبه شجن المحبة والسلام.
فلسطين هي التي خلقت القصيدة / القضية، هي التي جعلت من الحجارة ومن غصن الزيتون رمزا لكل من يدافع عن أرض هي له بأمر من الله
الفلسطيني هو ذاك الحصان الطروادي المتسلل عبر تعرجات التاريخ نحو الآفاق التي تطاول المستقبل وتنغرس في الماضي وفي الأرض، هو التائه في العالم منفيا، لاجئا وسائحا لم ينسى أن رجلاه لا تزالان عالقتان في طين شوارع القدس.
فلسطين هي موسيقى السماء التي لا يعزفها سوى الأطفال المجانين، الذين ألهموا نزار أن يكتب للمجانين، هي درويش وهي ادوارد سعيد، هي فدوى طوقان وهي سميح القاسم وهي دلال المغربي.
هي كل ما لا نستطيع قوله الآن ونحن نعايش أقسى لحظات الانكسار في الزمن العربي المسكون بالضياع والأحزان، بعبارة أخرى هي كل ما لا يحق لنا قوله الآن.

مظفر النواب

هو مظفر النواب الذي حمحم بشجن المحرمات على امتداد رحلة الحنين إلى
" جسر المباهج القديمة "، في شعره إدانة لجميع الذين انبطحوا وغيروا جلودهم فقصيدته " القدس عروس عروبتكم " مثلت في تاريخ الشعر العربي المعاصر قمة الغضب الذي يمكن أن يصله شاعر ويعبر عنه بكل البذاءات التي لا يحتملها السمع.كان شيوعيا في زمن كانت الشيوعية موضة وهو المنحدر من أسرة ارستقراطية ، وحين انقلب الرفاق القدامى على مبادئهم ظل وفيا لذاته وللشعر وللغضب الذي يجعل الكلمات شهبا لرجم الذين باعوا الأحلام والوطن، كان متسكعا، صعلوكا وظل كما هو، رفيق المنافي والزنزانات الباردة، وصوت المتعبين، وهو الآن في طي الغياب، طي الترحال.ربما مات، ربما تحول لبائع لعب أطفال في شوارع دمشق القديمة، ليقول شعرا آخر للصغار الذين آمن بهم، وبأنهم وحدهم القادرين على محو عار " الندامى " ، هو الذي لم يكتب عبر مسيرته الشعرية الطويلة والمتذبذبة غير كلمات أرادها "رسائل حربية عاشقة"، فالحب والحرب كانا قضية حياته الجوهرية، أو قضيه شعره، مع أنه لا فرق بين شعر مظفر النواب وحياته.
مظفر النواب، الحامل لأرث الغضب العربي الممتد عميقا في التاريخ، أحبه وأحب صعلكته في شوارع بغداد ودمشق، كما استعذب غضبه وكلماته البذيئة جدا والصادقة جذا؛ ذلك الذي لا يقول أي شيء في الخفاء، لأنه شفاف وطاهر وصادق مع ذاته، ولا يهمه ما سيقوله عنه الآخرون الذين لم يخجل يوما في مصارحتهم بحقيقتهم العارية .

الاثنين، أغسطس 17، 2009

الحوارية الغائبة


احترام الاختلاف والقدرة على فتح حوارات هادئة حول ما نختلف حوله، هو المظهر الأساسي المفقود في ثقافتنا المعاصرة، وللحق هو مفقود في الثقافة العربية التاريخية أيضا، فحتى اللغة العربية هي لغة سماعية خطابية وتلقينية أكثر منها لغة حوارية، ففي القديم كان الشاعر يلقى قصائده في جمع من الناس أو في حضرة أمير أو سلطان أو زعيم قبيلة، الإلقاء يشد الانتباه، يحفز السمع ويستفز المشاعر ، ولكنه يخدر العقل أي يجعله مجرد مستقبل، فتضيع القدرة على ملاحقة الكلمات المصاغة ببلاغة والانتباه لعثراتها.
لهذا كان دور المتلقي هو الاستماع، ونادرا ما يقع الأخذ والرد، فالمسموع الشعري إما يستحسن أو يستهجن، والاستحسان كما الاستهجان هو موقف ذوقي مدفوع بعواطف ومشاعر، أكثر مما هو موقف عقلي اتجاه المسموع، وهذا الموقف الذوقي هو الذي ساهم في تغييب نقاشات من طرف المتلقين للنص الشعري أو للأخبار التي كان يتداولها الرواة، فعملية الاستماع لا تتبع عادة بحوار حولها.
هذه الظاهرة استمرت مع الوحي الإلهي والحديث النبوي، كان النص الديني ينقل سماعا من طرف لآخر، وما على الطرف المتلقي سوى أخذه كما هو، أي التسليم به، وهذا ما فتح المجال واسعا أمام دس الكثير من الأحاديث ونسبها للرسول الكريم.
هنا نجد الجذور التاريخية لغياب ثقافة الحوار بيننا، الأمر اختلف قليلا مع بداية عصر التدوين، وعصر التدوين ابتدأ بتدوين العلم، والعلم في تلك الفترة بداية من القرن الثالث الهجري كان يعني أساسا العلم الديني والحديث على وجه الخصوص، هناك الكثير من الفقهاء ورجال السلطة رفضوا التدوين أي رفضوا الكتابة لأنها تتيح الفرصة للعقل المتأمل في التفكير حول المكتوب ( المسموع سابقا ) ونقده وتمحيصه، أي ممارسة قراءة عقلية واعية وهادئة له، وهذا ما لا يخدم حراس الايديولوجيا السائدة والمكرسة، لأن إعمال العقل قد يبطل الكثير من مزاعمها الغير مؤسسة.
ولكن بعد الحرب الضروس التي خاضها جامعي الأحاديث والحجج المنطقية التي قدموها كتبرير لعملهم المرتكز حول جميع الأحاديث الصحيحة وفرز المنسوب منها، تنازلت السلطة وسمحت لهم بالتدوين ولكن الحركية كانت متسارعة فانتقل التدوين من الحديث إلى مجالات معرفية أخرى انتصرت لاحقا وببراعة على دعاة الثقافة الشفوية ، وهذا الانتصار للمكتوب هو ما صنع مجد الحضارة العربية الإسلامية التي كانت حضارة عقل ودين معا.
ولكن حتى مع انتصار المكتوب وانوجاده كمجال معرفي يحضى بثقة النخبة، ظلت هناك دائما طابوهات صعب على المكتوب تجاوزها، فحق النقد اتجاه المقدس وحق رفض بعض ما يدرج ضمن نطاق المسلمات، ظل مرفوضا من طرف السلطة السياسية ومن خلفها السلطة الفقهية التي تم تدجينها سياسيا ما عدا بعض الفقهاء المتمردين الذين رفضوا الانصياع لإملاءات السلطة السياسية واستطاعوا أحيانا جرها للتنازل عن غيها.
ولهذا ظلت ثقافة الحوار والحق في الاختلاف شبه مغيبة، وغيابها ظل في حالة اتساع خصوصا مع عصر الانحطاط الذي نعيش بعض مراحله الأكثر تراجيدية الآن.
لغتنا المتداولة هي لغة إقصاء ورفض للآخر واللغة عند علماء اللسانيات ليست مجرد وسيلة تواصل بقدر ما هي حاملة لمنظومة فكرية تبين بجلاء طبيعة تفكير المستعملين لها، وبالتالي فنحن عندما نقول بأن لغتنا اقصائية فمعناه بأن طريقة التفكير التي تصدر عنها هذه اللغة هي بدورها اقصائية ورافضة للحوار ولا تعترف للآخر بحقه في الاختلاف .
وهذه الذهنية الاقصائية تتجلى في انصع تمظهراتها عند رجال السياسة والحكام العرب وكذا عند المثقفين الذين يرفض كل تيار منهم التيارات الأخرى ويسفه فكرها ومرجعياتها دون أن يحاورها ويأخذ منها ما يفيده وفي الوقت نفسه يطعمها بما عنده مما يمكن أن يكون إضافة له أو نقطة التقاء معه.
هناك مقولة جميلة أعتقد انها للدكتور عبد الله ركيبي، يقول: " إن مثقفينا في الجزائر والعالم العربي هم مثقفون لفظيا وليسوا مثقفين فكريا ".
وهذا التعارض الذي أشار إليه الدكتور ركيبي يمكن العثور عليه في تلك الضحالة الفكرية التي تسم الكثير من الكتابات الفكرية التي تصدر في العالم العربي، حيث انها في عموميتها لا تصمد أمام النقد العقلي، بسبب افتقادها للانسجام الفكري الذي يعطيها ديمومتها وقدرتها على التأثير العقلي قبل التأثير العاطفي.
وهذا ما يفسر خلو الحقل الثقافي العربي من مفكرين كبار استطاعوا تكوين مشاريع فكرية تتسم بالأصالة وعمق الطرح والانسجام الذي يساهم في تحويلها إلى تيار أو مدرسة فكرية تستقطب أتباعا ومريدين، حيث أن المتابع للحقل الثقافي العربي لا يعثر إلى عدد قليل جدا من الكتابات التي يؤسس أصحابها لمشاريع فكرية جادة استطاعت مع مرور الوقت وبفعل اجتهاد أصحابها في اثرائها، وبفعل التراكم المعرفي المنتج حولها، استطاعت ان تفرض نفسها وان تمتلك قدرة المنافسة داخل السوق التداولي للافكار الذي صار عالميا منذ فترة طويلة، وهنا يمكن ذكر بعض تلك المشاريع الفكرية:
- محمد عابد الجابري من المغرب ومشروع نقد العقل العربي
- محمد اركون من الجزائر ومنهجه في دراسة التاريخ الفكري الإسلامي الموسوم
بالإسلاميات التطبيقية
- حسن حنفي ومشروع قراءة متجددة للتراث العربي الإسلامي
- محمد شحرور من سوريا ومشروع قراءة جديدة للنص الديني
وهذه المشاريع الفكرية الجادة والواعدة مجهولة بنسبة كبيرة، خارج إطار النخبة الثقافية، وهي متجاهلة من طرف السلطة السياسية ومكفرة ومفسقة من طرف الفقهاء رغم عدم اطلاعهم عليها غالبا.
الكتب الجادة عندنا لا تثير حوارا حولها وحتى عندما يصدر كتاب مثير للجدل تسارع السلطة الدينية بإصدار فتوى تكفر صاحبه، و السلطة السياسية بوسائلها القمعية تصادره وتمنعه من التداول، فيتظاهر بعض المثقفين بالدفاع عنه وعن حرية التعبير والحق في الاختلاف وهم فقط يريدون استغلال الضجة التي أثارها المنع، بالكتابة عنها والاشتهار على حسابها، ويهاجم الطرف الآخر أي اؤلئك الذين يقدسون التماثل الفكري والاجتماعي، يهاجمون الكتاب وصاحبه مستغلين عناصر الهوية الجمعية كأدوات هجوم.
وفي الحقيقة أغلبية من يتحدثون في الموضوع سواء الرافضين أو المدافعين لم يقرؤوا الكتاب. حدث هذا أكثر من مرة وسيتكرر كثيرا لأن الذهنية لم تتغير، وهذه الذهنية هي علة أخرى من علل أزمة المثقف العربي.

الجمعة، أغسطس 14، 2009

تهميش المثقف الجزائري: من المسؤول؟

حين نطرح التساؤل بهذه الصيغة: "تهميش المثقف الجزائري واغتياله نفسيا: مسؤولية من؟" نكون بصدد استعداد نفسي لتبرئة المثقف من مسؤوليته عن الوضع الراهن الذي يتسم بكثير من الرداءة على مستوى الإنتاج الفكري من جهة وعلى مستوى الأداء الثقافي لما يسمى بالمؤسسات الثقافية من جهة ثانية.
وإلقاء اللائمة على جهات أخرى غير محددة مع أنها ومن خلال الإشكالية المطروحة تحيل على المسؤولين عن قطاع الثقافية الذين يشجعون الرداءة لعدة أسباب: قد يكون ذلك هو مستواهم وفكرتهم عن الثقافة التي لا تخرج في نظرهم عن الاحتفالات الكرنفالية، وقد يكون الإصرار على الرداءة ناتج عن كون أغلبية المسؤولين عن قطاع الثقافة في بلادنا هم من المبدعين والكتاب الأقل شهرة والأقل تميزا وحضورا داخل الحقل الثقافي، وبالتالي فتمييع الفعل الثقافي من طرفهم ما هو في النهاية سوى تغطية على رداءتهم.
بمعنى أن المثقف نفسه يتحمل نصيبا وافرا من مسؤولية الوضع الرديء الذي يعيشه الحقل الثقافي الجزائري، وهذه الوضعية نتاج تاريخي أكثر من كونها مجرد وضعية مستجدة، فافتقاد المثقف الجزائري للإمكانيات المادية التي تمنحه حرية في الإبداع والمبادرة، تجعله رهين تجاذبات حادة من طرف مؤسسات الدولة والهيئات الخاصة التي لا يهمها من النشاط الثقافي سوى تجميل صورته أمام الرأي العام المحلي وأمام المؤسسات الدولية التي تأخذ بالحراك الثقافي داخل أي مجتمع كمقياس دال على الديمقراطية والتقدم والنمو، أي أن الثقافة بالنسبة لتلك المؤسسات تبتعد عن كونها خلقا وإبداعا لتتحول لمجرد وسيلة لتحقيق أهداف أخرى غير ثقافية.
وفي ظل هذا الوضع يتحول المثقف إلى مجرد وسيلة للدعاية السياسية ويفقد جوهره وروحه الإبداعية ونظرته النقدية للأشياء، وبفقدان هذه المميزات يفقد المثقف مبرر وجوده ويتجول إلى مسخ.
هل يمكن اعتبار هذه الحالة التي يعانيها المثقف الجزائري، والعربي عموما، حالة ناتجة عن هيمنة الدولة على المجال الثقافي وعملها على إفراغه من محتواه النقدي والحر، مما أزم العلاقة بين المثقف والسياسي، أم أن نشوء وتطور الدولة والمجتمع ما كان لينتج غير هذه الحالة التي تضع الثقافة في ذيل قائمة الاهتمامات؟
بما أن مشكلة المثقف أو عامل النقص الذي يعانيه إزاء السياسي هو التجدر الاجتماعي المفقود، وكذا وسائل التأثير التي لا يمتلكها هذا المثقف، فإن الحديث عن البنية التحتية التي توفر للمثقف هذا المجال ذو أهمية قصوى، فالمعاهد والجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات الثقافية ودور النشر والمجلات والصحف وغيرها من الهيئات ذات العلاقة بالحقل الثقافي تشكل قاعدة مادية مهمة لعمل ونشاط المثقف تكتسي أهمية بالغة في توفير مناخ مناسب للمثقف يستطيع في ظله القيام بواجبه في نشر وعي معين وبالتالي في اكتساب سلطة معينة إزاء السياسي.
وهذا الطرح يقودنا لنقطة أساسية مرتبطة بعمل المثقف في جو تنافسي قوامه التنافس على خلق وتوليد الأفكار لا التنافس على تقاسم الريع كما هو حاصل لدينا، وهذه النقطة مرتبطة بدور الاقتصاديات الوطنية وبعبارة أدق دور رأس المال الوطني الخاص تحديدا في دعم ورفد هذه المؤسسات حتى تكون منبرا لحرية الفكر ومن ثم للخلق الفكري والإبداعي الذي يصب في خدمة المجتمع بصفة عامة حتى حين يكون هدفه الأولي هو خدمة هيئة معينة كحال الدراسات الاجتماعية والاقتصادية التي تنجر بطلب من مؤسسات حكومية أو خاصة.
من أهم الأسباب المعيقة لنشاط المثقف هي كونه موظفا عند الدولة وبالتالي فاقد للحرية إزاء نقد الدولة فهو في الغالب يعمل في مؤسسات ثقافية وإيديولوجية وتعليمية تابعة للدولة وخصوصا المؤسسات ذات الإمكانات الضخمة كالجامعات ومراكز البحث، ومن هنا فمن المنطقي أن لا يكون عمله موجها ضد الدولة وضد خطاباتها السياسية والإيديولوجية، فالدولة هي التي تضمن رزقه وتوفر له رفاهية اقتصادية تمكنه من التميز الاجتماعي.
وهذه الامتيازات التي يحصل عليها المثقف نتيجة حاجة الدولة له كموظف في مجالات لا يمكن لسواه أن يحل محله فيها تجعله يميل لخدمتها مضحيا بحريته، أو يشاغب في حدود المسموح به فقط، دون أن يطلق ملكاته الإبداعية والفكرية لولوج مناطق غير مستوية تقوده للإخلاص للحقيقة وحدها بعيدا عن التوجهات السلطوية.
نحن في المجتمعات العربية الحديثة وعلى عكس المجتمعات الإسلامية في فترات تاريخية ماضية لم تنتشر عندنا ظاهرة "رعاة الثقافة" أي أشخاص يملكون رأس المال ويوظفونه في دعم النشاط الثقافي والفكري الذي يصب في خدمة المجتمع بصفة عامة.
رعاة الثقافة والأدب لعبوا دورا كبيرا في النهضة الأوروبية، كما أن ازدهار الثقافة في الحضارة العربية الإسلامية كان مرتبطا بهذه الظاهرة تحديدا، حيث امتدت رعاية الثقافة من الأمراء إلى العائلات الغنية والأفراد الذين يحملون هما فكريا وثقافيا.
يكفي الإشارة إلى مثال مهم في العصر الحديث حول دور هذه الرعاية في نشوء نظريات ومدارس فكرية، صبت مقارباتها في خدمة المجتمع، مثال كارل ماركس وانجلز يعطي دلالة بالغة على الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه هكذا رعاية ثقافية في نشوء تفكير حر يكون قادرا على زلزلة اليقينيات، ويعد بفتوحات معرفية متجددة.
فلم يكن من الممكن لكارل ماركس أن يصوغ مشروعه في نقد الرأسمالية وكذا تنظيره للاشتراكية العلمية لولا لقاءه بالملياردير فريديريك انجلز الذي كان رفيق الدرب في التنظيرات الماركسية؛ انجلز وفر لماركس كل المتطلبات المادية له ولأسرته بغية تفرغه لمشروعه الفكري وهذا ما ساعد ماركس على توجيه تفكيره إلى نقطة مركزية وبكل حرية.
في المجمعات العربية الحديثة، البورجوازية الوطنية هي بورجوازية هجينة، فهي لا تمتلك مشروع مجتمع. في نفس الوقت هي بعيدة عن الثقافة بسبب وضعها الهجين، ولكون غالبيتها بورجوازية كومبرادورية مرتبطة بالمصالح الأجنبية فهي لم تساهم في خلق مؤسسات تهتم بالمجال الفكري ولم تساهم بأي شكل من الأشكال في خلق أو الترويج لنظرية أو فكرة معينة تخدم المجتمع.
ومن هنا كان المثقف ملزما بمراعاة ظروف المعيشة أي بالبحث عن مصدر رزق كأي إنسان عادي، وبما أن دور المثقف هو التفكير وإنتاج وتسويق الرموز لغايات اجتماعية فقد استقطبته مؤسسات الدولة التي تعنى بالتفكير وإنتاج المعرفة.
في الوقت نفسه، كانت هذه المؤسسات عامل مراقبة حد من حرية التكفير الضرورية للمثقف، فسقف حرية البحث العلمي والإبداع في العالم العربي محدد ومؤطر بطابوهات لا يمكن الاقتراب منه.
وفي نفس الوقت الذي تدرج فيه الدولة المثقف ضمن مؤسساته، فهي تهمشه وتحوله لتكنوقراط ولكسول لا يتحرك إلا بمهماز نتيجة ضعف العناية الممنوحة لمجال البحث العلمي وللنشاط الفكري عموم، حيث وبسبب اللجوء للمثقفين بشكل مناسباتي يتحول المثقف العاطل عن التفكير إلى متسابق على ما تذره النشطات الثقافية التي ترعاها الدولة وتصرف عليها بسخاء لأهداف لا ثقافية أساسا مرتبطة بمصالح سياسية مرحلية.
إذن فمشكلة المثقف هي مشكلة البورجوازية الوطنية التي تخلت عن تحالفها مع المثقف لأنها لا تمتلك مشروع مجتمع، ومشكلة الدولة التي رأت في المثقف إنسانا مشاغبا ومزاحما لها على كسب سلطة معينة تكون معارضة ومناوئة لسلطتها. ولهذا سعت لتدجينه وتحويله لكائن داجن لا يتحرك إلا للتنافس على الريع الذي توزعه الدولة.
ومن هنا فإن الباب المفتوح والخطير الذي يجب على المثقف ولوجه في ظل هذه الظروف هو باب النضال، النضال من اجل الديمقراطية التي أساسها الحريات العامة وحقوق الإنسان، وأساسها أيضا العلاقة التضايفية بين المثقف الحقيقي والسياسي الواعي بدور الثقافة في نهضة الأمة، لا العلاقة الإقصائية والعدائية السائدة في الوقت الراهن نتيجة غياب الديمقراطية.

الأربعاء، أغسطس 12، 2009

ذكرى رحيله الجارحة


هو الرائع دوما الذي علمنا كيف نعشق الكلمة حين ينطلق بها صوته أو حين تخطها أنامله، كان عاشقا من الطراز النادر لأرضه ووطنه وشعبه، رحل بصمت العشاق الكبار الذين يكون صمتهم نبلا ووقارا.فرحمة الله عليك يا سيد الشعراء ويا شاعر القلب والوطن حين يصير الوطن مساحة عشق فقط بعيدا عن اذران السياسة والنفاق. حينها، سنكون دوما بحاجة للعودة لمحمود درويش الذي لا يموت، فالكتابة تعني رغبتنا في أن نبقى على قيد الحياة حتى بعد أن تصعد الروح إلى بارءها ويفنى الجسد، ودوريش لم يمت، سيظل بيننا.
ونحن نستعيد درويش بعد سنة من رحيله، نستعيد تاريخا كاملا من الكلمات والنضالات الكثيرة التي خاضها بحرفه وفكره، فدرويش الشاعر والسياسي الذي انقلب على شعره مرات كثيرة بحثا عن قصيدة تحتويه، كما اختلف مع رفاقه في فتح حين فرضت الظروف عليهم ان يقايضوا خبز امه بقطعة ارض موعودة يرفع فوقها علم وغصن زيتون، لم يكن يوما حالة فردية، حالة شخص عاش ومات كما يموت الملايين، إننا نستعيد مع استعادة روح درويش جرحا غائرا في تاريخنا الحديث، جرح وطن وجرح أرض لا تزال نازفة، وجرح ذاكرة موشومة بالدم.

الاثنين، أغسطس 10، 2009

المدون والمثقف

لا أرى أن كل مدون هو كاتب أو مفكر، هناك الكثير من الكتاب لهم مدونات وهم كتاب معروفين، سواء على المستوى الأدبي أو الأكاديمي ولكن انطلاقا من ماهية التدوين ومن فكرة المدونة القائمة أساس التفاعل لا يمكن اعتبارهم مدونين رغم ان لهم مدونات.
لماذا؟
لأن المدونة بالنسبة لهم هي مجرد مكان للنشر بعيدا عن أي تفاعل مع باقي المدونين ( القراء ) والمدونة حين تفقد تفاعليتها تفقد جزء كبيرا من ماهيتها لهذا فالمواظبة على التدوين عمل مضني ومتعب للغاية مع أن المدون الذي يجتهد في تحديث مدونته بشكل شبه يومي لا يحمل صفة كاتب أو مفكر أو غير ذلك من الصفات والأسماء التي يسعى خلفها من يتعاطون الكتابة عبر الوسائل التقليدية ( صحف، مجلات، كتب)
إذن من هو المدون؟
انه إنسان يكتب مع انه ليس بكاتب إنسان يشارك في معارك فكرية وسياسية مع انه ليس بسياسي ولا بمفكر، هو فقط وعن طريق مدونته صار قادر ا على إيصال رأيه لفئة واسعة من الناس، وفي الوقت نفسه صار قادرا على أن يجعل من رأيه موضع قبول أو رفض دون أن يدعي انه قادر على التأثير في الآخرين أو المساهمة الفعالة في صناعة رأي عام رغم أن نسبة كبيرة من المدونين مسكنون بوهم التأثير في مجريات الأمور ( من خلال الحملات التدوينية حول قضايا عامة ) وحريصون على إظهار مدى قدرتهم على إبداء الرأي في كل ما يتعلق بالحياة العامة.
المدون قد يكون إنسانا مثقفا كما قد يكون إنسانا متعلما لا غير، وإذا حددنا صفة المثقف بذلك الإنسان الذي يحشر انفه في الشأن العام، نقول بأن المدون مثقف بشكل ما ، ولكن هل صفة المثقف تجعل منه كاتبا أو مفكرا؟، ليس بالضرورة ونحن نعيش لحظة احتضار الكلمات والمفاهيم القديمة، لأن صفة المثقف لم تعد تحيل بالضرورة على الكتابة رغم أنها ( وقبل زمن الفضائيات والانثرنث ) تستدعيها بالضرورة.
باختصار التدوين عملية جماهيرية لتمييع الثقافة، إنه مرحلة متقدمة من مراحل كسر الهيمنة الثقافة للنخبة الفكرية والتي ظلت ( أي تلك الهينة ) شديدة الحضور والتأثير لفترة زمنية طويلة ( لقرون عدة )، فالتدوين أتاح للمهمشين صناعة مركزهم واسمهم الخاص الذي تعثر عليه محركات البحث عبر الانثرنث بنفس القدر الذي تعثر به على أسماء كتاب كبار افنوا عمرهم بين الكتب وصار تأثيرهم لا يتجاوز فئات قليلة من القراء يتراجع عددها يوما بعد آخر نتيجة زحف وسائط الاتصال الحديثة.

الاثنين، يوليو 27، 2009

في نقد التدوين

إن أهم عائق أمام تطور حركة التدوين العربية هو كون غالبية المدونين العرب لم يحسموا امرهم فيما سيكتبون عنه قبل ولوج التدوين فالتدوين بالنسبة للغالبية منا استجابة للحظة وللمستجدات خصوصا بالنسبة للمدونات ذات الطابع السياسي المنشغلة بملاحقة المستجدات السياسية الوطنية والدولية، والغارقة في النقد لأجل النقد بطريقة تخبر عن مراهقة سياسية مقيتة، رغم كون غالبية من يتصدون للكتابة عن السياسة كثيرا ما يقرنون اسمهم بصفة الدكتور أو الكاتب الصحفي وغيرها من الصفات التي يبتغون من وراءها إعطاء مشروعية ما لما يكتبونه في عالم التدوين، ومن ثمة تحصيل مكانة وسط المدونين الذين يتشكلون في الغالب من مجرد متعلمين وجدوا الفرصة المواتية من خلال المدونات لممارسة هواية الكتابة.
ينحدر غالبية المدونين من الطبقة الوسطى أو بتعبير المدون الفيل من الأفندية الصغار، و الطبقة الوسطى تعتبر من منظور ماركسي هي الحاملة لقيم التغير والحاملة أيضا لمشروع حضاري تريد تحقيقه في المجتمع، لهذا فهي طبقة قلقة، راغبة في الارتقاء في نفس الوقت تظل مسكونة بهاجس السقوط ، وهذا الوضع القلق للفئة الاجتماعية التي ينحدر منها غالبية المدونين ذو فائدة تحليلة حين نسعى لمقاربة توجهات المدونين نحو النقد السياسي ونحو الكتابة الفكرية، حيث الميزة المشتركة بين جل المدونات الحاملة لقيمة فكرية هي الرفض والنقد والحماسية، وفي نفس الوقت الميل نحو المحافظة التي تعبر عن رغبة ملحة لدى المدونين للانسجام مع القيم المجتمعية السائدة، والحرص على التماثل الاجتماعي الذي يحرص عليه كل من له مصلحة في لعب دور سياسي واجتماعي معين يحتاج لتأييد فئات واسعة من المواطنين.
فميل المدونين لتبني القيم المجتمعية السائدة وعدم الخروج عنها، يحصر العملية التدوينية في كونها إعادة إنتاج للمقولات السائدة والمكرسة في الواقع، في الوقت نفسه يتحول التدوين إلى عملية اجترار لا تظيف أي جديد للخطاب الثقافي السائد في الحقل الثقافي العربي، حيث الهيمنة الكبيرة للخطابات الدينية وللنقد السياسي الذي ينتقد بدون دليل، وهذا الميل المحافظاتي على المستوى القيمي والاجتماعي من جهة، والنقدي على المستوى السياسي من جهة ثانية الذي يسم جل المدونات العربية لم ينتج في النهاية وبعد سنوات قليلة من بداية التجربة التدوينة العربية سوى خطابات منغلقة على ذاتها ورافضة للاختلاف والحوار رغم الإدعاءات الكثيرة باحترام الرأي والرأي الآخر، فكلمات مثل التغيير، الحوار، الاختلاف، العقلانية ، التسامح، وغيرها من الكلمات ذات المدلول الفلسفي العميق التي تحيل على ذهنية متفتحة قادرة على محاورة نفسها والآخر بأسلوب حضاري هي كلمات غائبة بشكل كبير عن فضاء التدوين، لأن المدونون العرب مسكونون أساسا بصناعة إسم، ومهوسون في نفس الوقت بتلك الطهرانية المقيتة التي يرفعونها كشعارات لاضطهاد الآخر المختلف ورميه بالفسق والفجور والمروق لمجرد الإختلاف في الرأي.
فثقافة المدونين مدرسية في الغالب، وهذه الثقافة المدرسية هي التي تجعلهم يقولون ويكتبون فقط ما يحضى بالقبول من مجموع المتلقين، وهنا يتم إلغاء الذهن المتقد القادر على النقد والقادر على الاختلاف لأجل تماثل إجتماعي وفكري ولأجل قولبة للمفاهيم والقيم عموما في عالم منفلت من من الرقابة الايدلوجية للسلط القمعية
يقوم بعض المدونين بمهمة حراس المعبد المقدس، مثلا بعض الاتحادات كالاتحاد الفدرالي للمدونين ظل ولفترة طويلة يقدم نفسه من خلال ما ينشره بعض اعضاءه ومن خلال بعض الحملات التي قام بها على أنه القيّم والحارس لكل القيم الدينية والثقافية التي تحظى بنوع من الاجماع في الوسط الاجتماعي، كذلك بعض المدونين المنفردين والذين لا ينتمون لاتحاد معين او مؤسسة ما، وغالبا هم أولئك الكبار سنا يمارسون نوعا من الأبوية على الآخرين بشكل مقيت وكأنهم أنبياء الزمن الجديد، في حين انهم في نهاية الأمر لا يمثلون سوى رقم في قائمة تضم الآلاف من المدونين المتفاوتين في قدرتهم على التأثير على المتلقي.
نحن عن طريق التدوين لن نغير العالم، علينا أن نكون متواضعين بعض الشيء، ونتخلى عن يوتوبيا تغيير العالم بالكلمات، فنحن نكتب وندون لحاجة في النفس لا أكثر ولا أقل، وللتعبير عن رأي لا يلزم احدا سوانا في نهاية المطاف ، ومن ثمة للمساهمة في صناعة رأي عام ولو بنسبة ضئيلة جدا.
وهنا نعود للنقطة الأولى المثارة: مالهدف من التدوين؟
وهل قام كل مدون بتحديد هدف معين يبتغي الوصول إليه قبل ان يلج التدوين، ومن المسهدف بالخطاب التدويني ( مقول خطاب مجازا )؟

هذه اسئلة تطرح عادة على اصحاب المدونات الذين يدعون أنهم مدونون يحملون مشروع فكري ما، أما أصحاب الخواطر العاطفية وما أكثرهم فأظن ان الكتابة بالنسبة لهم هي ترفيه عن النفس وتعبير عن خوالج القلب والجسد، وهذا ليس عيبا، فوجود هكذا مدونات متخصصة في حلو الكلام أمر طبيعي لأنها تقدم ابداع في نهاية المطاف، ولكن كتاباتهم تفتقد لأيديولوجيا معينة، لهذا لا نستطيع أن نوجه لهم اسئلة فوق ما يستطعون ادراكه، او اكبر من طموحاتهم التدوينية.

الأحد، يوليو 19، 2009

الغرب، المثقف الاسلامي، المثقف العلماني

حسم المثقف الإسلامي أمره منذ البداية اتجاه الحداثة واتجاه الغرب، حسم أمره برفض الأمرين معا بشيء من المراوغة، حيث انه يقع في تناقض صارخ وهو يعلن عن رفضه المطلق للحداثة وللغرب وفي نفس الوقت يوظف المنتجات التكنولوجية الغربية وبواسطتها يعلن رفضه، فهو أي المثقف الإسلامي رفض الأفكار وقبل المنتجات التقنية التي تحمل في نهاية المطاف ثقافة معينة هي الثقافة الغربية وتفرضها بشكل خفي على مجتمعاتنا دون أن نكون واعين بكيفية تمرير تلك المنتجات التكنولوجية لثقافة معينة هي نتاج البيئة التي أنتجتها وحاملة لقيمها.
فالتلفاز والفضائيات والانثرنت والجوال والمصانع التي تضم آلاف العمال، كلها تزرع ثقافتها وقيمها المغايرة للثقافة والقيم التي ينافح عنها المثقف الإسلامي، فهذا الأخير يعلن رفضه للثقافة الغربية في حين هو أسيرها، وبالتالي يقع في التناقض الذي يداريه بتلفيقية خطابية لا تصمد كثيرا أمام النقد العقلاني الذي يوجهه ضده غريمه العلماني، كما انه يعبر من خلال فصله بين المنتجات التكنولوجية والقيم الثقافية التي تحملها عن قصور في الرؤية يغشى نظرته للغرب وعلاقته به المتسمة دوما بالتشنج.
المثقف العلماني لا يزال ضحية صدامه مع قيم المجتمع، فهو لا يريد تمثل تلك الموروثات القيمية والثقافية المتجذرة في المجتمع والتي يحمّلها وزر التخلف ومن ضمنها ما يسميه الفهم القاصر للدين ، فالمثقف العلماني يدعو لفصل الدين عن الدولة ومن ثمة عن الحياة الاجتماعية من خلال الاستناد إلى مرجعيات وضعية فيما يخص النظم والقوانين الناظمة لعلاقة الأفراد فيما بينهم من جهة وبينهم وبن الدولة من جهة ثانية، دون أن يجد الوسيلة التي تمكنه من إيصال رؤاه وطرح أفكاره بشكل مقنع اجتماعيا.
فمأساة المثقف العلماني تكمن في كونه غير متجذر اجتماعيا على عكس المثقف الديني الذي يحضى بقبول وبثقة عموم أفراد الأمة الذين يرون فيه معبرا عن جزء من هويتهم الأصيلة التي يشكل الدين رافدا مهما من روافدها؛ فالمثقف العلماني يرى في العلمانية والحداثة وقيم الأنوار الأوروبية خيارا لا رجعة فيه من أجل النهوض من جديد، واللحاق بالركب الحضاري الذي أخطانا نحن العرب موعدنا معه مرات كثيرة، وتبنيه للقيم الغربية كمرجعية يوقعه في صدام مع المجتمع ومع القوى المحافظة داخل هذا المجتمع. وقد نسي هذا المثقف أن الخصوصية الثقافية تفرض تعديلات على قيم تتسم بطابع عالمي ولكن بتمثلات مغايرة تبعا للتغيرات الاجتماعية الخاصة بكل دولة وكل أمة.
العلمانية في جوهرها وفي فهم مستنير لها لا تعارض الإسلام إنما تفتح المجال للقوانين الوضعية لتنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية دون أن تلغي حضور الدين كناظم لهذه العلاقات من جهة أخرى
العلمانيون يركزون على فكرة رئيسية يرفضها الإسلاميون ويرتاب منها المجتمع في عمومه؛ ومضمون هذه الفكرة أن الدين هو علاقة خاصة بين الإنسان والله دون أن يكون له تجلي اجتماعي في الحياة السياسية والمدنية.
الإسلام يقر اجتهاد المؤمنين فيما يخص حياتهم فالرسول الكريم يقول: " أنتم أدرى بشؤون دنياكم "، وهو حديث دو أهمية في مقاربة موضوع العلمانية التي انطلقت في منشأها الغربي من مقولة مشابها للسيد المسيح عليه السلام: " أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وبالتالي فالعلمانية لا تعارض في جوهرها الإسلام حين نقاربها انطلاقا من خصوصياتنا، ولكن المثقف العربي العلماني اخذ العلمانية الغربية كمعطى جاهز لا يقبل التغيير ولا التبديل وكأنها قرآن منزه، وطالب بضرورة تغيير المجتمع حتى يتقبل العلمانية وهذا ضلال كبير وقع فيه هذا المثقف.
إن مشكلة المرجعيات قائمة وعميقة في الفكر العربي الإسلامي، وهي مجال خصب للصراعات الاجتماعية والسياسية بين مختلف التيارات الإيديولوجية المتصارعة داخل الحقل التداولي للأفكار وللمشاريع الحاملة للرغبة في التغيير بنفس القدر الذي تظل فيه المرجعية كسلاح في يد الفئات المحافظة التي تسعى لإبقاء الوضع على ما كان عليه.
نحن لم نستفد من التجربة اليابانية التي حافظت على روحها الشرقية وفي الوقت نفسه استطاعت التواصل الفعال مع التقدم الغربي ومجاراته، فالنهضة اليابانية انطلقت من نفس المقدمات التي انطلقت منها النهضة العربية وفي وقت متقارب، ولكنها استطاعت تجاوز حالات القصور الذاتي من خلال التفاعل الإبداعي والفعال مع الغرب ؛ في الوقت الذي عجزنا نحن عن فعل نفس الشيء.
إذا فالمشكلة تكمن في سؤال النهضة الخطأ وفي الطريق التي لم توصلنا إلى الجنة، جنة التقدم والرقي الحضاري، وفي التلفيقية التي اتسم بها خطاب النهضة والتي جعلت كل المحاولات تدور في حلقة مفرغة تحتدم بداخلها صراعات لا طائل من ورائها.
وهذه إشكالية فكرية على المفكرين إسلاميين وعلمانيين مقاربتها بعمق وجرأة حتى نتمكن من استئناف الفعل النهضوي الذي انهزم في منصف الطريق.

الأحد، يوليو 05، 2009

الإختلاف بدل التجاوز


يمكننا الحديث عن الاختلاف بدل التجاوز، لأن التجاوز في مجال الأدب والفكر عموما غير ممكن بتاتا لأنه يعني من ضمن ما يعني إلغاء التراكم الضروري لأي إنتاج أدبي وفكري، وبالتالي فحين يتحدث البعض عن رغبة التجاوز يغالطون أنفسهم وقراءهم، لأنهم يسوقون العلاقة بين الأجيال الأدبية على أنها علاقة صراعية بالأساس، تقوم على ثنائية حدية، حيث القديم مقابل الجديد، مع أن الجديد لا ينفي القديم ولا يتجاوزه إنما يبني عليه صرحه المختلف. الكثير من الأدباء الشباب وقعوا في وهم قتل الأدب مع أن هذه العملية غير ممكنة أيضا لأنها ردة فعل أكثر من كونها فعلا نابعا عن وعي بالمحددات السوسيولوجية للكتابة. يمكن إيجاد مبررات نفسية وموضوعية للرغبة في قتل الأب بتجاوزه حيث هذه الرغبة تنبرز لدى البعض، نتيجة الضغط الكبير الذي تمارسه الأبوية الفكرية على الوافدين الجدد لمجال الكتابة الأدبية، والذين عليهم أن يكسروا مزاليج الأبواب لكي يلجوا الحرم الإبداعي الذي تحرسه الأبوية المتسلطة بطبعها. ولكن بمجرد الولوج ( أثبات الحضور والتميز) يجد هؤلاء الوافدون الجدد أنفسهم مجبرين على التعايش مع الآباء المالكين لرأسمال رمزي يمنحهم سطوة وهيمنة معتبرة على الحقل الأدبي، قد يتحول بعض هؤلاء الوافدين الجدد أنفسهم إلى ممارسة نوع من الأبوية ولو بشكل مختلف عن أبوية السابقين، نتيجة تحصيلهم لرأسمال رمزي يوبؤهم مكانة مميزة داخل الحقل الثقافي، ولكن إذا كان الاختلاف هو قدر الكتابة الجديدة الواعدة في الجزائر،فإن " أبوية الجيل الجديد " هي أبوية منفتحة ولا تملك من صفات الأبوية _ بعيدا عن القمع_ غير قوة الحضور الذي ينتج قوة التأثير. اعتقد أن الأدباء الشباب القادرين على تقديم المختلف والمميز للحقل الثقافي الجزائري بحاجة إلى روح نضالية عالية حتى يتمكنوا من التأسيس لثقافة الاختلاف التي تجرد الأبوية الثقافية من قمعيتها وسطوتها التي تنظر للآخرين على أنهم قصّر أو مارقين مع أن غالبية الأدباء الشباب في الجزائر لا يملكون هذه الروح النضالية ولهذا فهم سريعا من يخرجون من الأبواب الخلفية، بعد أن يحبطهم الواقع الثقافي، أو أنهم ينقلبون إلى انتهازيين يمارسون التعتيم على الأقلام الجادة والواعدة ويسوقون أنفسهم عبر المنابر الثقافية المتاحة والتي استطاعوا الوصول أليها بطرق ليس الإبداع الجاد والمميز أحدها، حيث يعوضون افتقادهم للرأسمال الرمزي الضروري لأي سلطة فكرية ( السلطة هنا بمعنى قوة التأثير ) باحتلالهم للمساحات المتاحة للنشر والظهور، وبهذا تتحول الانتهازية وإتقان اللعب إلى طريقا لإثبات الحضور بدل أن يكون أثبات الحضور عن طريق النصوص المختلفة والواعدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المقالة هي تعليق على نص للكاتب بشير مفتي بملحق الأثر الثقافي بعنوان: الكتابة الجديدة ورهان الاختلاف

الخميس، يونيو 18، 2009

علاقة الهوية بالدين لدى النخبة العلمانية

سفيان ميمون
minoune78@yahoo.fr
ثمة اختلاف بين في النظر إلى الهوية وارتباطها بالدين بين المشرق والمغرب، نتيجة التركيبة الاجتماعية والدينية التي تميز أقطار الوطن العربي، فسمة المشرق العربي تعدد واختلاف الطوائف الدينية في مجتمعاته ، لذلك نجد اختلافا واضحا في التصورات والرؤى حول الهوية ، بل ونجد صراعا ثقافيا وسعيا أيديولوجيا لترسيخ تصور ما عن هوية مجتمع بذاته ، خذ لذلك مثلا سعي القوميين العرب لتسويق تصور عن الهوية قائم على الوطن واللغة بعيد عن الدين ، يقابل هذا حرص على إثبات الدين كعنصر أساس من عناصر الهوية لدى الإسلاميين ، وهو واقع مبرر في مجتمعات متمايزة في خصوصياتها الدينية ، وعلى العكس من ذلك نجد في مجتمعات المغرب العربي انسجاما كبيرا في الخطاب الثقافي حول علاقة الهوية بالدين ، وإن كانت العلاقة بين الهوية وعناصر أخرى يشوبها كثير من التوتر على غرار اللغة والتاريخ نتيجة التمايز العرقي الذي يمثله عنصرا العرب والبربر، انسجام واضح في الخطاب الثقافي بين مختلف فئات النخبة المغاربية والجزائرية تحديدا – إسلامييها وعلمانييها – حول اعتبار الدين عنصرا من عناصر الهوية ،فإذا كان تصور الإسلاميين للهوية واضحا ومحسوما مذ اختاروا اتجاههم الفكري والديني في الوقت نفسه بأن الدين ركن أساس في هوية الأمة ، فإن الذي يدعو إلى التأمل والسؤال هو اتجاه العلمانيين إلى إنتاج ذات الخطاب حيث الدين أيضا مكون أساس للهوية الجماعية ، فهل يتماشى هذا الخطاب مع حقيقة التصور العلماني للمجتمع ؟ وهل يمكن للدين أن يكون حاضرا في مجتمع يجب أن يفصل عن الدين ؟.
قبل هذا لا بد من الرجوع إلى الممارسة العلمانية التي لا تثبت – ولا شك- على صيغة واحدة ، إنما هي أكثر من شكل ، شكلان على ما يبدو : علمانية متطرفة تلغي الدين وتقصيه وتضع الحواجز أمامه كي لا يمر إلى المجتمع بل يبقى حبيس الشخص لا يتعداه ، وهي علمانوية صراعية بتعبير محمد أركون ، تقابلها علمانية تقبل الدين كتراث خصب للدراسة والتأويل العقلاني ، وهذا النوع من العلمانية هو الذي يركز عليه كثير من مفكرينا ، لكن قبول هذه الفئة من العلمانيين بالدين لا يعني تجاوزه حدود الشخص وإحاطته بهالة من القداسة على المستوى الاجتماعي، كلا بل إن العلمانية لا تعرف للدين قداسة وإلا لما كان ثمة قدرة على الدراسة العلمية لنصوصه ، ولما كانت هناك حرية في تدبر محتويات هذه النصوص .
وتنظر هذه الفئة من العلمانيين إلى نصوص الدين الإسلامي وعلى رأسها القرآن كنص أول على أنه نص بشري وليس نصا إلهيا لاعتبارات الفهم والتأويل والتفسير وهي صفات بشرية تتجه من البشر إلى النص القرآني ، فهو بهذا اتجاه لإقرار فلسفة مايريده البشر من هذا النص وليس مايريده النص من هؤلاء البشر ، إنها تعمل على أنسنة الحياة الاجتماعية من خلال تغيير أماكن السلطة بين العقل والنص الديني حيث السلطة للعقل أي للإنسان.
فخطاب النخبة العلمانية عن علاقة الدين بالهوية في أحد جوانبه – وأنا أتحدث هنا عن النخبة الجزائرية والمغاربية عموما – هو خطاب ائتلاف وتلازم : الهوية تقوم على الدين والدين مكون أساس من مكونات الهوية، لكنه خطاب منفعي على مايبدو ، فرضته حتمية المحافظة على البقاء ، وأدى إليه الخوف من الرفض الاجتماعي ، حيث المجتمع لا يقدس من لا يقدس مقدسه ، بل يمقته ولا يصغي له في قول ، خطاب غير منسجم مع ذاته رغم أنه يبدو مؤتلفا مع خطابات أخرى في حقل أيديولوجي مختلف ومتنوع ، فبينما تدعو العلمانية إلى حصر الدين في حدود الشخص وإبطال تطبيق الحدود والأحكام التي جاء بها النص الديني – القرآن – بداعي الحرية الشخصية كعنوان عن إبعاد الدين عن المجتمع ، نجدها تصر في خطاباتها على أن الدين من مكونات الهوية الثقافية للأمة ، إنه تناقض واضح وصريح لأن الدين هنا لن يكون سوى مكون من مكونات الهوية الفردية أو الشخصية بينما هم يتحدثون عن الهوية الجماعية .
قد يكون من الضروري أن نفهم أن نخبنا العلمانية تنظر إلى الدين الإسلامي كمرادف للثقافة الإسلامية ،بينما هو مختلف عنها لأننا إذا نظرنا إلى الدين وجدناه ملزما في حدوده وأحكامه عكس الثقافة التي تتسم بالمرونة وتقبل الأخذ والرد وفق الحاجة ،فالثقافة الإسلامية يمكن أن تكون أسا من أسس الهوية لدى العلمانيين على خلاف الدين الذي لايمكنه ذلك لأنه مقصى في الواقع من خلال تعطيل النصوص التي تتضمن الحدود والأحكام، لربما هو نوع من التقية الثقافية والفكرية حيال المجتمع هذا الذي تسوق له خطابات نخبنا العلمانية .

الجمعة، يونيو 12، 2009

شذرات الوجع



الله المتعالي
الذي يسكن السماء
يتجلى أكثر رحمة
في سلوكات الآخرين

الآخرون ليسوا
هم الجحيم
فقط هم باب
تنفتح على جهنم


كم كنت مغفلا
حين اعتقدت أن حبك
وحده سيقودني للفرح
لقد تبعته مؤمنا به
فأوصلني لحافة الانهيار


فقط حين أخلو لوسادتي ليلا
أتذكر أوجاعي
واستحضر كل الخسائر
التي منيت بها
في طريقي إلى شواطئ عينيك


كانت امرأة بلا ملامح
أحببتها
فخانتني
فانتزعتها من روحي
فقتلتني


كان يحلم
بخبز أبيض
وامرأة يأوي إليها
ليلا
لكنه يصحو دوما
ليذهب إلى المقهى
ويتكأ على حائط أصم
دامع القلب


كان صديق طفولتي
صار نجما وغنيا
وصرت محبطا بلا أفق
والفرق بيننا
له القدم
ولي القلم


فقط بعد ذلك الحادث
أدركت أن الموت
يأتي دوما
في صورة امرأة تتعرى للريح


ليست كل النساء مثلك
وحدك من انغرست
كالرمح في القلب


كوني سرا
لا يعلمه سواي
وسما وترياقا
لا يتجرعه سواي



الماضي لم يكن
أمسا عشناه
أنه الغد الذي يترصدنا
ليسرق كل طموحات اليوم


تاريخنا لم نقرأ منه
سوى لحظات مضيئة
تتجلى كنجمات في ليل حالك


حزين حتى الموت
لهذا اكتب بعيدا عن القلب
عن شؤون تشغل العقل
وتغيّب نبضات القلب الموجوع


أعوام العمر القصير
قضيتها بحثا عن وطن
يسكنني
بعيدا عن الأرض التي اسكنها
كم هو موجع سؤال الوطن


كان أكتوبر حلما
شاهدته على شاشة التلفزيون
كطفل ينبهر بمشهد الأطفال
وهم يغرقون المدينة بالصخب
وبعد سنوات
عايشته كابوسا
تسكنه الجثث المتناثرة

السبت، يونيو 06، 2009

الحكم باسم الله؟!!!

ثنائية الضلال والهدى أو الحق والباطل، أو بتعبير آخر ثنائية النباهة والاستحمار كما وظفها علي شريعاتي وهو يقدم نقدا لنظام ولاية الفقيه الذي يقوم عليه الفكر السياسي الشيعي المعاصر، هي نفس الثنائية المتحكمة بكل المجتمعات التي تقوم فيها نظم أو أحزاب معارضة تحكم أو تتكلم باسم الله وكأنها هي الناطق الرسمي باسم الإرادة الإلهية، وفي شخوص زعمائها( زعيم دولة أو زعيم حزب معارض) تحل بعض صفات الله لتعصمه من الخطأ وتجعل كل ما يصدر عنه ليس في النهاية سوى تعبيرا بليغا عن المشيئة الإلهية.
نحن كمسلمين ارتبط نظام الحكم عندنا ومنذ انقلاب معاوية على الشرعية الشعبية ( على بن أبي طالب ) بهذه الصفات التي يزعمها الحاكم لنفسه، وكما يخبرنا ابن خلدون فإن قيام الدول والإمارات في بلاد الإسلام كان يحتاج لعصبة أي بالتعبير الحديث لأنصار سياسيين ( مناضلين ) يلتفون حول الزعيم الرمز لأجل دعمه لبلوغ السلطة ، سواء بالانقلاب على السلطة القائمة ( وهذا ما يحدث غالبا ) أو بإنشاء دولة أسلامية جديدة ( عن طريق الفتح )، ولكن الفرق بين العصبة التي يستند إليها الدعاة السياسيين عبر التاريخ الإسلامي لأجل إنشاء دول وإمارات وبين المناضلين السياسيين في الوقت الراهن يكمن في أن العصبية تقوم على أساس قبلي وديني حيث القبيلة توفر العدة البشرية اللازمة في حين الدعوة الدينية تعطي شرعية وقداسة لتحرك العصبية القبلية نحو السلطة مسكونة بيقين ديني يبرر سعيها للسلطة حتى لو مرت على جماجم المسلمين .
استند الحكم في الإسلام على ربط تعسفي بين الحاكم والله، فحتى لفظ الخلافة وصفتها تبدلت، حيث أنه مع خلافة أبي بكر كان يلقب ولي أمر المسلمين بأمير المؤمنين وخليفة رسول الله، وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة صار أميرا للمؤمنين وخليفة خليفة رسول الله ، فالخلافة كانت خلافة للرسول في تسيير شؤون الدولة وليس في الوحي ولا في العصمة، ولكن لاحقا انتقلت الخلافة من خلافة رسول الله في أمر دنيوي إلى خلافة الله، فصار الحاكم خليفة الله، مع تمتعه بصفة الملك المطلق الحق في التصرف في الرعية وفي أموال الرعية ( بيت المال ) وإضافة القرابة بين شخصه والله لأجل إعطاء شرعية وقدسية دينية لحكمه ونظامه ودولته .
ومن هنا يصير الحاكم المتمسح بشرعية الله باعتباره ظل الله في الأرض مطلق التحكم في أمور الدين والدنيا وهذا ما يجعل منه مرجعية متعالية لا تحتمل النقد، وهذا ما ولد ما يسميه كارل وماركس بالاستبداد الشرقي ليس كنظام اقتصادي قريب من الإقطاعية في آليات عمله، إنما كنظام سياسي تختفي في ظله أية إمكانية لبروز سلط مكلمة لسلطة الخليفة / الحاكم، وتتحول المعارضة والرفض إلى رفض عنيف ومسلح يهدف لإلغاء النظام، لأنه لا مجال لوجود معارضة سلمية في ظل تركز السلطة الدينية والزمنية في يد الخليفة وحده.
فالخليفة / الحاكم ونظرا لتماهي صفته مع صفة الله، وتمتعه بسلطة دينية بالإضافة لسلطته الدنيوية يكتسب سلطات واسعة تخوله استتابة الناس المارقين، وهؤلاء المارقون في نظره ما هم في الغالب سوى من يرون أنه مجرد شخص غير معصوم
وانه لا يحق له احتكار الدين والحديث باسم الله ، أي الراغبين في تجريده من سلطته الدينية الطاغية لكي يفسح المجال أمامهم لتحقيق تطلعات سياسية بعيدة عن حضوره المطلق في الزمان والمكان والذي يسد أمامهم كل الأبواب والنوافذ.
هنا حين نجد الحاكم وقد صار يرى نفسه ظلا لله في الأرض وقد جمع من حوله رجال الدين ليسبغوا عليه صفة حارس الدين والناطق باسم المشيئة الإلهية والراعي لشؤون المسلمين. سنكون بصدد حكم مطلق يلغي حرية الناس ويصادر حقوقهم باسم ضرورة الامتثال لأوامر الله وسنجد كل المعارضين للحاكم قد صنفوا في خانة الزنادفة والهراطقة الذين يستتابون وتهدر دماءهم باسم الشرع
باختصار هكذا نظام وهكذا أحزاب تستمد سلطتها من الله مباشرة لأنها بحسب رأيها واعتقاها تمثل مشيئته، يمثلون خطرا على الحرية ومصادرة لها وإلغاء لعقول الآخرين ، وهذا ما يخلق احتقانا اجتماعيا يؤول حتما للفوضى ( والتاريخ الإسلامي على امتداده يعطينا أمثلة كثيرة عن الفتن التي حدثت بسبب التنازع على السلطة السياسية والدينية )؛ وحين ننظر لتجارب حديثة في العالم العربي والإسلامي عرف محاولات لقيام أنظمة حكم دينية تستمد شرعيتها من الله، سنرى أن النتيجة هي التفكك والفوضى الذي طال تلك الدول. فتجربة السودان وباكستان مثلا تعطي أمثلة واضحة عن مقدار الشرخ الاجتماعي والسياسي والأمني ( وهذا الأهم ) الذي يحدثه هكذا نظام؛ والتجربة الجزائرية تعطي مثالا آخر عن مقدار الخراب الذي يمكن أن يلحق بالمجتمع نتيجة تطلع أحزاب سياسية إلى الحكم باسم الله وتمثيله في الأرض، فالأحزاب الإسلامية لم تنتج في النهاية سوى عنف ضد الدولة والمجتمع وحتى حين تصل للحكم لفترات قصيرة فإنها تنفجر من الداخل وتفجر الدولة معها ( السودان كمثال ).
لهذا أنا أرى أن العلمانية وبمفهوم منفتح لا يعارض الدين ولا ينفيه للمساجد هي الأصلح لمجتمعاتنا الحديثة ، فمثال تركيا يعطي دلالة عميقة عن الدور الذي يمكن أن تقوم به العلمانية في أفراغ الدين من شحنته التناحرية حين يلصق عنوة بالسياسة، في تركيا يحكم حزب إسلامي ورئيس الحكومة أو نواب الحزب في البرلمان يقدمون مشاريع قوانين يمكن إرجاعها ببساطة لمراجعها الإسلامية ( الشريعة ) ولكنها تقدم باسم الفرد أو الهيئة أو الحزب ولابد أن تقنع الآخر
ين حتى يتم تبنيها لأنها تقدم كرأي فردي يحتمل الخطأ والصواب وليست ، كما كان يردد أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر:" لا قانون لا دستور..قال الله قال الرسول ".
في هكذا أنظمة منفتحة تأخذ بالرأي دون تعصب ودون قدسية نستطيع أن نمنح ثقتنا للأفراد لأجل أن يسنوا قوانين مستمدة من الشريعة ولكنها لا تقدم كأمر واجب التطبيق دون نقاش ومن يرفضه فله الويل والثبور وعظائم الأمور ( ربما الموت ) .
أنا عشت بالجزائر عشرية كاملة من عمري قضيتها على أخبار الموت والقتل المجاني كنتيجة لمحاولة البعض إقامة دولة على أساس ظل الله في الأرض وعلى أساس شرعية دينية محضة تكفر كل من يرفضها أو يعارضها ؛ والنتيجة عشرات آلاف الضحايا. ولهذا أرى أن الشعار الذي يرفعه أنصار الإسلام السياسي والقائل بان الإسلام هو الحل دون يوضحوا ماذا يقصدون بالإسلام تحديدا في المجال السياسي، ودون يوضحوا آليات الحل وماذا يحلون من إشكالات، فهم يقدمون الشعار كمعطى جاهز يقبل دون نقاش، ولمن يقبله جنة النعيم لأنه يقبل الإسلام، أو يرفض جملة وتفصيلا، ولمن يرفضه التكفير أو الاستتابة لأنه يرفض الإسلام ، مع أن الرافضين لهذا الشعار الفضفاض والذي يستغل كمطية لتحقيق أغراض سياسية ودنيوية محضة مسلمون ولا شك في إسلامهم. هذا الشعار ينبغي أن يتوارى لصالح شعارات دقيقة ومحددة وممكنة التطبيق، وهكذا فقط يمكن لتيار الإسلام السياسي أن ينخرط في مجال السياسية دون دوغماتية لا تنتج سوى الخراب، وان يتنازل قليلا ليقبل التنافس مع التيارات الأخرى التي تستند لمرجعيات مغايرة، دون أن ينظر إليها على أساس أنها تيارات ضالة.

الثلاثاء، يونيو 02، 2009

غزالة لروح مالك حداد

قرأت مالك حداد بالعربية في " التلميذ والدرس"و"سأهبك غزالة"، ربما تهجيره للعربية التي التزم الصمت لعجزه عن الكتابة بها افقد النص المالكي بعض بريقه ووهجه. قرأته شعرا في ديوان" الشقاء في خطر".
ومالك حين يكتب الراوية يكتبها بنفس شعري حتى إنني لم أجد فرقا بين النص الروائي والنص الشعري عنده، اقصد لم أجد فرقا شاسعا فمالك هو نفسه حين يكتب شعرا وحين يكتب نثرا، هو الإنسان العاشق والمسكون برومانسية لا تنتهي وبعمق فكري قلما نجده عند جيله من الكتب رغم انه جايل العظماء مثل كاتب ياسين ومولود معمري وفرعون ومحمد ديب وآخرون، وقد تمايز عنهم بشفافيته المفرطة في كل ما كتب ، فمالك يكتب وكأنه يبوح بسر.
مالك ومن خلال بضعة سنوات فقط هي عمره الإبداعي استطاع قول الكثير ليركن بعدها لصمت رهيب ويدخل في حالة تشبه الانتحار.
ربما عرفته أكثر من خلال ما كتبه عنه شرف الدين شكري الذي يعتبر واحدا من المتخصصين في مالك حداد الذي لم نكتشفه بعد رغم أننا نستحضره كصنم
نحن لا نزال نستحضر مالك حداد إيديولوجيا، نستحضره من خلال مقولة " الفرنسية هي منفاي " دون أن ننتبه لنصه ونقرأه بالعمق والاهتمام الذي يستحق، لم نقرأه كما يجب أو قرأناه بأفكار مسبقة وبمقولات استقيناها من هنا وهناك.
حين يلومه كاتب ياسين واسياخم ويتهمونه بموالاة النظام عقب الاستقلال، وحين يلومه رجال الدين على أساس انه استسلم لانتحار بطيء عقب الاستقلال من خلال الغرق في الخمر، وحين يهرب خالد بن طوبال من نصه إلى نصوص أخرى ليتم تشويهه أو على الأقل إلباسه لباسا غير مالكي.
حين نطلع على كل هذا مسبقا ونقبل على قراءة مالك حداد مدججين بأحكامنا المسبقة
نغتاله مرات ومرات، هو الذي قرر اغتيال إبداعه وسجنه بداخله حتى لا يرى النور بغير لغة الوطن.

الوطن الذي شكل قصيدة شجية امتدت على كل الصفحات التي كتبها مالك حداد بلغة غير لغة الوطن، بلغة هي اليوم غنيمة حرب لدى كل المتطلعين للانتشار في الفضاء الفرانكفوني بعدما كنت عند مالك وجيله وسيلة لقول الأنا بلغة الآخر، ووسيلة لتجاوز أدوات الصدارة les majuscules كما كتب ذات يوم عن الواقع الثقافي والإيديولوجي المتشنج
اليوم ونحن نستحضر مالك حداد لا نملك سوى أن نتفهم بؤسه ككاتب زرع في طريقنا ورودا لم تعد قادرة على البوح بعطرها وظل حتى آخر نفس يشفق على الشقاء الذي رأى انه مهدد بخطر قادم رغم أن ذلك الخطر لم يكن غير الاستقلال أو هكذا اعتقد.

الاثنين، يونيو 01، 2009

دين وسياسة...


من المثالية أن نعتقد بان السياسة منفصلة عن الدين أو عن الثقافة أو عن أي مجال من المجالات الأخرى، فكما يقول الراحل ادوارد سعيد: السياسة ترافقنا في كل مكان.
العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة في المفهوم الشائع عنها بمعنى جعل القوانين الناضمة للحياة السياسية نتيجة اجتهاد الأفراد وليست نتيجة ترجمة حرفية للنصوص الدينية لأن النص الديني يتمتع بقدسية كما انه يحتمل عدة تأويلات، وتعدد التأويلات التي تكتسب بدورها شيئا من القدسية، يجعل تنازل أي طرف عن رأيه الذي يرى انه من صميم الدين أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، ولهذا تحدث الفتن بسبب الدين والتي تتجلى سياسيا.
السياسة مرتبطة بالزمني وهي فن من فنون الممارسة الميكيافيلية ، هي فن العمل في حدود الممكن ( كما يعرفها الأكاديميون ). في حين الدين يتسم بمعيارية الفهم والممارسة، وهنا يقع التعارض بين الدين والسياسية رغم الخلط الذي يقع بين الممارس
ة السياسية والاعتقاد الديني الذي يكون توظيفه من طرف رجال السياسية بمثابة بحث عن شرعية دينية ( مقدس ) للفعل السياسي ( زمني/ دنيوي).
نحن حين نخلط الدين بالسياسية فإننا نسيء للدين نتيجة إخضاعه لمقتضيات الأمور السياسية التي لا تحيل على النبل في غالب الأحيان، فحين تفسد السياسة تفسد الدين معها، وبما أن السياسة متغيرة والدين ثابت ولو نسبيا، فإن جعل الإسلام دين ودولة كما يقول أنصار الإسلام السياسي تكون نتيجته هي تنفير الناس من الدين الذي يوظف لأجل إعطاء مشروعية للعمل السياسي حيث نتيجة مزجه بالسياسة فإنه ينزل من عليته وقدسيته إلى مستوى التحالفات الظرفية والتكتيكية التي تغيير بين عشية وضحاها لمقتضيات سياسية.
وهذا الأمر فيه إساءة للدين في ذاته، كما أنه يفقد السياسة انفتاحها حين تمزج بالدين وتتحول إلى دوغما أو اعتقاد ثابت لا يتغير، وهذا أمر مناقض لمفهوم السياسية السابق الذي هو فن العمل في حدود الممكن.

الأحد، مايو 31، 2009

الرفض الشعبي والحركات الاجتماعية

تتمظهر الحركات الاجتماعية ذات الطابع الاحتجاجي في العالم العربي كردات فعل عن الخيبات والانكسارات والهزائم المتتالية التي يرزح تحتها الموطن العربي والتي تشعره بالخزي والمهانة في كثير من الأحيان، ولكن هذه الحركات الاجتماعية التي تستند أحيانا لحركات جمعوية ومجتمع مدني مسنود من طرف فئات وشخصيات راغبة في التغيير، لم تتجاوز بعد مرحلة رد الفعل، أي أنها لم تتنقل لمرحلة المبادرة بالفعل وظلت منذ فترة طويلة أسيرة الانفعالية والتفاعل مع المستجدات، أي أنها لا تزال أسيرة مرحلة الاستجابة للتحديات المطروحة علينا كمجتمع وكأمة في مرحلة عصيبة من تاريخها.
أرى انه قد حان الوقت للانتقال لمرحلة أخرى من مراحل تطور هذه الحركات الاحتجاجية، فعلى الحركات الاجتماعية الهادفة إلى التغيير والعاملة لأجل بلوغه أن تتجاوز مرحلة رد الفعل التي هي عليها الآن وتنتقل لمرحلة الفعل الواعي والهادئ والمتواصل الذي يؤسس لممارسة سياسية بديلة للممارسات المتكلسة التي أفلست في نظر الإنسان العربي البسيط المطحون تحت وطأة الواقع وتسارع الأحداث التي لا يدرك كيفية التعامل معها بفاعلية.
الحركات الاجتماعية نشأت في الوطن العربي كردات فعل عفوية عن الظلم والاضطهاد الممارس على الإنسان العربي سواء من طرف الأنظمة السياسية أو من طرف القوى الأجنبية وبالتالي فهي تتسم بالمرحلية والمناسباتية وهذا ما يجعلها عاجزة تماما ( في الوقت الراهن ) عن التأسيس لطروحات بديلة تكون لها إمكانية التطبيق وإمكانية طرح البديل المقنع سواء بالنسبة للنظام السياسي أو بالنسبة لجموع المواطنين الذي يؤيدون هذه الحركات دون أن تكون لهم ثقة كاملة في قدرتها على إحداث التغيير المطلوب والذي يعد مطلبا أساسيا لكل الفئات الاجتماعية المتضررة من الوضع الراهن.
ما يعاب على هذه التنظيمات أيضا هو عدم قدرتها على التأسيس ليوتوبياها الخاصة التي تحدد الهدف بدقة وترسم طريق الوصول إليه، إنها تكتفي في الغالب بالشعارات وبالرفض الذي هو ميزة الشارع العربي في هذه المرحلة المتشضية من تاريخنا الاجتماعي والسياسي. وهذا العجز عن تسويق يوتوبيا تعبوية تحضا بالحد الأدنى من القبول الجماهيري ومن الإمكانية الواقعية للتطبيق ناتج عن الفسيفساء الإيديولوجية التي تندرج ضمن هذه الحركات دون أن تنصهر فيها لتشكل لرؤية تتسم بالانسجام الإيديولوجي رغم تعدد المشارب الفكرية التي تنهل منها هذه الحركات، وهذه الحالة التي تعانيها هذه الحركات تفقدها الانسجام المطلوب لأي حركة شعبية ذات أهداف محددة وذات رؤية فكرية متسقة .
كما أن هذه الحركات الاحتجاجية الراغبة في منازعة السلطة السياسية بعضا من هيمنتها على المجال السياسي تفتقد للوسائل المادية التي تمكنها من تحقيق أهدافها، والرفض حين يفقد وسائله المادية التي تمكنه من التحول لفعل تغييري يكون مجرد وهم ورغبة لا تلتقي بمعادلها المادي في المجتمع ، وهذا للأسف حال الحركات الاحتجاجية في العالم العربي رغم كون دائرتها في اتساع ورغم الرغبة التي تبديها في مناوئة السلطة، والقدرة التي تكشف عنها باستمرار في تعبئة الجماهير، إلا أنها تظل في مرحلة جنينية قد تبشر بتغيير قادم دون أن ترسم ملامحه بدقة.

السبت، مايو 30، 2009

أسئلة الثقافة بين التجديد والتقليد

سفيان ميمون
minoune78@yahoo.fr

مشكلة الثقافة في إحدى زواياها تكمن في وقوعها بين شقين : شق الرسالة وهو تحديد دور لها لا يتعدى نقل قيم معينة والمحافظة على أسلوب محدد في الحياة ترسم كثيرا من جوانبه العناصر الثقافية التي اتخذت أشكالا معينة في الماضي كالعادات وأنماط التفكير وطرق الوعي بالقضايا الدينية أو القضايا التي يكون للدين موقف منها، وشق التحرير أي تحرير الذات الثقافية من عبء ماضوي وإعادة بناء الذات انطلاقا مما أنتجه العصر من قيم حديثة كانت لدى كثير من الأمم والشعوب قواعد متينة للبناء والتشييد .
هذا المشهد الذي يرسمه واقع الثقافة وتبرزه الممارسات الثقافية الراهنة يوحي بأن ممارسة الثقافة كرسالة إنما هي مجرد إيديولوجيا يحاول القابعون وراءها تعميم تفاصيلها وترسيخ أجزائها ، بينما ممارستها ضمن قالب " تحريري " هو بعد عن الأيديولوجيا وتحرر من سلطة المقدسات " اللغة والدين والعادات .." وتحكيم للعقل ، لكن أي عقل ؟ إنه العقل العلمي الذي أنتج قيم التنوير وصنع الحداثة بمفهومها العام ، لكأننا أمام سجنين للفكر متشابهين متماثلين : سجن الماضي بقيمه وأنماطه ، وسجن الحاضر بمعطياته ومفرزاته !!
يتحدث المتحدثون عن الرسالة ويصفونها بالنبالة فمتى يصدق عليها هذا الوصف ؟ الواضح أن نبل الرسالة متصل بنبل القيم التي تنقلها هذه الرسالة ، ونبل القيم متصل بدوره بطبيعة المصدر الذي تنقل عنه هذه القيم ، فحينما يكون الدين الإسلامي مصدرا تنقل عنه قيم على سبيل الرسالة من جيل إلى جيل أو من جماعة إنسانية إلى أخرى تكون هذه القيم ذات شأن على مستوى التداول الاجتماعي وتمنح المكانة العلية في المجتمع ، فلا أحد ينكر قيمة القيم التي أتى بها الإسلام إذ نبلها من نبله وشأنها من شأنه ، وهو أمر متفق عليه اجتماعيا لدى العامة من الناس كما لدى النخبة أيضا .
إن القيم التي تنقل على سبيل الرسالة تتخطى الدين كمصدر إلى مصادر أخرى أوسع وأرحب منها التاريخ والممارسات الاجتماعية التي دأب الناس عليها من عادات وتقاليد وقيم القبيلة والوطن والفئة ...، هذا النقل يغذيه اعتقاد سائد أن استمرار الأمة وإعادة بعثها لن يكون بغير الاستناد إلى قيم الأمة ذاتها وأن الخوف كل الخوف في استبدال هذه القيم بقيم أخرى دخيلة يكون حالها كحال من يغرس غرسا في تربة عقيمة ،اعتقاد صائب وخوف مشروع فلم اعتراض طريق هؤلاء القوم إذا ؟! بينما هم يعملون على إحياء الأمة بإحياء قيمها ، أوليسوا جديرين بالمساندة ؟ أما على المجتمع أن يمد لهم يد المساعدة ؟ الأمر ليس بهذه البساطة لدى الحداثيين ، إنهم ينكرون الركون إلى الوراء بينما يتقدم الزمن وتتفتح البشرية على فضاءات للفكر جديدة وتكتسح مجالات في العلم والمعرفة فلا ينفع بعد هذا ركون إلى وراء ، أو نظر إلى الخلف .
رسالة الحداثي تختلف إذا عن رسالة التراثي ، فبينما يرجع التراثي إلى التراث باحثا عن قيم تلائم أصالته ، يحمل الحداثي هم التحرير أو قل رسالة التحرير ، تحرير المجتمع من قيود التخلف ، ولكن وقبل ذلك تحرير المجتمع من قيود التراث الذي ألقى بثقله على المجتمع وأضحى عبئا ثقيلا يصعب زحزحته خاصة وأن له حراسه الذين يدافعون عنه بكل شراسة نازعين عليه كل سمات القداسة .
لم تكن إشكالية التقليد والتجديد مطروحة كما هي عليه اليوم إلا بعد عصر النهضة إثر الاصطدام الحضاري بين الشرق والغرب حيث فرض الغرب تجربته التقنية والقيمية كمثال حضاري راق أسال لعاب كثير من أبناء الشرق الذين راحوا يقلدون تجربته في مجالات الحياة كافة في الوقت الذي يعيبون التقليد على من خالفهم الرؤية من الذين اتجهوا نحو تقليد القدامى .
التقليد إذا هو السمة البارزة التي اتسم بها الشرق بعد الصدمة الحضارية هذه بينما قصدت نخبه الحداثية التجديد ، ولكن لا جديد ، فقد اختصر الإبداع في استنساخ قيم الحداثة ومحاولة تطبيقها في مجتمعاتنا العربية الإسلامية ، كما ظل التقليد سمة المقلدين من التراثيين ، فسيان بين تراثي مقلد وحداثي مقلد .
لقد كان اتجاه الحداثيين نحو التجربة الغربية بعد عصر النهضة لغرض تحرير ذهنية الإنسان العربي المسلم مما علق بها من شوائب فكرية وقيمية من خلال تبني قيم الغرب المتطور ، ولكن هذا الاتجاه انتهى بهم أيضا إلى ذات التقديس الذي كانوا يذمونه لدى التراثيين .
لعمري كيف نتصور الأمر، بل كيف نصوره ؟ هل هو رسالة ذلك الفعل المتجه نحو الماضي لنقل قيمه أم أنه قيد ؟ هل هو تحرير ذلك الفعل المنبهر بمفرزات الحاضر الآخذ بقيمه أم أنه قيد وأسر ؟ .
لم تكن نزعة التقليد لدى الشرق سوى انعكاس واضح لتلك الصدمة الحضارية التي ولدت عقدة حضارية خطيرة أصبحت ( أي هذه العقدة ) المتحكم الرئيس في سلوك الفاعلين الثقافيين والاجتماعيين ، مثلما تخلف الصدمة لدى الفرد عقدا نفسية يعسر على المختص النفسي معالجتها .
لقد ارتبطت العقدة لدى التراثيين بالخوف على عناصر التراث من عناصر ثقافية وافدة تدعمها تجربة ناجحة في مجال التقنية ، كما ارتبطت لدى الحداثيين بالانبهار الشديد بالقيم التي ركبها الغرب وأدت إلى تطوره وازدهاره ونبذ التشبث بالقيم التي ظل يتداولها الشرق دون أن يجني من ذلك شيئا بل وبقي بفعلها على حالة التخلف قرون عديدة .
العقدة في مبناها ومعناها أسر وقيد ، فكما هي أسر للفرد حيث يتصرف بمقتضاها ويصبح على حالة نفسية تستدعي العلاج فإنها كذلك أسر للجماعة حيث يتحدد بفعلها سلوكها الاجتماعي والثقافي ، ولما كانت النخب الثقافية خلايا مكونة للجماعة فإن سلوك هذه النخب – حداثييها وتراثييها – تتدخل في تحديده هذه العقدة الناتجة عن صدمة الالتقاء بين الشرق والغرب.
ربما يعد تحريرا ذا حدود ذلك الاتجاه الذي يسلكه كثير من مثقفينا نحو التوفيق بين قيم التراث وقيم الحداثة إذ يفتحون مجالهم الثقافي لقيم التراث كما يفتحونه أيضا لقيم المعاصرة ، وتزداد قيمة اتجاههم هذا حينما يؤصلون نظرتهم ثم يطعمونا بما جد في مجال العلم والمعرفة ، وبذلك يعملون على التحرر من سلطة التراث المطلقة كما يعملون في الوقت نفسه على التحرر من سلطة الحداثة ، وهم على هذه الحال إنما يؤدون رسالتهم الحضارية من خلال الانتقاء النوعي للقيم بإلغاء المجال الزماني لها بينما يوفرون لها مجالا مكانيا معايير القبول فيه : التنمية والتطور متصلة بالذات والهوية .
تحرر نلمس نسبيته في ندرة الإبداع الثقافي ووقوع هذه الفئة من النخبة ( فئة التوفيقيين ) موقع الممثل لطرفي الصراع ( التراثي والحداثي ) من جهة وآدائها لوظيفة التخفيف من حدة الصراع بإيجاد حل وسط يؤمن بهذا ويقبل ذاك .
لكن ورغم نسبية التحرير الذي يمكن أن تجنيه الثقافة من اتجاه هذه الفئة لأن طرحها فيه شيء من السطحية والبساطة فإن مجرد القبول الذي يلغي الرفض هو اتجاه فعلي نحو التحرر من سلطة الشيء ، والشيء هنا هو قيم ثقافة ما أصيلة كانت أم معاصرة .
في العرف الثقافي نجد الجواب على سؤال: إلام تستند الرسالة ؟ ومم يكون التحرير ؟ ذا بداهة ووضوح، فالرسالة هي الأمانة في نقل القيم والتحرير هدم لتلك القيم، وذلك حينما تكون حال الثقافة حال صراع بين تياري الأصالة والمعاصرة ، ولكن يمكن لنا أن نتمثل تيارا واحدا يجمع بين الرسالة والتحرير على الأقل في تصوره هو ، فالتراثي الذي ينقل قيما دأب عيها أجداده يرى أنها المخلص والمحرر للجماعة من جملة القيود التي أفرزتها سيرورة الحياة الاجتماعية ، وكذلك الحداثي الذي يحاول نقل قيم الغرب على سبيل واجب اجتماعي ورسالة حياتية يرى في هذه القيم السبيل إلى التحرر الاجتماعي والثقافي ، فالرسالة والتحرير يمكن أن يكونا على صف واحد لدى فريق واحد .
لكن اعتقاد الجمع بين الرسالة والتحرير يأسر جماعات النخبة في وهم الحقيقة حيث يعتبر كل فريق أنه ينقل الحقيقة إذ ينقل نوعا من القيم ويعمل على التحرير من ذات المنطلق بمحاولة زحزحة قيم لصالح قيم
" الحقيقة " هذه ، وهنا يبدو لنا أن الرسالة بدءا هي تحرير لقيم معينة بمحاولة تحريكها نحو المكان الذي
" يجب " أن تشغله ، كما أن التحرير في ذاته رسالة يحملها الحالمون بالتغيير، المتطلعون نحو الأفضل
في الثقافة ، الأفضل في الحياة .
يبدو إذا أن ثمة إمكانية للتآلف بين آداء الرسالة الحضارية وممارسة التحرير الحضاري لدى فئة بعينها من النخبة بعدما سلمنا تفكيرنا ووجهنا نظرنا لعلاقة الإلغاء المتبادل بين الرسالة والتحرير لدى نخبنا الفكرية والثقافية : إلغاء الرسالة للتحرير وإلغاء التحرير للرسالة .
إن عمليات الإلغاء والقبول والائتلاف والاختلاف عمليات ثقافية وفكرية لا يمكن إلغاؤها فهي ضرورة اجتماعية وثقافية لها فعلها الإيجابي أو السلبي في توجيه المجتمع والثقافة ، لذلك كان حريا بنا توجيه هذه العمليات بوعي ودراية فنقبل ونرفض ونختلف ونأتلف ونلغي ونتجاوز ونحلل و نركب وفقا لهذا الوعي الذي يضع نصب عينيه المجال الثقافي العام دونما تمييز بين ماض وحاضر أو بين أصالة ومعاصرة ، ولكن يأخد الثمين فيثمنه ويترك الرديء ويزدريه ، وبهذا فقط نستطيع أن نرسم خطا للانطلاق نحو التقدم ، فليس التقدم كنزا نحفر عليه في الماضي ولا هو هبة تمنحنا أياها الحداثة وقيمها ، وليست هذه نظرة توفيقية بالمعنى الذي سبق ، ولكنها نظرة تلغي الإلغاء الثقافي دون أن تقف عند هذا الحد بل تدعو إلى تحريك أدوات الإبداع الثقافي والفكري من نقد وتركيب وتفكيك وبناء وتجاوز .....، وبذلك وحده يكون للرسالة معناها كما يكون للتحرير أيضا معناه .

الثلاثاء، مايو 26، 2009

في المسألة اللغوية


منذ البداية – أي ما قبل الاستقلال – لم تكن العلاقة بين المثقفين المعربين من جهة والمفرنسين من جهة أخرى، علاقة وفاق أو تكامل كما يفترض أن تكون، بل إنها كانت علاقة تضاد وصدامية في كثير من الأحيان، رغم بعض الصداقات الشخصية التي كانت تربط بين أطراف من هذه الفئة وأطراف من الفئة الأخرى.فالازدواجية اللغوية هي خصوصية من خصوصيات المجتمع الجزائري الذي يعيش انكسارا لغوية وقطيعة لغوية داخل النخبة، نخبة معربة ونخبة مفرنسة وطبيعة هذه العلاقة بين المثقفين الجزائريين قد أدت بعد تعريب الجامعة إلى الوصول لصيغة توفيقية رعتها الدولة، لم تحسم الخلاف والاختلاف وإنما حددت مجال لكل فئة، الثقافة والإعلام والتعليم للمعربين، والصناعة والفلاحة والهياكل القاعدية للمفرنسين، "باختصار مهندسون مفرنسون وعقائديون معربون "لقد كانت اللغة العربية في وضعية المغلوب على أمره خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وكان تداولها جد منحصر ومحدد بين فئة قليلة جدا من المتعلمين الذين تلقوا تعليمهم في المدارس التابعة للزوايا أو سافروا للمشرق، أو في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بداية الربع الثاني من القرن العشرين؛ في المقابل عملت الإدارة الاستعمارية على التمكين للغة الفرنسية بين الجزائريين من خلال المدرسة الكولونيالية، ومن خلال جعل الفرنسية وسيلة للرقي الاجتماعي بين الأهالي، هذه الحالة التاريخية التي عاشتها اللغة العربية في الجزائر المستعمرة، جعلت من الدفاع عن العربية كمحدد من محددات الهوية الجزائرية، مطلبا شعبيا ومطلبا سياسيا للحركة الوطنية، فقد " ارتبطت عملية الدفاع عن العربية بالدفاع عن التراث والدين الإسلامي والهوية الوطنية في كل برامج الحركات الوطنية والثورة الوطنية فأصبحت تراثا ثقافيا وإيديولوجيا سيوجه سياسة الدولة الثقافية نحو التعريب ووضع تصور لتعميم استعمال اللغة العربية "، هذا التصور الذي لم يلتقي بالواقع إلا في مجالات معينة مرتبطة بالمجال الثقافي والإيديولوجي، خصوصا مجال الإعلام، أما المجالات الأخرى الاقتصادية تحديدا، فإن اللغة العربية ظلت بعيدة وعاجزة عن إيجاد موطأ قدم لها ضمنها رغم توظيفها من طرف منتجي الثقافة النخبوية كلغة حداثية قادرة على استيعاب التطورات المتسارعة في مجال الفنون والآداب ، إلا أنها كانت ومازالت ذات مردودية اقتصادية وتكنولوجية ضعيفة في مجالات التحديث والتصنيع ونقل التكنولوجيا، وهي المجالات التي راهنت عليها الدولة الجزائرية عقب الاستقلال من اجل التقدم والازدهار، وهذه المراهنة على مجالات تسير وتدار باللغة الفرنسية هي التي جعلت من عملية التعريب التي مست الجامعة وقطاعات أخرى تفقد معناها، كما غدت النزعة الاستعلائية لفئة المتفرنسين اتجاه زملائهم المعربين مما ساهم في تأزيم العلاقة بين الطرفين، حيث على المستوى الثقافي مثلا يعرف الحقل الثقافي الجزائري شرخا حادا بين ما يكتب بالعربية وما يكتب بالفرنسية، رغم عمليات الترجمة التي يقوم بها بعض المثقفين لانتاجات زملائهم الذين يكتبون بلغة أخرى، سواء من الفرنسية إلى العربية أو العكس، رغم ما يشوب عمليات الترجمة من انتقائية وزبائنية في غالب الأحيان، حيث أن اختيار النصوص المترجمة لا يستند عادة إلى القيمة الفكرية والأدبية للنص المترجم بمقدار ما يستند إلى محددات أخرى غير ثقافية غالبا. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن اللغة الفرنسية في الجزائر تتجاوز وضعها كلغة عملية لتندرج ضمن التناولات السياسية للقوى الخارجية، وتحديدا لفرنسا التي تسعى ومن خلال الفرانكوفونية إلى بسط نفوذها بشكل أكبر داخل المجتمع الجزائري، فالفرانكوفونية كسياسية لغوية وضعتها الحكومة الفرنسية بغية التمكين للثقافة والفكر الفرنسي، أي لإشعاع فرنسا في غيرها من البلدان، تتجاوز مسألة اللغة الفرنسية في حد ذاتها والتي لازلنا نعتبرها غنيمة حرب، لتتجلى كوسيلة لفرض الهيمنة تتوسل باللغة، وعن طريقها يتم تحصيل منافع اقتصادية ومصالح سياسية معينة. الحالة السابقة الذكر التي وجدت اللغة العربية نفسها في ظلها رغم الدعم السياسي الذي حظيت به من أعلى هرم السلطة والذي تجلى في عملية التعريب التي مست الجامعة ومجالات أخرى مرتبطة بالإعلام والنشر، وقانون تعميم استعمال اللغة العربية ( المعطل التنفيذ )، هذه الحالة قد فسحت المجال واسعا أمام اللغة الفرنسية لتكون لغة الاقتصاد ولغة هرم السلطة، والاهم من هذا وسيلة للرقي الاجتماعي والوظيفي كما كانت عليه خلال الفترة الاستعمارية، هذا الوضع يجعل من المسألة اللغوية في الجزائر مجالا للصراع الاجتماعي، بنفس القدر الذي يشكل به الثراء اللغوي للجزائر وبعيدا عن التوظيفات السياسية مجالا لازدهار الإبداع الثقافي وللتعبير عن الذات، سواء باللغة العربية أو باللغة الفرنسية الحاملة لثقافة عربية أو امازيغية كما كان الشأن مع الجيل الأول للروائيين الجزائريين (مولود فرعون، مالك حداد، كاتب ياسين ) الذين كتبوا نصوصهم باللغة الفرنسية وبها عبروا عن ذواتهم وهويتهم.

الاثنين، مايو 18، 2009

التماثل الاجتماعي وتغييب الفردانية


هناك ميل فطري لدينا كجماعات وكأفراد للتقولب الذي يلغي الخصوصيات الفردية أو يحجبها لصالح التماثل الجماعي، وهذا الميل لا يزال مسكوتا عنه في خطاباتنا الفكرية المنتجة حول المجتمعات العربية، وإنطاقه يحتاج لدراسات معمقة لم تنجز بعد.هذا الميل الجماعي للتقولب يقابله في بعض الأحيان وليس دائما نزوع فردي نحو التفرد والتميز، ولكن هذا النزوع لا يعلن عن نفسه أمام الجماعة بمقدار ما يعلن عن نفسه أمام الذوات المفردة.الجماعة بالنسبة لنا سلطة تحيل دوما على العنف بمعناه المادي والرمزي، وهي سلطة جبارة لا يمكن مجابهتها، مثلها مثل الدولة والقبيلة والمؤسسة الدينية والعصبة التي تتمظهر من خلالها الجماعة وتمارس تأثيرها الكبير على الفرد إلى درجة إلغاء ذاتيته والحجر على أفكاره حين تتعارض مع أفكار الجماعة التي تمثلها المؤسسات الاجتماعية والسياسية و الأعراف والعادات والتقاليد.الدولة تسعى لقولبة المجتمع عن طريق وسائلها الإيديولوجية (المدرسة، الإعلام الرسمي ).المؤسسة الدينية أيضا تسعى لفرض قولبة خاصة بها تقوم على ثنائيات حدية صارمة: الفضيلة مقابل الفساد، الدين مقابل الإلحاد ، الخير مقابل الشر.ثنائيات لا تترك مجالا للخيار لدى الجماعة، كما أنها تجعل الفرد يحجم عن رفضها علنا على الأقل.
هذا الغياب للفردانية في ثقافتنا العربية ساهم بشكل فعال في الحد من القدرة على الإبداع والابتكار سواء على مستوى الإبداع الأدبي و الفني أو على مستوى السلوكيات اليومية التي تظل مؤطرة بما ترتضيه الجماعة رغم حالات الخروج الكثيرة عن موديل الجماعة في اللباس والعلاقات الخاصة والأفكار أيضا، ولكن هذا الخروج لا يتم بشكل طبيعي، لأنه يقابل عادة بتجريم الجماعة من خلال القيم والأعراف السائدة أحيانا، وبالتسفيه أحيانا أخرى، وهذا ما يضع الفرد في مواجهة غير متكافئة تنتهي غالبا بانكفائه على ذاته وخضوعه لمتطلبات الجماعة.
الثقافة العربية تمجد قابلية الفرد للذوبان في الجماعة والاحتماء بها لدرجة لم يتأسس عندنا بشكل واضح المعالم مفهوم الفردانية، وهذا الوضع إن لم يشكل عائقا كبيرا في طريق التنمية في الفترات السابقة التي اتسمت بوجود بنيات تقليدية تحكم كل مفاصل الدولة والمجتمع في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، فإنه في وقتنا الحاضر ومع الاصطدام بقيم عالمية تفرض حضورها بقوة في واقعنا وديارنا، قد صار عائقا في طريق التنمية بمعناها الذي يتجاوز المجال الاقتصادي، وفي طريق الابتكار والإبداع الذي يتأسس على مفاهيم مثل الحرية والاختلاف التي تعد مفاهيم وقيم أساسية في أزمنة الحداثة التي تستدعي الفردانية وكل ما يتساوق معها من مفاهيم، وتنفر من القولبة والتماثل.

conter