‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاربات حول الثقافة العربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاربات حول الثقافة العربية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، ديسمبر 14، 2015

التنافر والانسجام


تكتب رواية البطل الإشكالي إنسانا يئن تحت العبء الوجودي للتنافر discordance مما يكسبه وعيا شقيا يجعله لا يلتقي بما يؤمن به في واقعه، فيكون البحث المستمر هو عنوان حياته الأبرز، على العكس من ذلك تكون الروايات الوجدانية والعاطفية متصالحة مع الواقع والتي ما هي في النهاية سوى إعادة إنتاج سردي لرؤية شعرية تستدعي التوافق concordance وتمجده. إنها تمنح راحة البال للقاريء، وهي لا تختلف كثيرا عن دروس وتعاليم التنمية البشرية التي تحل كل مشاكل الفرد في جملة عبارات، اختصارها أنت تستطيع. تلتقي هذه الرؤية التوافقية أيضا مع الرؤية الدينية ذات الطابع المعياري والتي غالبا ما تسوق حلولا جاهزة ومعلبة لكل المشاكل المطروحة على الفرد والمجتمع، وفي أحيان كثيرة حل واحد لمجموعة مشاكل تبدو متنافرة ولا رابط بينها. انها تنتج رؤى وتسوق خطابات مريحة، ومع أنها غير منتجة في الواقع الاجتماعي إلا كتسكين، إلا أنها مقبولة وغالبا ما يقبل عليها الأفراد ويتعاطونها كحلول مقدسة، ومقنعة، وهذا هو الغريب. على العكس من ذلك تقف الخطابات العلمية، وخطابات العلوم الاجتماعية خاصة التي تشترك مع تصور روايات البطل الإشكالي، في كونها فاقدة للثقة واليقين في القدرة على الجزم والوصول لنتائج لها طابع الديمومة، وبالتالي عاجزة عن تسويق ملاءمتها للواقع الاجتماعي ومشاكله وأزماته كخطابات مقنعة تحضى بقبول جماعي، رغم مردوديتها النسبية وقدرتها على إيجاد الحلول الجزئية والطويلة الأمد، الحلول التي لا تعبد الطريق إنما تشير إليه. تقف تلك الخطابات وحيدة مشكوك فيها ومنظور إليها بارتياب، ومجتنبة من طرف المجتمع الذي لا يبحث عن حلول يتعب في الوصول إليها والصبر على عنتها وتضحياتها، إنما تغريه الحلول الجاهزة التي تسوق في خطابات براقة تقنعه بأنه قادر ويمكنه أن يفعل، دون أن تأخذ بيده لمبتدأ الفعل ومسيرته لطويلة. حين نلاحظ أن روايات المنفلوطي وجبران خليل جبران وعبد الحليم عبد الله وإحسان عبد القدوس وغيرها من الروايات الرومانسية التي تصور عالما ممكن التمثل بسهولة لا تزال تقرأ على نطاق واسع من طرف أجيال متتالية في الوطن العربي، نفس الأجيال التي تحجم عن، وتتجنب الاقتراب من روايات بوجدرة وصنع الله إبراهيم وعبد الرحمان منيف نفهم أننا لم ندخل بعد زمن الرواية لأننا لم ندخل بعد زمن الحداثة. زمن البحث الذي لا ينتهي عن حلول مبتكرة وأصيلة لمشاكلنا وأزماتنا الفردية والمجتمعية.

الأربعاء، مارس 18، 2015

لماذا يعادي المجتمع بعض النصوص الإبداعية؟!

نحن كقراء، لا نتخذ موقفا سلبيا، عدائيا أو متحفظا من نص ما نتيجة قراءة مغلوطة أو سوء فهم لمعناه الحرفي، أو إمكاناته التأويلية. فتلك حجج نخبوية لها غاياتها التي أساسها الظاهر الحرية، وباطنها رمي لكل مخالف إيديولوجي بقصور الفهم والعجز عن إدراك مرامي النص نتيجة القراءة المغلوطة التي سببها افتقاد أدوات الفهم والتأويل، وهذه حجج نخبوية يتم ترديدها باستمرار دفاعا عن النصوص والكتاب أمام " غضبة الجماهير " التي يكون سببها غالبا تنديد بعض القراء بنص ما أو كاتب معين وتلقف فئات واسعة من المواطنين لذلك التنديد وتبنيه كموقف شخصي اتجاه النص أو الكاتب.
جوهر القضية هنا يتمثل في السؤال التالي: مالذي يدفع فئات واسعة من المواطنين لا علاقة لها بالأدب والفكر وليسوا من جمهور القراء إلى تبني مواقف عدائية اتجاه نص أو كاتب معين؟

الأمر هنا مرتبط أساسا بمقدار اللاتوافق الذي يحمله النص المندد به مع قيم الجماعة ومكونات هويتها التي ترى أن المساس بها هو اعتداء لا يمكن السكوت عنه، وهذا اللاتوافق  غالبا ما يكون واضحا ولا يمكن للكاتب أو أنصار النص المندد به الدفاع عنه بحجة التأويل وطبيعة النص التخييلي وغيرها من الحجج التي تتكرر عند كل أزمة مشابهة، هنا يلعب الوسطاء الذين يتصدرون للدفاع عن قيم الجماعة دورا حاسما في التجييش من خلال تقديم قراءة مجتزأة وموجهة نحو ما يقدمه النص من دلائل على مقدار اللاتوافق المذكور، فتنتشر المقتطفات من النص ويتم استحضار النصوص السابقة في حالة احتوائها على تعارضات أخرى مع قيم الجماعة كما تتداول التصريحات على نطاق واسع. كل ذلك من أجل تكوين ملف إدانة يتم توظيفه غالبا بشكل يتجاوز النص أو الكاتب ويمضي نحو غايات سياسية وصراعات ايديولوجية بين النخب والتيارات التي لا يخبو الصراع بينها وينتظر هكذا اهتمام شعبي لتسجيل نقاط ضد الخصوم، كما أن ذلك الغضب الشعبي غالبا ما يكون خادما للكاتب المغضوب عليه من الناحية التجارية ومن ناحية الحضور أكثر داخل الحقل الثقافي الذي يبدي اتجاهه تضامنا وحسدا في نفس الوقت. فالنصوص الأدبية غالبا ما تكون مسرحا للصراعات والمعارك الإيديولوجية، وتلك خاصية سوسيولوجية لصيقة بطبيعة الأدب.

الأحد، فبراير 15، 2015

عن الثقافة الساندويتش

ليست كتب الطبخ والروايات التجارية، وكتب الأبراج بمنتجات دخيلة على الثقافة، إنها جزء من الثقافة بمعناه السوسيولوجي، ووجودها برفوف المكتبات ليس بدعة ولا تعبيرا عن سخافة الثقافة التي تسمح بتسويق مثل هذه المنتجات، إنها ظاهرة صحية يزداد انتشارها في الأوساط التي تسعى لاكتساب نوع من " الدلع البورجوازي " في المأكل والمشرب وطريقة الحديث التي تستحضر أسماء المطاعم وماركات العطور أكثر من أي شيء آخر.
المشكلة عندنا تكمن في تغوّل هكذا نوع من الثقافة " الخفيفة " على حساب الثقافة الرصينة التي يمثلها الأدب والفكر وما يتفرع عنهما من دراسات متطلبة معرفيا، وبالتالي تتطلب قارئ  نوعي، ذو اهتمامات تتجاوز السطحي والبسيط الذي تقدمه الثقافة التجارية، وهذا التغول هو ظاهرة تاريخية ساهم في خلقها وتكريسها الحقل الثقافي بمجمله ( المكتبيون، الناشرون، الموزعون، الإعلام بمختلف أنواعه) ولقيت صدى لدى فئة واسعة ممن يصنفون كمستهلكين للمنتجات الثقافية المكتوبة، وخاصة لدى فئة النساء  بالنسبة لكتب الطبخ، مما وسع سوقها بشكل ضمن لها استمرارية مريحة وربحية أكبر من ربحية باقي أنواع الكتب التي تصنف في خانة الكتب الجادة.

الأدب والكتب الفكرية تحضى بطلب من فئة محدودة تنحصر بالكاد في فئة الطلبة والباحثين وبعض هواة المطالعة الجادة، وبالتالي لا يجب أن تخضع لمعيار العرض والطلب الذي تكون الربحية هي أساسه، إنما يجب أن تحضى بنوع من الدعم خاصة في مجال التوزيع الذي يجب أن تتكفل به الدولة، فالموزعون غالبا ما يقومون بتوزيع  المنتجات التي تتسم بنسبة دوران سريعة مما يجدد الطلب عليها باستمرار، وهذه ميزة تفتقدها الكتاب الأدبية والفكرية التي يكون تسويقها بطيئا، مما يجعل المكتبي والموزع، وهما تاجران، ينظران إليها بارتياب، وبالتالي يتم تجحيم مساحة عرضها لصالح الكتب الأخرى التي تحضى بطلب أكبر، مما يخلق أزمة ويوسع حجم التظلم لدى فئة المثقفين الذي يرى أغلبهم بأن كتب الطبخ والكتب الدينية والتجارية تطغى على الكتاب الأدبي والفكري في مجتمع يهمش الجاد وينساق نحو الخفيف والنافع.

المثقف هو ذلك المزعج الذي يفسد على الآخرين حفلاتهم التنكرية

إذا كان بورديو قد عرف عالم الإجتماع بأنه ذلك المزعج الذي يفسد على الآخرين حفلاتهم التنكرية، فإن هذا التعريف أكثر  ملائمة لتوصيف المثقف بالمعنى الذي أراه  وبالدور  الذي أناطته به نشأته الأولى، وقد خرج من براثن الحرب والصراع الذي يدفع عامة الناس للاصطفاف  إلى  جانب الوطن والجماعة والطائفة بغض      النظر عن كون الجهة المصطف إلى جانبها على حق أم ضلال. فالمثقف الحديث كمفهوم وكممارسة  تمثلها ثلة من " المثقفين الكونيين " بتعبير جوليان بندا هو وليد قضية درايفوس، والتي بدأت باتهام وإدانة الضابط الفرنسي دريفوس بالعمالة لألمانيا، وفي الوقت الذي كانت جموع المواطنين الفرنسيين المكلومين من ضم ألمانيا لأقليمي الإلزاس واللورين تطالب برأس الضابط الخائن، خرج إميل زولا على العالم بمقالته ذائعة الصيت: " إني أتهم " والتي اتهم فيها القضاء الفرنسي بعدم التدقيق في القضية والانسياق وراء نزعة معاداة السامية التي على أساسها تمت إدانة الضابط الفرنسي ذو الديانة اليهودية، وقد اصطف المثقفون الفرنسيون وراء زولا ودافعوا باستماتة عن براءة دريفوس، واقفين بذلك ضد الدولة وضد المشاعر القومية المتأججة.
إذا كانت نشأة المثقف الحديث، والذي قام بدور جديد مفارق للأدوار التي قام بها سلفه العظيم وشديد السطوة: رجل الدين، قد ألقت به في أتون الشأن العام  وفرضت عليه إبداء الرأي والدفاع عما يراه صوابا حتى لو كان ضد " القناعات العامة " التي تستمد سطوتها من الجموع الغفيرة المستعدة دوما  لرجم الضالين والخونة، فإن الدور الأساسي الذي ينبغي على المثقف أن  يقوم به ويخلص له قدر استطاعته هو أن يكون ضمير أمته الذي  يندد بكل الانحرافات التي قد تحدث ويبّين مكامن الانحراف  في القيم وفي السياسات وفي القناعات العامة التي قد تخفى، نتيجة هوس الحماس الوطني أو القومي ، على عامة الناس وتقودهم، بالتالي، إلى تبني اختيارات تاريخية فادحة الخطورة، وما حدث في ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية والكثير من الديكثاثوريات الحديثة، هو خير دليل على النتائج الباهظة لغفوة المثقف وتراجعه عن القيام بدور  " حارس الضمير الجمعي " وعاصمه من التيه والضلال، فالمثقف هو الناطق باسم الجوهري والأساسي في الإنسان، وبهذا فهو مطالب، بحكم وظيفته كمثقف والتي هي أسمى من أية وظيفة أخرى رسمية قد يشغلها بالمقابل، بأن يترفع عن الآني واليومي والسياسي في مباشرته وممكناته المتعددة، وأن يتجرد من سطوة " القناعات العامة " التي تعيق عامة الناس ومن ينساقون وراء هدير مطالبهم، عن إدراك جوهر الأشياء التي قد تقدم منفعة عاجلة وتخبر في عمقها عن مضرات آجلة .
من هذا المنطلق يقف المثقف في مواجهة السياسي ورجل الدين كممثلين لسلطة يناضل المثقف، بالضرورة، ضدها، إنه كاشف آلاعيبها بتعبير إدوارد سعيد الذي ينيط بالمثقف دور النضال ضد السلطة، بعد أن كانت العلاقة مثقف / سلطة وعلى مدار قرون طويلة هي علاقة تأثير من طرف المثقف واستقطاب من طرف السلطة في حالات الانسجام وبطش وتنكيل بالمثقف من طرف السلطة في حالات الخلاف الحاد، دون أن يكون المثقف مطالبا بحكم  كونه مثقفا بأن يتخذ من فضح ألاعيب السلطة وأدوات هيمنتها على الأفراد والمجتمع، وظيفة جوهرية تنفي عنه صفة المثقف في حال تخليه عنها. وباستعارة مقولة بورديو السابقة وتحويرها نقول أن المثقف هو ذلك المزعج الذي يفسد على الآخرين حفلاتهم التنكرية، والآخرون هنا ليسوا سوى أصحاب السلط الذين يتناسلون في المجتمعات الحديثة ويستقوون بما توفره الحداثة والعولمة من أدوات هيمنة وتوجيه غير مسبوقة، ومن قدرة على التسلط الناعم الذي صارت تتسم به الأنظمة الحديثة حتى في أكثر المجتمعات ديموقراطية ورقيا اقتصاديا، فالمتسلطون الذين يتخذ المثقف من فضح ألاعيبهم وكشف استراتجياتهم دورا  ووظيفة  لم يعودوا محصورين في الفئات التقليدية التي تتعين برجال الدين والسياسة الذين تعرف العامة مدى نفوذهم وتفقه شيئا من أدواتهم، إنما اتسعت دائرة الفئات المتسلطة نتيجة تغلغل الحداثة وقيمها في الكثير من المجتمعات لتشكل شبكة ممتدة من رجال السياسة والإقتصاد والخبراء المتخصصين ورجال الدين والإعلام والشخصيات العامة ... تلك الشبكة التي لم يعد الإنسان العادي، الذي يتحدث المثقف باسمه ويعبر عن ضميره ويصوغ  آمانيه ويوتوبياته المجتمعية،  قادرا على كشف آليات هيمنتها بله رفضها ومواجهتها.

ولكي يقوم المثقف الحديث بهذا الدور المجتمعي، شديد الخطورة، في عالم تتسارع فيه قدرة السلطة على التنميط والقولبة عليه أن يكون إنسانيا بالدرجة الأولى أي قادرا على افتكاك نفسه، ووعيه قبل ذلك، من الهيمنة الرمزية للجماعة التي ينتمي إليها سواء الجماعة الوطنية أو الدينية أو الإثنية، فهو غير مطالب بحكم وظيفته بأن يتحدث باسم أي من هذه الجماعات منفردة، ولا أن يضع قدراته في خدمة مشاريع  آنية الرؤية تتعارض مع ما يدعيه لنفسه من قدرة على تمثل وتمثيل الر ؤى القصوى لمن يتحدث باسمهم، أولئك الذين لم يعودوا، نتيجة تأثير الحداثة والعولمة، منحصرين في "جماعات الإنتماء " التي تتعين بالوطن والدين واللغة والعرق، إنما صارت خطابات المثقف منفتحة على  كل العالم الذي قد يتلقاها أو يتلقى ارتداداتها عبر خطابات أخرى.

السبت، أكتوبر 18، 2014

عن البطولة والبطل الروائي وبطالة السرد



تقوم فلسفة ما بعد الحداثة والتي أثرت بشكل كبير في الرواية، بالغرب خاصة، على أطروحة، يبدو أن الزمن يؤكد خطأها، قوامها نهاية السرديات الكبرى: التقدم والتنوير والثورة ... وهذه السرديات هي مجال اشتغال ومبرر وجود البطولة، لأنها تعطي الحجة الانطولوجية لوجود الشخصية البطلة في الرواية التي تبشر أو تحلم بتغيير العالم، وخلق شرط وجودي في ظل واقع اجتماعي لا يعادي إمكانية الرفض والتغيير. كان روبنسون كروزو ودون كيشوت وجوليان سوريل، وإيما بوفاري حالمين كبار في عالم يتيح الحلم وينفتح على المغامرة الممكنة النجاح، فرواية القرن الثامن والتاسع عشر هي رواية شدّاد الآفاق الذين ينجحون في إقامة عالم جديد وإن على أنقاض العالم القديم، كانت رواية الأبطال الفاعلين في التاريخ، فهي وبشكل كبير، رواية التوسع الامبر اطوري للغرب الذي سكنته تلك السرديات الكبرى: التنوير خاصة، والتي صارت رسالة تمثلتها الرواية باقتدار أكثر من أي فن آخر، فرسالة الغرب التنويرية للعالم، كواحدة من السرديات الامبريالية التي أنتجتها المركزية الأوروبية هي التي خلقت أبطال دانييل ديفو وجوزيف كوندراد وكيبلينك وغيرهم كثيرون من الذين يسميهم ادوارد سعيد: روائيو الامبراطورية. 
كانت رواية الشخصية، ومن ثم رواية البطل الذي يسميه لوكاتش، ومن بعده غولدمان إشكالي، قد ازدهرت بداية من دون كيشوت كأول بطل روائي يحلم بعالم لا تلتقي به خطاه إلا عرضا، وعرفت أوجها خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، عصر الحداثة والتنوير وسردياتهما الكبرى، لكن بداية من القرن العشرين وتحديدا منذ الحرب العالمية الأولى، لم يعد البطل يجد له مكانا في الرواية وإن حافظ على وجوده فيها كعنصر أساسي من عناصر العمل الروائي، لكنه حافظ على "وجوده التقني" في عمل يحتاج إلى مواد وعناصر، وفقد وجوده البطولي كفاعل في التاريخ وكحامل رسالة، فالبطل الروائي صار بداية من عشرينيات القرن العشرين يعيش " زمنه الضائع " وتيهه الأبدي، لهذا انتقلت الرواية لتحكي حيوات أبطال لا يملكون من البطولة غير الإسم، لأنها تصدر عن واقع لا بطولة فيه وتكتب التاريخ من الأسفل بعد أن استنفذت روايات الفرسان النبلاء وصانعوا التاريخ مبرر وجودها، فالبطل الشعبي الذي حاولت الفلسفة الوجودية بعثه عن طريق إدراجه في سياق يتسم بالتوتر الوجودي للإنسان مما يمنحه قدرة ما على لعب دور بطولي من خلال التمرد على العالم ورفضه ( ميرسو كامو وزربا كازانتكايس) لم يكن بأي شكل من الأشكال بديلا للبطل الكلاسيكي الذي يحمل رسالة ويتوجه بها إلى العالم معززا بيقين لا يكل ولا يفتر، ولم يسر بالبطولة كفعل في الواقع الاجتماعي لمزيد من التجلي. إن كل ما بلغته بطولة إنسان القرن العشرين كما تجلت في الرواية هو مزيد من الضياع الذي ينتهي بالرقص حول نار الحياة على صوت عويل الذئاب التي تحرم الروح سلامها.
وإذا انتقلنا إلى الرواية العربية فإننا سنجد وضعا أكثر هشاشة للذات الفاعلة في التاريخ (البطل)، نتيجة القمع الشديد الذي يمارسه الواقع الاجتماعي على أي نزوع فرداني، وقدرة الثقافة المجتمعية على قولبة الأفراد وفق نمط أساسي لا يملكون فكاكا من هالته وسحره الذي يصبغه عليه المجتمع. وللأمانة فإن الرواية العربية الحديثة لم تكن بأي شكل من الأشكال رواية بطل بالمعنى الايجابي للبطل الذي يعطيه دور قيادة التغيير الاجتماعي، رغم سعي روائيو اليسار العربي نحو خلق بطل ايجابي قادر على تغيير الواقع لكنه ظل في حدود الأماني الروائية دون أن يتمكن الروائي العربي إلا في حالات نادرة ( مصطفى سعيد الطيب صالح وسعيد مهران نجيب محفوظ ) من خلق بطل واجه مصيرا غير عادي وكان فاعلا فيه بشكل من الأشكال. 
إن الثقافة العربية الراهنة والتي لا زالت تعتاش أسطوريا على سير أبطال خرافيين رسختهم الحكايات والسير الشعبية في المخيال الجمعي للإنسان العربي، هي ثقافة عاجزة عن خلق البطل بعيدا عن نمطية البطل السياسي والعسكري الذي يتحدد بمقدار الانتصارات العسكرية التي يحققها دون غيرها من محددات البطولة، فمنذ غزوات الرسول وبطولات خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب مرورا ببطولات الفتح وانتصارات الخلفاء والأمراء التي تأسطرت لاحقا، إلى حروب محمد علي باشا وبطولة عمر المختار وزعامة جمال عبد الناصر ، لم يخلق بطل شاذ عن هذا النمط من البطولة في المخيال العربي، وهذا ما يجعل وجوده روائيا أمرا غير ممكن سوسيولوجيا، لأنه لا يمتلك القاعدة التي تتأسس عليها بطولاته في زمن لم تعد فيه الحرب مجال بطولة وقد اختطفت التكنولوجيا شديدة الفعالية كل البطولات. إن كل ما تستطيع الرواية العربية تقديمه من نماذج " بطولية " هو الشخصية التي تصارع من أجل افتكاك فردانيتها من تأثير وهيمنة الجماعة، فالفردانية كشرط حداثي يمكن للرواية أن تشتغل عليه لتنقذ نفسها من إسفاف السقوط والتيه الذي أغرقت فيه أبطالها وشخصياتها تأثرا بأوهام ما بعد حداثية، وقفزا على حداثة لم تنجز بعد مشاريعها ووعودها في أرضنا وديارنا.

الخميس، سبتمبر 10، 2009

الأدب والمؤسسة الأدبية

حين يتحول الأدب من حالة بوح ذاتي يمارسه مجانين الكتابة إلى مؤسسة، أو بعبارة أدق حين يخضع لمؤسسات صناعة الأدب وما تفرضه من شروط، يتجرد هذا الأدب من ادبيته وصدقه في غالب الأحيان.
فدور النشر ووكلاء التوزيع و الجوائز الأدبية والصحافة والنقد، كلها عوامل حين يضعها الأديب في حسبانه يفقد شيء من أصالته ويذهل عن تحويل المعاني الملقاة على قارعة الطريق بتعبير الجاحظ، إلى بناء فني يستبطن جوهر الإنسان والمجتمع ويعبر عنه.
عندنا في العالم العربي نلحظ هجرة جماعية للقراء، الذين صاروا يرغبون عن الأدب، لأنهم لا يجدون فيه ذواتهم المثقلة بأسئلة لا "أجوبة أدبية" لها.
لهذا نجد أنفسنا في حالات كثيرة ونحن نطالع من تصدره المطابع ودور النشر أمام بؤس المنتوج الأدبي العربي، الذي لم يعد يقرأ إلا على نطاق ضيق للغاية.
والسبب :الأديب والمؤسسات التي لها علاقة بالأدب

المثقف في عنق الزجاجة



يصف الفيلسوف الألماني لودفيغ فتجنشتين المثقف الواقع في أزمة تشل فاعليته وقدرته على المبادرة بفعل يغير واقعه وواقع أمته، بذبابة وقعت فجأة في قعر قنينة، ولم تستطع الخروج منها فظلت تدور على نفسها عبثا، آلاف المرات، محاولة النفاذ من عنق الزجاجة، ولكنها فجأة وعبر انطلاقة واحدة ناجحة، استطاعت تجنب الاصطدام بجدران القنينة الصماء، والنفاذ من فوهة القنينة بنجاح.
إذا كان المثقّف هو الذبابة، فالقنينة هي الثّقافة الغربيّة، والانطلاقة النّاجحة هي ما تعيشه هذه الثقافة من ثراء، وما تمارسه من إغراء على الثّقافات الأخرى.
الثقافة الأوروبية لم تنبثق هكذا من العدم إنها نتيجة مخاض عسير وآلاف المحاولات الرامية للانبثاق، والإنعتاق من حالة القصور التي لازمتها زمنا، وتشبيه فتجينشتين هنا للمثقف بالذبابة العالقة في قارورة هو تشبيه بليغ للغايةفالانطلاقة الموفقة وإدراك المقاصد التي بنى عليها العقل الأوروبي رهاناته كانت وراء هذه الانطلاقة الموفقة
بالنسبة للمرحلة الأولى التي حررت العقل الأوروبي من سيطرة الفهم الكنسي للدين المسيحي، كانت بداية، لكنها لم تكن بداية قادرة لوحدها على نقل العقل الأوروبي لمرحلة الفعالية القصوى التي يتمتع بها الآن والتي حولته لعقل يحمل ثقافة عالمية قادرة على أن تمثل نموذج يحتدى، فكانت المرحلة الثانية وهي مرحلة التنوير التي افتتحها ديكارت بمقال المنهج الذي مثل نقلة نوعية لا توصف في نظرة الإنسان الأوروبي لذاته وللعالم.
التنوير بحسب ديكارث هو تخلص الإنسان من حالة القصور لهذا فهو يعرفه على انه :"خروج الإنسان من حالة القصور التي يبقى هو المسؤول عن وجوده فيها. والقصور هو حالة العجز عن استخدام الفكر (عند الإنسان) خارج قيادة الآخرين. والإنسان (القاصر) مسؤول عن قصوره لأن العلة ليست في غياب الفكر، وإنما في انعدام القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته، دون قيادة الآخرين" . لتكن لك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك: ذلك هو شعار عصر التنوير
وهذا الوعي بضرورة تجاوز مرحلة القصور هو الذي مكن العقل الأوروبي من التخلص من حالة القصور أي تجاوز الشرط الديني الذي لم تستطع المرحلة الأولى لنهضة العقل الأوروبي، مرحلة لوثر وكالفين أن تتجاوزها بجدارة رغم أنها مهدت الطريق لهذا التجاوز.
حين نطرح قضية تجاوز المشروطية الدينية على المثقف العربيالمبهور بثقافة الغرب وأنواره ماذا نجد؟.!
نجد هذا المثقف بالرغم من ادعاءه انه قادر على الاحتكام للعقل وحده عاجز في لا وعيه عن تجاوز هذه الحالة التي يفرضها تاريخ بأكمله من العلاقة المشتبكة بين العقل والدين وبين العلم (بمفهومه الفقهي) والثقافةفمفهوم المثقف في مجال التداول العربي مفهوم حديث وحين نعود لأصله نجده يقترب من مفهوم الفقيه، فالمثقف العربي هو سليل الفقيه بنفس القدر الذي يعني العلم في اللغة العربية القديمة العلم الشرعي وتحديدا علم الحديث.

إذن، هناك مفاهيم جديدة وردت علينا دون أن نهيئ لها المناخ المناسب للتعبير عن نفسا بحرية وبعيدا عن الإرث الماضوي، ولهذا عجزت مشاريع العلمنة في العالم العربي مثلما عجزت مشاريع النهضة، لأن العقل العربي هو عقل يهوى حرق المراحل والقفز من حال إلى حال دون تهيئة الظروف الذهنية والاجتماعية لهذا الانتقال، ومن ثم يكون الانتقال قفزة غير مدروسة في الهواء، فنعود دوما لنقطة البداية.
في السبعينات وقبلها بقليل وحتى أواخر الثمانينات كان العقل العربي ( نتيجة هيمنة اليسار العلماني على الحقل الثقافي ) يعتقد بسذاجة انه تجاوز مرحلة الاحتكام للبنى والقيم اللاهوتية، وأن المجتمع يسير نحو تبنى القيم العلمانية التي تفرض نفسها عليه بفعل الاحتكاك بالغرب وبفعل التثاقف وبفعل تأثير التقنية الوافدة على ديارنا حاملة معها ثقافتها وقيمها العلمانية والعلمية. ولكن لم تمضي عشرية على هيمنة هذا الاعتقاد حتى احتلت القوى الدينية الشارع والوجدان ووسائل الإعلام في أكثر من قطر عربي حاملة معها مشاريع الدولة الإسلامية التي صيغت في مرحلة اضطهاد لتيارات الإسلام السياسي ( سيد قطب كمثال ) فارضة واقعا جديدا طرد المثقف العلماني وخياراته جميعها للهامش وجعله يناضل من اجل استرداد قيم ظن انه كسبها بشكل نهائي.
تكمن أزمة المثقف العربي في كونه لم يستطع أن ينطلق تلك الانطلاقة الموفقة التي تخرجه من عنق الزجاجة بشكل نهائي، لأنه لم يهيئ ظروف الانطلاقة، فقرنين من الزمن هما عمر التثاقف الذي حصل مع الغرب وهما عمر محاولات النهضة، لم تكن نتيجتهما سوى دوران داخل نفس الرقعة وداخل نفس الزجاجة
لأننا عجزنا كنخب فكرية على تركيز أهدافنا والسعي إليها بثبات وإرادة وفاعلية تمكننا نحن أيضا من تحقيق انطلاقتنا الموفقة.
ولا اعتقد أن ما ينسب لغلق باب الاجتهاد من أسباب في الجمود الفكري الذي نعيشه في واقعنا وديارنا هو السبب الرئيس وراء فشل انطلاقتنا الفكرية التي بدأت مع عصر النهضة، لأن إغلاق باب الاجتهاد يقتصر عند جل المتمسكين بهذه الحجة على المجال الديني، ففي نظر النخبة العربية، الاجتهاد مرتبط أساسا بالنص الديني، مع أن الاجتهاد أوسع بكثير من هذا الفهم الضيق الذي يسوق الآن على أساس أنه السبب الرئيسي في حالة الجمود والتقليد التي يعيشها العقل العربي.

السبت، سبتمبر 05، 2009

الشفهي أو ما قبل المكتوب

يمثل الشفهي بداهة القول والفكرة، هو استجابة لما هو آني بانفعالية في الغالب وحماسة حين يتطلب الأمر ذلك، هو نحن بعيدا عن تعقيدات النظري والتجريدي الذي يتكأ على المكتوب، أي نحن في ملامستها للواقع في أشكاله الأكثر بساطة والأكثر تفاعلية وحميمية، ميزة المشافهة هي تلك التفاعلية المباشرة التي يفتقدها المكتوب أو بعبارة اصح لا يرقى لمستواها.التفاعلية تعني سرعة الاستجابة وقدرة الإنسان على التعبير عن انفعالاته ورغباته ومطامحه ورؤاه بحرية ودون خوف من رقيب أو محاسب، في لغتنا المتداولة شفاهة نسمح لأنفسنا بالنقد بشكل جدري لأن المشافهة تتيح لنا أن نكون أكثر صدقا مع ذواتنا، فالشفهي يقول ما نحسه اللحظة دون استحضار الماضي في تعقيداته، الماضي الذي يؤرق المكتوب ويجره للاشتغال عليه سواء بتقبله كما هو أو بنقده بغية التخلص من سطوته التي تهمين على كل مشروع فكري يلامس الكتابة أو يشتغل عليها.قدرة المكتوب حين يكون صاحبه مثقفا جمعيا تتجلى في استنطاق الشفهي واستحضاره في لحظة استجابة لشروط انوجاد المكتوب التي تعني أكثر ما تعني القدرة على التأمل والنقد العميق الذي يتجاوز الأفكار الجاهزة والمغلوطة المزروعة فينا والآتية من الماضي، الماضي الذي لم نساهم نحن في صناعته، ولكنه يظل قادرا على التحكم فينا بشكل ناعم لا نحس وطأته علينا ولا نكتشف استراتجياته في توجيه تجليات الفكر النخبوي أي مشروع الثقافة النخبوية العالمة التي تتكأ على المكتوب، سوى عن طريق عملية النقدحرية الشفهي في مقابل رقابة المكتوب سواء الذاتية أو الموضوعية التي تفرضها مؤسسات معينة . هو المزح أو التوليف الذي يبتغيه المثقف الجمعي في مشروعه الفكري الذي يسعى لخلق يوتوبيات جماعية تستنهض الجماهيري / الشفهي، والنخبوي/ المكتوب في سعيه إلى بلورة مشروع مجتمعي يكون فكري يتكأ على المكتوب يكون المثقف الجمعي قائده وصانع رؤاه البعيدة التي تروم المستقبل بنقد الماضي في صياغة نظرية هي استجابة لتحديات اللحظة التاريخية في اتصالها وانفصالها مع ماضيها
الشفهي مرجع، والمكتوب مشروع ثقافي وحضاري، حين يتسم بالعمق الضروري لنجاح اليوتيوبيات الجماعية يكون قادرا على استلهام الشفهي ليس بغية الاستسلام له ولبساطته وانفعاليته المفرطة، وإنما بغية تجاوزه عن طريق إقامة قطيعة معرفية هي ضرورية جدا لبلوغ إي مشروع فكري مداه المرجو
إذن فالعلاقة تكاملية وهذا التكامل يكون ممكنا فقط حين يوجد المثقف الجمعي القادر على إدراك هذه العلاقة التكاملية والاشتغال عليها بعمق بعيدا عن النرجسية المفرطة التي تعزل الثقافة النخبوية في جزر بعيدة عن العوام وثقافتهم الشفهية المكتفية بحيوية اليومي وهمومه.

الاثنين، أغسطس 17، 2009

الحوارية الغائبة


احترام الاختلاف والقدرة على فتح حوارات هادئة حول ما نختلف حوله، هو المظهر الأساسي المفقود في ثقافتنا المعاصرة، وللحق هو مفقود في الثقافة العربية التاريخية أيضا، فحتى اللغة العربية هي لغة سماعية خطابية وتلقينية أكثر منها لغة حوارية، ففي القديم كان الشاعر يلقى قصائده في جمع من الناس أو في حضرة أمير أو سلطان أو زعيم قبيلة، الإلقاء يشد الانتباه، يحفز السمع ويستفز المشاعر ، ولكنه يخدر العقل أي يجعله مجرد مستقبل، فتضيع القدرة على ملاحقة الكلمات المصاغة ببلاغة والانتباه لعثراتها.
لهذا كان دور المتلقي هو الاستماع، ونادرا ما يقع الأخذ والرد، فالمسموع الشعري إما يستحسن أو يستهجن، والاستحسان كما الاستهجان هو موقف ذوقي مدفوع بعواطف ومشاعر، أكثر مما هو موقف عقلي اتجاه المسموع، وهذا الموقف الذوقي هو الذي ساهم في تغييب نقاشات من طرف المتلقين للنص الشعري أو للأخبار التي كان يتداولها الرواة، فعملية الاستماع لا تتبع عادة بحوار حولها.
هذه الظاهرة استمرت مع الوحي الإلهي والحديث النبوي، كان النص الديني ينقل سماعا من طرف لآخر، وما على الطرف المتلقي سوى أخذه كما هو، أي التسليم به، وهذا ما فتح المجال واسعا أمام دس الكثير من الأحاديث ونسبها للرسول الكريم.
هنا نجد الجذور التاريخية لغياب ثقافة الحوار بيننا، الأمر اختلف قليلا مع بداية عصر التدوين، وعصر التدوين ابتدأ بتدوين العلم، والعلم في تلك الفترة بداية من القرن الثالث الهجري كان يعني أساسا العلم الديني والحديث على وجه الخصوص، هناك الكثير من الفقهاء ورجال السلطة رفضوا التدوين أي رفضوا الكتابة لأنها تتيح الفرصة للعقل المتأمل في التفكير حول المكتوب ( المسموع سابقا ) ونقده وتمحيصه، أي ممارسة قراءة عقلية واعية وهادئة له، وهذا ما لا يخدم حراس الايديولوجيا السائدة والمكرسة، لأن إعمال العقل قد يبطل الكثير من مزاعمها الغير مؤسسة.
ولكن بعد الحرب الضروس التي خاضها جامعي الأحاديث والحجج المنطقية التي قدموها كتبرير لعملهم المرتكز حول جميع الأحاديث الصحيحة وفرز المنسوب منها، تنازلت السلطة وسمحت لهم بالتدوين ولكن الحركية كانت متسارعة فانتقل التدوين من الحديث إلى مجالات معرفية أخرى انتصرت لاحقا وببراعة على دعاة الثقافة الشفوية ، وهذا الانتصار للمكتوب هو ما صنع مجد الحضارة العربية الإسلامية التي كانت حضارة عقل ودين معا.
ولكن حتى مع انتصار المكتوب وانوجاده كمجال معرفي يحضى بثقة النخبة، ظلت هناك دائما طابوهات صعب على المكتوب تجاوزها، فحق النقد اتجاه المقدس وحق رفض بعض ما يدرج ضمن نطاق المسلمات، ظل مرفوضا من طرف السلطة السياسية ومن خلفها السلطة الفقهية التي تم تدجينها سياسيا ما عدا بعض الفقهاء المتمردين الذين رفضوا الانصياع لإملاءات السلطة السياسية واستطاعوا أحيانا جرها للتنازل عن غيها.
ولهذا ظلت ثقافة الحوار والحق في الاختلاف شبه مغيبة، وغيابها ظل في حالة اتساع خصوصا مع عصر الانحطاط الذي نعيش بعض مراحله الأكثر تراجيدية الآن.
لغتنا المتداولة هي لغة إقصاء ورفض للآخر واللغة عند علماء اللسانيات ليست مجرد وسيلة تواصل بقدر ما هي حاملة لمنظومة فكرية تبين بجلاء طبيعة تفكير المستعملين لها، وبالتالي فنحن عندما نقول بأن لغتنا اقصائية فمعناه بأن طريقة التفكير التي تصدر عنها هذه اللغة هي بدورها اقصائية ورافضة للحوار ولا تعترف للآخر بحقه في الاختلاف .
وهذه الذهنية الاقصائية تتجلى في انصع تمظهراتها عند رجال السياسة والحكام العرب وكذا عند المثقفين الذين يرفض كل تيار منهم التيارات الأخرى ويسفه فكرها ومرجعياتها دون أن يحاورها ويأخذ منها ما يفيده وفي الوقت نفسه يطعمها بما عنده مما يمكن أن يكون إضافة له أو نقطة التقاء معه.
هناك مقولة جميلة أعتقد انها للدكتور عبد الله ركيبي، يقول: " إن مثقفينا في الجزائر والعالم العربي هم مثقفون لفظيا وليسوا مثقفين فكريا ".
وهذا التعارض الذي أشار إليه الدكتور ركيبي يمكن العثور عليه في تلك الضحالة الفكرية التي تسم الكثير من الكتابات الفكرية التي تصدر في العالم العربي، حيث انها في عموميتها لا تصمد أمام النقد العقلي، بسبب افتقادها للانسجام الفكري الذي يعطيها ديمومتها وقدرتها على التأثير العقلي قبل التأثير العاطفي.
وهذا ما يفسر خلو الحقل الثقافي العربي من مفكرين كبار استطاعوا تكوين مشاريع فكرية تتسم بالأصالة وعمق الطرح والانسجام الذي يساهم في تحويلها إلى تيار أو مدرسة فكرية تستقطب أتباعا ومريدين، حيث أن المتابع للحقل الثقافي العربي لا يعثر إلى عدد قليل جدا من الكتابات التي يؤسس أصحابها لمشاريع فكرية جادة استطاعت مع مرور الوقت وبفعل اجتهاد أصحابها في اثرائها، وبفعل التراكم المعرفي المنتج حولها، استطاعت ان تفرض نفسها وان تمتلك قدرة المنافسة داخل السوق التداولي للافكار الذي صار عالميا منذ فترة طويلة، وهنا يمكن ذكر بعض تلك المشاريع الفكرية:
- محمد عابد الجابري من المغرب ومشروع نقد العقل العربي
- محمد اركون من الجزائر ومنهجه في دراسة التاريخ الفكري الإسلامي الموسوم
بالإسلاميات التطبيقية
- حسن حنفي ومشروع قراءة متجددة للتراث العربي الإسلامي
- محمد شحرور من سوريا ومشروع قراءة جديدة للنص الديني
وهذه المشاريع الفكرية الجادة والواعدة مجهولة بنسبة كبيرة، خارج إطار النخبة الثقافية، وهي متجاهلة من طرف السلطة السياسية ومكفرة ومفسقة من طرف الفقهاء رغم عدم اطلاعهم عليها غالبا.
الكتب الجادة عندنا لا تثير حوارا حولها وحتى عندما يصدر كتاب مثير للجدل تسارع السلطة الدينية بإصدار فتوى تكفر صاحبه، و السلطة السياسية بوسائلها القمعية تصادره وتمنعه من التداول، فيتظاهر بعض المثقفين بالدفاع عنه وعن حرية التعبير والحق في الاختلاف وهم فقط يريدون استغلال الضجة التي أثارها المنع، بالكتابة عنها والاشتهار على حسابها، ويهاجم الطرف الآخر أي اؤلئك الذين يقدسون التماثل الفكري والاجتماعي، يهاجمون الكتاب وصاحبه مستغلين عناصر الهوية الجمعية كأدوات هجوم.
وفي الحقيقة أغلبية من يتحدثون في الموضوع سواء الرافضين أو المدافعين لم يقرؤوا الكتاب. حدث هذا أكثر من مرة وسيتكرر كثيرا لأن الذهنية لم تتغير، وهذه الذهنية هي علة أخرى من علل أزمة المثقف العربي.

الأحد، يوليو 19، 2009

الغرب، المثقف الاسلامي، المثقف العلماني

حسم المثقف الإسلامي أمره منذ البداية اتجاه الحداثة واتجاه الغرب، حسم أمره برفض الأمرين معا بشيء من المراوغة، حيث انه يقع في تناقض صارخ وهو يعلن عن رفضه المطلق للحداثة وللغرب وفي نفس الوقت يوظف المنتجات التكنولوجية الغربية وبواسطتها يعلن رفضه، فهو أي المثقف الإسلامي رفض الأفكار وقبل المنتجات التقنية التي تحمل في نهاية المطاف ثقافة معينة هي الثقافة الغربية وتفرضها بشكل خفي على مجتمعاتنا دون أن نكون واعين بكيفية تمرير تلك المنتجات التكنولوجية لثقافة معينة هي نتاج البيئة التي أنتجتها وحاملة لقيمها.
فالتلفاز والفضائيات والانثرنت والجوال والمصانع التي تضم آلاف العمال، كلها تزرع ثقافتها وقيمها المغايرة للثقافة والقيم التي ينافح عنها المثقف الإسلامي، فهذا الأخير يعلن رفضه للثقافة الغربية في حين هو أسيرها، وبالتالي يقع في التناقض الذي يداريه بتلفيقية خطابية لا تصمد كثيرا أمام النقد العقلاني الذي يوجهه ضده غريمه العلماني، كما انه يعبر من خلال فصله بين المنتجات التكنولوجية والقيم الثقافية التي تحملها عن قصور في الرؤية يغشى نظرته للغرب وعلاقته به المتسمة دوما بالتشنج.
المثقف العلماني لا يزال ضحية صدامه مع قيم المجتمع، فهو لا يريد تمثل تلك الموروثات القيمية والثقافية المتجذرة في المجتمع والتي يحمّلها وزر التخلف ومن ضمنها ما يسميه الفهم القاصر للدين ، فالمثقف العلماني يدعو لفصل الدين عن الدولة ومن ثمة عن الحياة الاجتماعية من خلال الاستناد إلى مرجعيات وضعية فيما يخص النظم والقوانين الناظمة لعلاقة الأفراد فيما بينهم من جهة وبينهم وبن الدولة من جهة ثانية، دون أن يجد الوسيلة التي تمكنه من إيصال رؤاه وطرح أفكاره بشكل مقنع اجتماعيا.
فمأساة المثقف العلماني تكمن في كونه غير متجذر اجتماعيا على عكس المثقف الديني الذي يحضى بقبول وبثقة عموم أفراد الأمة الذين يرون فيه معبرا عن جزء من هويتهم الأصيلة التي يشكل الدين رافدا مهما من روافدها؛ فالمثقف العلماني يرى في العلمانية والحداثة وقيم الأنوار الأوروبية خيارا لا رجعة فيه من أجل النهوض من جديد، واللحاق بالركب الحضاري الذي أخطانا نحن العرب موعدنا معه مرات كثيرة، وتبنيه للقيم الغربية كمرجعية يوقعه في صدام مع المجتمع ومع القوى المحافظة داخل هذا المجتمع. وقد نسي هذا المثقف أن الخصوصية الثقافية تفرض تعديلات على قيم تتسم بطابع عالمي ولكن بتمثلات مغايرة تبعا للتغيرات الاجتماعية الخاصة بكل دولة وكل أمة.
العلمانية في جوهرها وفي فهم مستنير لها لا تعارض الإسلام إنما تفتح المجال للقوانين الوضعية لتنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية دون أن تلغي حضور الدين كناظم لهذه العلاقات من جهة أخرى
العلمانيون يركزون على فكرة رئيسية يرفضها الإسلاميون ويرتاب منها المجتمع في عمومه؛ ومضمون هذه الفكرة أن الدين هو علاقة خاصة بين الإنسان والله دون أن يكون له تجلي اجتماعي في الحياة السياسية والمدنية.
الإسلام يقر اجتهاد المؤمنين فيما يخص حياتهم فالرسول الكريم يقول: " أنتم أدرى بشؤون دنياكم "، وهو حديث دو أهمية في مقاربة موضوع العلمانية التي انطلقت في منشأها الغربي من مقولة مشابها للسيد المسيح عليه السلام: " أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وبالتالي فالعلمانية لا تعارض في جوهرها الإسلام حين نقاربها انطلاقا من خصوصياتنا، ولكن المثقف العربي العلماني اخذ العلمانية الغربية كمعطى جاهز لا يقبل التغيير ولا التبديل وكأنها قرآن منزه، وطالب بضرورة تغيير المجتمع حتى يتقبل العلمانية وهذا ضلال كبير وقع فيه هذا المثقف.
إن مشكلة المرجعيات قائمة وعميقة في الفكر العربي الإسلامي، وهي مجال خصب للصراعات الاجتماعية والسياسية بين مختلف التيارات الإيديولوجية المتصارعة داخل الحقل التداولي للأفكار وللمشاريع الحاملة للرغبة في التغيير بنفس القدر الذي تظل فيه المرجعية كسلاح في يد الفئات المحافظة التي تسعى لإبقاء الوضع على ما كان عليه.
نحن لم نستفد من التجربة اليابانية التي حافظت على روحها الشرقية وفي الوقت نفسه استطاعت التواصل الفعال مع التقدم الغربي ومجاراته، فالنهضة اليابانية انطلقت من نفس المقدمات التي انطلقت منها النهضة العربية وفي وقت متقارب، ولكنها استطاعت تجاوز حالات القصور الذاتي من خلال التفاعل الإبداعي والفعال مع الغرب ؛ في الوقت الذي عجزنا نحن عن فعل نفس الشيء.
إذا فالمشكلة تكمن في سؤال النهضة الخطأ وفي الطريق التي لم توصلنا إلى الجنة، جنة التقدم والرقي الحضاري، وفي التلفيقية التي اتسم بها خطاب النهضة والتي جعلت كل المحاولات تدور في حلقة مفرغة تحتدم بداخلها صراعات لا طائل من ورائها.
وهذه إشكالية فكرية على المفكرين إسلاميين وعلمانيين مقاربتها بعمق وجرأة حتى نتمكن من استئناف الفعل النهضوي الذي انهزم في منصف الطريق.

السبت، مايو 30، 2009

أسئلة الثقافة بين التجديد والتقليد

سفيان ميمون
minoune78@yahoo.fr

مشكلة الثقافة في إحدى زواياها تكمن في وقوعها بين شقين : شق الرسالة وهو تحديد دور لها لا يتعدى نقل قيم معينة والمحافظة على أسلوب محدد في الحياة ترسم كثيرا من جوانبه العناصر الثقافية التي اتخذت أشكالا معينة في الماضي كالعادات وأنماط التفكير وطرق الوعي بالقضايا الدينية أو القضايا التي يكون للدين موقف منها، وشق التحرير أي تحرير الذات الثقافية من عبء ماضوي وإعادة بناء الذات انطلاقا مما أنتجه العصر من قيم حديثة كانت لدى كثير من الأمم والشعوب قواعد متينة للبناء والتشييد .
هذا المشهد الذي يرسمه واقع الثقافة وتبرزه الممارسات الثقافية الراهنة يوحي بأن ممارسة الثقافة كرسالة إنما هي مجرد إيديولوجيا يحاول القابعون وراءها تعميم تفاصيلها وترسيخ أجزائها ، بينما ممارستها ضمن قالب " تحريري " هو بعد عن الأيديولوجيا وتحرر من سلطة المقدسات " اللغة والدين والعادات .." وتحكيم للعقل ، لكن أي عقل ؟ إنه العقل العلمي الذي أنتج قيم التنوير وصنع الحداثة بمفهومها العام ، لكأننا أمام سجنين للفكر متشابهين متماثلين : سجن الماضي بقيمه وأنماطه ، وسجن الحاضر بمعطياته ومفرزاته !!
يتحدث المتحدثون عن الرسالة ويصفونها بالنبالة فمتى يصدق عليها هذا الوصف ؟ الواضح أن نبل الرسالة متصل بنبل القيم التي تنقلها هذه الرسالة ، ونبل القيم متصل بدوره بطبيعة المصدر الذي تنقل عنه هذه القيم ، فحينما يكون الدين الإسلامي مصدرا تنقل عنه قيم على سبيل الرسالة من جيل إلى جيل أو من جماعة إنسانية إلى أخرى تكون هذه القيم ذات شأن على مستوى التداول الاجتماعي وتمنح المكانة العلية في المجتمع ، فلا أحد ينكر قيمة القيم التي أتى بها الإسلام إذ نبلها من نبله وشأنها من شأنه ، وهو أمر متفق عليه اجتماعيا لدى العامة من الناس كما لدى النخبة أيضا .
إن القيم التي تنقل على سبيل الرسالة تتخطى الدين كمصدر إلى مصادر أخرى أوسع وأرحب منها التاريخ والممارسات الاجتماعية التي دأب الناس عليها من عادات وتقاليد وقيم القبيلة والوطن والفئة ...، هذا النقل يغذيه اعتقاد سائد أن استمرار الأمة وإعادة بعثها لن يكون بغير الاستناد إلى قيم الأمة ذاتها وأن الخوف كل الخوف في استبدال هذه القيم بقيم أخرى دخيلة يكون حالها كحال من يغرس غرسا في تربة عقيمة ،اعتقاد صائب وخوف مشروع فلم اعتراض طريق هؤلاء القوم إذا ؟! بينما هم يعملون على إحياء الأمة بإحياء قيمها ، أوليسوا جديرين بالمساندة ؟ أما على المجتمع أن يمد لهم يد المساعدة ؟ الأمر ليس بهذه البساطة لدى الحداثيين ، إنهم ينكرون الركون إلى الوراء بينما يتقدم الزمن وتتفتح البشرية على فضاءات للفكر جديدة وتكتسح مجالات في العلم والمعرفة فلا ينفع بعد هذا ركون إلى وراء ، أو نظر إلى الخلف .
رسالة الحداثي تختلف إذا عن رسالة التراثي ، فبينما يرجع التراثي إلى التراث باحثا عن قيم تلائم أصالته ، يحمل الحداثي هم التحرير أو قل رسالة التحرير ، تحرير المجتمع من قيود التخلف ، ولكن وقبل ذلك تحرير المجتمع من قيود التراث الذي ألقى بثقله على المجتمع وأضحى عبئا ثقيلا يصعب زحزحته خاصة وأن له حراسه الذين يدافعون عنه بكل شراسة نازعين عليه كل سمات القداسة .
لم تكن إشكالية التقليد والتجديد مطروحة كما هي عليه اليوم إلا بعد عصر النهضة إثر الاصطدام الحضاري بين الشرق والغرب حيث فرض الغرب تجربته التقنية والقيمية كمثال حضاري راق أسال لعاب كثير من أبناء الشرق الذين راحوا يقلدون تجربته في مجالات الحياة كافة في الوقت الذي يعيبون التقليد على من خالفهم الرؤية من الذين اتجهوا نحو تقليد القدامى .
التقليد إذا هو السمة البارزة التي اتسم بها الشرق بعد الصدمة الحضارية هذه بينما قصدت نخبه الحداثية التجديد ، ولكن لا جديد ، فقد اختصر الإبداع في استنساخ قيم الحداثة ومحاولة تطبيقها في مجتمعاتنا العربية الإسلامية ، كما ظل التقليد سمة المقلدين من التراثيين ، فسيان بين تراثي مقلد وحداثي مقلد .
لقد كان اتجاه الحداثيين نحو التجربة الغربية بعد عصر النهضة لغرض تحرير ذهنية الإنسان العربي المسلم مما علق بها من شوائب فكرية وقيمية من خلال تبني قيم الغرب المتطور ، ولكن هذا الاتجاه انتهى بهم أيضا إلى ذات التقديس الذي كانوا يذمونه لدى التراثيين .
لعمري كيف نتصور الأمر، بل كيف نصوره ؟ هل هو رسالة ذلك الفعل المتجه نحو الماضي لنقل قيمه أم أنه قيد ؟ هل هو تحرير ذلك الفعل المنبهر بمفرزات الحاضر الآخذ بقيمه أم أنه قيد وأسر ؟ .
لم تكن نزعة التقليد لدى الشرق سوى انعكاس واضح لتلك الصدمة الحضارية التي ولدت عقدة حضارية خطيرة أصبحت ( أي هذه العقدة ) المتحكم الرئيس في سلوك الفاعلين الثقافيين والاجتماعيين ، مثلما تخلف الصدمة لدى الفرد عقدا نفسية يعسر على المختص النفسي معالجتها .
لقد ارتبطت العقدة لدى التراثيين بالخوف على عناصر التراث من عناصر ثقافية وافدة تدعمها تجربة ناجحة في مجال التقنية ، كما ارتبطت لدى الحداثيين بالانبهار الشديد بالقيم التي ركبها الغرب وأدت إلى تطوره وازدهاره ونبذ التشبث بالقيم التي ظل يتداولها الشرق دون أن يجني من ذلك شيئا بل وبقي بفعلها على حالة التخلف قرون عديدة .
العقدة في مبناها ومعناها أسر وقيد ، فكما هي أسر للفرد حيث يتصرف بمقتضاها ويصبح على حالة نفسية تستدعي العلاج فإنها كذلك أسر للجماعة حيث يتحدد بفعلها سلوكها الاجتماعي والثقافي ، ولما كانت النخب الثقافية خلايا مكونة للجماعة فإن سلوك هذه النخب – حداثييها وتراثييها – تتدخل في تحديده هذه العقدة الناتجة عن صدمة الالتقاء بين الشرق والغرب.
ربما يعد تحريرا ذا حدود ذلك الاتجاه الذي يسلكه كثير من مثقفينا نحو التوفيق بين قيم التراث وقيم الحداثة إذ يفتحون مجالهم الثقافي لقيم التراث كما يفتحونه أيضا لقيم المعاصرة ، وتزداد قيمة اتجاههم هذا حينما يؤصلون نظرتهم ثم يطعمونا بما جد في مجال العلم والمعرفة ، وبذلك يعملون على التحرر من سلطة التراث المطلقة كما يعملون في الوقت نفسه على التحرر من سلطة الحداثة ، وهم على هذه الحال إنما يؤدون رسالتهم الحضارية من خلال الانتقاء النوعي للقيم بإلغاء المجال الزماني لها بينما يوفرون لها مجالا مكانيا معايير القبول فيه : التنمية والتطور متصلة بالذات والهوية .
تحرر نلمس نسبيته في ندرة الإبداع الثقافي ووقوع هذه الفئة من النخبة ( فئة التوفيقيين ) موقع الممثل لطرفي الصراع ( التراثي والحداثي ) من جهة وآدائها لوظيفة التخفيف من حدة الصراع بإيجاد حل وسط يؤمن بهذا ويقبل ذاك .
لكن ورغم نسبية التحرير الذي يمكن أن تجنيه الثقافة من اتجاه هذه الفئة لأن طرحها فيه شيء من السطحية والبساطة فإن مجرد القبول الذي يلغي الرفض هو اتجاه فعلي نحو التحرر من سلطة الشيء ، والشيء هنا هو قيم ثقافة ما أصيلة كانت أم معاصرة .
في العرف الثقافي نجد الجواب على سؤال: إلام تستند الرسالة ؟ ومم يكون التحرير ؟ ذا بداهة ووضوح، فالرسالة هي الأمانة في نقل القيم والتحرير هدم لتلك القيم، وذلك حينما تكون حال الثقافة حال صراع بين تياري الأصالة والمعاصرة ، ولكن يمكن لنا أن نتمثل تيارا واحدا يجمع بين الرسالة والتحرير على الأقل في تصوره هو ، فالتراثي الذي ينقل قيما دأب عيها أجداده يرى أنها المخلص والمحرر للجماعة من جملة القيود التي أفرزتها سيرورة الحياة الاجتماعية ، وكذلك الحداثي الذي يحاول نقل قيم الغرب على سبيل واجب اجتماعي ورسالة حياتية يرى في هذه القيم السبيل إلى التحرر الاجتماعي والثقافي ، فالرسالة والتحرير يمكن أن يكونا على صف واحد لدى فريق واحد .
لكن اعتقاد الجمع بين الرسالة والتحرير يأسر جماعات النخبة في وهم الحقيقة حيث يعتبر كل فريق أنه ينقل الحقيقة إذ ينقل نوعا من القيم ويعمل على التحرير من ذات المنطلق بمحاولة زحزحة قيم لصالح قيم
" الحقيقة " هذه ، وهنا يبدو لنا أن الرسالة بدءا هي تحرير لقيم معينة بمحاولة تحريكها نحو المكان الذي
" يجب " أن تشغله ، كما أن التحرير في ذاته رسالة يحملها الحالمون بالتغيير، المتطلعون نحو الأفضل
في الثقافة ، الأفضل في الحياة .
يبدو إذا أن ثمة إمكانية للتآلف بين آداء الرسالة الحضارية وممارسة التحرير الحضاري لدى فئة بعينها من النخبة بعدما سلمنا تفكيرنا ووجهنا نظرنا لعلاقة الإلغاء المتبادل بين الرسالة والتحرير لدى نخبنا الفكرية والثقافية : إلغاء الرسالة للتحرير وإلغاء التحرير للرسالة .
إن عمليات الإلغاء والقبول والائتلاف والاختلاف عمليات ثقافية وفكرية لا يمكن إلغاؤها فهي ضرورة اجتماعية وثقافية لها فعلها الإيجابي أو السلبي في توجيه المجتمع والثقافة ، لذلك كان حريا بنا توجيه هذه العمليات بوعي ودراية فنقبل ونرفض ونختلف ونأتلف ونلغي ونتجاوز ونحلل و نركب وفقا لهذا الوعي الذي يضع نصب عينيه المجال الثقافي العام دونما تمييز بين ماض وحاضر أو بين أصالة ومعاصرة ، ولكن يأخد الثمين فيثمنه ويترك الرديء ويزدريه ، وبهذا فقط نستطيع أن نرسم خطا للانطلاق نحو التقدم ، فليس التقدم كنزا نحفر عليه في الماضي ولا هو هبة تمنحنا أياها الحداثة وقيمها ، وليست هذه نظرة توفيقية بالمعنى الذي سبق ، ولكنها نظرة تلغي الإلغاء الثقافي دون أن تقف عند هذا الحد بل تدعو إلى تحريك أدوات الإبداع الثقافي والفكري من نقد وتركيب وتفكيك وبناء وتجاوز .....، وبذلك وحده يكون للرسالة معناها كما يكون للتحرير أيضا معناه .

الاثنين، أبريل 20، 2009

بؤس اليسار العلماني

مشكلتنا نحن العلمانيين العرب أننا دوما ضد إرادة الجماهير وضد الاعتراف بأن لهذه الجماهير وعي قائم بذاته قادر على التمييز وعلى اختيار ما يتساوق ورغباتها وتطلعاتها. نحن دوما نتهم الجماهير العربية بأنها غوغاء وبأنها لا تعي تحديات الراهن، لا لشيء سوى لأن التجارب الديمقراطية القليلة التي عرفتها المجتمعات العربية أفرزت دوما وأبدا انحياز الجماهير لصف الخصم اللدود والتاريخي، وهم الإسلاميين، فحتى تلك التيارات الإسلامية الأكثر تشددا تجد لها أنصارا في صفوف الجماهير التي نسميها غوغاء أكثر مما يجده العلمانيون الذين ظلوا للأسف الشديد متعالين على الهموم الحقيقة للجماهير في الوقت الذي يزعمون أنهم يتكلمون باسمها ويدافعون عن حقوقها ويتمثلون تطلعاتها.
كانت هذه هي أزمة الأحزاب الشيوعية على امتداد العالم العربي وهي نفسها أزمة التيارات الديمقراطية العلمانية في العالم العربي، إنها لا تثق في عقول الجماهير ولا تعبر عن وعيها البسيط أو المركب اتجاه الحياة والسياسة ، والجماهير تكافئها بالمثل وتتجاهلها حين تتاح لها فرصة فعل ذلك عن طريق انتخابات حرة ونزيهة.
العلمانيون هم الدين يزورون الانتخابات للأسف وليس الإسلاميين، كما أن الوعاء الانتخابي للعلمانيين في العالم العربي متراجع بشكل مستمر، فحتى محاولات التجييش وسوق الجماهير كقطيع الغنم نحو تبني الاختيارات القومية والاشتراكية والعلمانية المبطنة التي تبنتها الأنظمة العربية الاشتراكية، لم تنتج قناعة جماهيرية بتوجهات الدولة الاشتراكية ولهذا شهدنا سقوط تلك الجماهيريات الشعبية والاشتراكية تباعا ولم تبقى سوى سوريا ولبيبا تعلنان ولاءهما للاختيارات الاشتراكية. سوريا عن طريق نظام قمعي يفرض اختيارات الدولة بالقوة وليبيا في شكل كاريكاتوري استعاض عن ديكتاتورية الطبقة العاملة بديكتاتورية الزعيم القائد العظيم ملك ملكوك إفريقيا معمر القذافي الذي استعاض عن أفكار كارل ماركس بأفكار بسيطة وسطحية دونها في كتيبه الأخضر.
كان سقوط الاتحاد السوفيتي ضربة موجعة لكل اليساريين رغم انه كان متوقعا نظرا للوجه اللاانساني الذي أبان عنه النظام الستاليني وأتباعه اللاحقين. ومع هذا فتحن نشهد بعيدا عن العالم العربي الذي يظل بحاجة للاشتراكية ولفكرة العدالة الاجتماعية. نشهد إعادة إحياء للماركسية تحت ما يسمى بالنيوماركسيزم في الغرب وفي أمريكا وأروبا تحديدا، وهذا وفاءا لماركس ونقدا له في نفس الوقت.
وأيضا نشهد عودة قوية لروح تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية التي تعود وبقوة لأحضان الخيار الاشتراكي والنضالي ضد التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي الذي تتعرض له فئات واسعة من أفراد الشعب.
ماركس أكد أن الاشتراكية يجب أن تقوم في مجتمع رأسمالي ورسيا القيصرية وكل الدول التي اتبعت النهج الاشتراكي لم تكن كذلك، فقد حدث تحايل على مبادئ ماركس وانجلز وبليخانوف وروزا ليكسومبورغ وغيرهم من المنظرين الكبار للاشتراكية الماركسية، وهذا التحايل على المبادئ المركسية كان أكثر بروزا في العالم العربي حيث اجتهد الماركسيون في إنتاج خطاب تلفيقي يربط بين الإسلام والاشتراكية على المستوى النظري، دون أن يولوا أي أهمية للواقع المادي الذي لم يكن مهيأ بالشكل الكافي لتبني الخيار الاشتراكي نظرا لتركيبة المجتمع الطالع لتوه من بداوة موغلة في الزمن.
لهذا يبدو لي الشيوعيين العرب أناس بائسون يعيشون خارج الزمن التاريخي مسكونون بأوهام لا يلتقون بمقابلها المادي والموضوعي إلا في خيالاتهم وهذا البؤس النظري والعقم حين يتعلق الأمر بإعطاء البديل الممكن التطبيق في المجتمعات العربية المسلمة تبديه بجلاء تلك النقاشات حول اليسار والماركسية والعلمانية، ومن خلال بعض المشاركات في هذه النقاشات البيزنطية والبائسة عبر الكثير من المنتديات والمدونات التي فتحت هذا الموضوع، لاحظت كم هم تافهون أدعياء اليسار وكم هم مسكنون بالأوهام.
للأسف مرة أخرى الإسلاميون أو الذين يتبنون موقفا وسطا وطريقا ثالثا بين اليسار واليمين يقدمون الجديد الجيد والمفيد والذي يلامس هموم المجتمع الحقيقية ويجتهد في إيجاد الحلول لها.
هل يعني هذا أن نعلن وفاة الرفاق الشيوعيين؟!
ونسلم الأمر للإسلاميين الذين يحضون بتأييد شعبي وجماهيري لا ينضب؟! .
يبدو هذا الاختيار ممكنا في ظل الظروف الراهنة وفي ظل المأزق التاريخي لليسار العربي ولكن الانتقال من النظرية إلى الواقع واستبطانه وإقامة بناء نظري يستجيب له ويعبر عنه بدل حصر الواقع جبرا في إطار النظرية التي لا تلتقي به إلا نادرا هو العمل المهم والجليل الذي ينتظر اليسار العربي والعالمي، وهو الوعد الجديد للماركسية، وليس للشيوعية التي تنافي الدين وترميه في مزبلة التاريخ فالدين مكون أساسي، هو مخدر الشعوب كما قال ماركس ولكنه جزء من هوية الشعوب العربية الإسلامية يستحيل القفز عليه كما يستحيل أن نعيش بدون ضوابط أخلاقية تنظم حياتنا وتكون إلزامية حين تفقد القوانين الرادعة فعاليتها، فالأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة تفتح آفاقا أرحب للاشتراكية والاهم من آفاق الاشتراكية المفتوحة على جحيم أزمة الرأسمالية هو العودة القوية لضرورة أخلقة المعاملات الاقتصادية، وهذه الأخلقة (من الأخلاق ) للاقتصاد لا توفرها غير القيم الدينية.

conter