بذيء اللسان والقلم كان، ككل الغاضبين لاغتصاب الحق وغيبة الوعي، كان أحمد فؤاد نجم كما وصفه أنور السادات: الشاعر البذيء. وهو رغم، وبواسطة تلك البذاءة كان أكثر من عبر عن أوجاع الروح المصرية بلغة تمتح من محكي الشوارع وصراخ الحارات العتيقة، ومن دندنة صبية المقاهي في حارة خوش التي جعل منها نجم ورفيق دربه الشيخ إمام محج المثقفين وكعبة الغاضبين الراغبين في التنفيس عن إحباطهم الطبقي الذي عبرت عنه أشعار ذلك الفاجومي النحيف الجسد والقوى ألإرادة ذلك الذي في شعره قوة تسقط الأسوار كما وصفه لويس أراغون.الثلاثاء، ديسمبر 03، 2013
عن أحمد فؤاد نجم الذي لا يموت
بذيء اللسان والقلم كان، ككل الغاضبين لاغتصاب الحق وغيبة الوعي، كان أحمد فؤاد نجم كما وصفه أنور السادات: الشاعر البذيء. وهو رغم، وبواسطة تلك البذاءة كان أكثر من عبر عن أوجاع الروح المصرية بلغة تمتح من محكي الشوارع وصراخ الحارات العتيقة، ومن دندنة صبية المقاهي في حارة خوش التي جعل منها نجم ورفيق دربه الشيخ إمام محج المثقفين وكعبة الغاضبين الراغبين في التنفيس عن إحباطهم الطبقي الذي عبرت عنه أشعار ذلك الفاجومي النحيف الجسد والقوى ألإرادة ذلك الذي في شعره قوة تسقط الأسوار كما وصفه لويس أراغون.الأحد، أغسطس 11، 2013
السندريللا: سعاد حسني
منذ أن غنت في برنامج إذاعي: أنا سوسو أخت القمر، وهي تعلو وتعلو وتحلو وتشع قمرا في العيون ونورا في القلوب، معشوقة عبد الحليم والخميسي وصلاح جاهين وغيرهم عشرات ممن احترقوا بروح السندريللا النطاطة كفراشة لا تستقر على موطأ قدم ولا ترتاح لحضن، هي التي كبرت أمام الكمرا. مثلت غنت ورقصت، أبهرت وألهمت عبر ثمانين فيلما خلال اثنين وثلاثين سنة هو عمرها الفني بين أول فيلم ( حسن ونعيمة 1959 ) وآخر فيلم ( الراعي والنساء 1991) الذي شاركها فيه البطولة أحمد زكي الذي كان أحد عشاقها النادرين والذي هدد بالإنتحار ذات مرة لأن علي بدرخان مخرج فيلم الكرنك لم يختره لمشاركة السندريللا بطولة الفيلم سنة 1976. تزوجت سعاد حسني خمس مرات وطلقت دون إنجاب، ودون استقرار لفترة طويلة مع أي من أزواجها الخمسة، المنتمون جميعهم للحقل السينمائي، وزوجتها الشائعات مئات المرات، فقد كانت كما قالت مرارا: "تعيسة الحظ مع الرجال" تماما كتعاسة طفولتها التي كادت تخلو من البهجة والمسرات، فهي لم تكمل تعليمها الذي يمكنها من ولوج عالم النجاح الذي طمحت إليه، لكنها، ومنذ البداية، آمنت بنفسها وبالنور الذي في قلبها: يخبرها بأنها ستكون امرأة ذات شأن. وكان شانها المنتظر في السينما أمام الكمرا التي ستتوجها نجمة مصر والعرب الأولى، هي التي لم تخلق سوى لتكون ممثلة تزرع البهجة والأمل على الشاشة: جمال هاديء لوجه صاف البشرة متسق الملامح في بشاشة عفوية ترفع الكلفة مباشرة بينك وبين صاحبه، وجه شفاف عامر بالانفعالات إن صمتت وبالصدق في نبرات الصوت حين تتكلم. بهذه المواصفات مثلت وغنت ورقصت، هي التي لم تكن مطربة ولا راقصة ولكن عمق إحساسها بالمعنى الذي يجسده موقف ما في الفيلم، كما في الواقع جعلها تكون دائما مقنعة وهي تغني: " بانو على أصلكم" أو " بمبى بمبى " او "يا واد يا تقيل"، بنفس درجة الإقناع الذي أظهرته وهي تنزع ثوب الطالبة وترتدي ثوب الراقصة دفاعا عن كرامة أمها الرقاصة في "خلي بالك من زوزو".الأحد، مايو 19، 2013
عن رحيل يمينة مشاكرة
مثل كثير من المثقفين النزهاء الذي لم يستغلوا
فكرهم وكلماتهم مطية نحو النجومية والأضواء، ونحو تحقيق المنافع، رحلت يمينة
مشاكرة في صمت يشبه صمت مغارتها، هي الوافدة على الأدب من مجال الطب النفسي الأمر
الذي يبرر قدرتها العميقة على تصوير ما يختلج في نفس أبطال مغارتها المتفجرة بكل
ذلك الاقتدار، ولعل انشغالها المهني قد شغلها عن الأدب الروائي الذي كانت إضافتها
فيه عبر رواية المغارة المتفجرة إضافة نوعية للرواية الجزائرية المكتوبة
بالفرنسية، وهي وإن لم تكتب سوى روايتين عبر ثلاثين سنة ( المغارة المتفجرة 1979،
أريس 2000 )، إلا أن اسمها سيذكر بكل تأكيد، كلما تم الحديث عن الرواية الجزائرية
المكتوبة بالفرنسية بعد الإستقلال، كما سيذكر أنصار الفيمينيزم والمدافعين عن
قضايا المرأة روايتها الأولى كواحدة من النصوص الأدبية الفذة التي صورت نضال
المرأة الجزائرية وتضحياتها خلال الثورة التحريرية.الخميس، مارس 21، 2013
مالكوم إكس التحرري
لم يكن نضال مالكوم أكس ضد الاستعباد الأبيض للسود للأمريكيين فقط، إنما، وكواحد من الباحثين عن الخلاص الذي وجده في الإسلام، كان نضاله من أجل حرية إنسانية تمتح من تسامح الاديان وممكنات السياسة، لتؤسس ذاتها القدسية، فقد أعلى من شأن الحرية كمطلب للسود، في بداية نضاله عقب خروجه من السجن، وقد أسلم وانظم لحركة أمة الإسلام التي وجدت في العنصرية البيضاء اتجاه السود الأمريكيين مجالا للدعوة، وقد وجد مالكوم إكس في عمق الاضطهاد الذي عاناه في صغره وشبابه البائسين سببا إضافيا للنضال المطالباتي بالحرية والمساواة لكل الامريكيين، رغم انزلاقه لدعوات عنصرية مضادة اتجاه البيض، وانتهاجه لخطاب فرقوي بين السود والبيض الأمريكيين. وقد كان انخراطه التنظيمي في حركة امة الإسلام والمتطلبات التنظيمية للحركة، ومواقفها التكتيكية تدفعه نحو المزيد من الجذرية، غير أنه وفي سنواته الأخيرة صار أكثر ميلا نحو مفهوم أكثر تسامحا للحرية التي لا تعني المطالبة بها ضرورة الصدام مع الآخر الذي نصوره مختلفا، وهذه المواقف الإنسانية هي التي جعلته يتصادم من حركة أمة الإسلام التي انفصل عنها وتبرأ من مبادئها سنة واحدة قبل إغتياله من طرف ثلاثة من أعضاء الحركة الذين انهوا الخلاف بين مالكوم اكس وأمة الإسلام بشكل درامي ودموي.
تشافيز البوليفاري
البوليفاري المسكون بروح الثورة، بعد أن وضع أمريكا الاتينية كلها على درب اليسارية التي لن تضل بعدها أبدا. رحل، ككل صناع التاريخ، في عمر العطاء، وفي عز المجد، مجللا ببهاء الحضور وقوة التأثير، هو الطالع من أحراش الحياة الفينزويلية التي قادته إلى الأكاديمية العسكرية بكراكاس، هناك حيث تفتق وعيه السياسي والنضالي وحسه الثوري غير المهادن، والذي ترجمه عمليا بتأسيس " الحركة الثورية البوليفارية "، التي ضمنها، وبواسطتها تسلق إلى قمة المجد السياسي في بلاده التي كانت تئن تحت ضغط التخلف الاجتماعي والتبعية السياسية والاقتصادية.
السبت، سبتمبر 18، 2010
وداعا محمد أركون
رحل محمد أركون، رحل الرجل الذي نذر حياته لفك السياج الدوغماتي المغلق الذي ينسجن بداخله العقل الإسلامي منذ قرون طويلة، رحل دون أن ينفك ذلك السياج العقائدي المسكون بآلاف التأويلات المتضاربة للنص الديني المقدس (قرآن، حديث نبوي)، ولا فضل للرجل الذي أثرى المكتبة العربية بعديد الكتب القيمة سوى انه ساهم من موقعه كأستاذ للفكر الإسلامي وكباحث يوظف أحدث ما توصلت إليه مناهج العلوم الإنسانية في دراسة الفكر الإسلامي عبر سيرورته التاريخية، لا فضل له سوى أنه ساهم في خلخلة اليقينيات التي اطمئن لها العقل الإسلامي دون أن يساءل نفسه عن صحتها أو يسائلها ليكشف ما تمور به دواخلها التي تكونت عبر مئات السنين. ويكفيه فضلا وهو يرتحل نحو الذاكرة الجمعية للمثقفين العرب أنه ساهم في إحداث هذه الخلخلة.
محمد أركون المفكر الجزائري، وأستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السوربون، يعتبر مشروعه الفكري الموسوم بالإسلاميات التطبيقية محاولة متفردة لدراسة التاريخ الإسلامي بما يحمله من تراث ومرجعيات دينية واجتماعية، واحدا من أهم المشاريع الفكرية التي قيض لمثقف عربي القيام بها في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولكن مالذي قدمه أركون كمثقف عربي مهاجر وحاصل على الجنسية الفرنسية للفكر العربي، وللمجتمعات العربية بصفة عامة، يمكن الاستشهاد هنا على أهمية مشروع أركون الفكري وضرورته الراهنة والمستقبلية بما قاله مترجم كتبه للعربية المفكر السوري هاشم صالح:
" كثيرا ما طرح علي هذا السؤال: لماذا كل هذا الإلحاح على أركون؟. ألا تعتقد بأنك تبالغ في أهميته؟، وما هو الشيء الذي قدمه للفكر العربي الإسلامي؟.
واعترف بأن التساؤل كان يحيرني ويدهشني في كل مرة، فقد كنت اعتقد بأن الترجمات التي قدمتها حتى الآن ( حوالي العشرة كتب وآلاف الصفحات..) كافية للبرهنة على أهمية هذا المشروع وضرورته بالنسبة للعرب والمسلمين ككل، وأ نا واثق أن هذه الأهمية، سوف تتجلى للناس أكثر فأكثر بمرور الأيام، وإلا فاني أكون قد أضعت خمسة وعشرين عاما من عمري عبثا "([1])، فمحمد أركون الذي صبغ من خلال كتاباته العديدة، ومن خلال مجلته الأكاديمية "ارابيكا"، صبغ بصبغته الخاصة الدراسات الإسلامية في أوروبا، وفي العالم العربي أ يضا، هذه الدراسات التي بدأت تجد لها أنصارا ومريدين يحتذون حذو أركون، ويوظفون منهجه التركيبي لما يمتلكه المنهج الاركوني من قدرة على الولوج لجوهر الإشكاليات المطروحة على الفكر الإسلامي المعاصر، وأيضا لقدرة المشروع الفكري الاركوني على تفكيك تلك الأحكام المسبقة التي تسيّج العقل الإسلامي داخل نظام دوغماتي مغلق يصعب الفكاك منه، لأجل الانطلاق بعيدا عن تأثير التراث الكابح لعملية التحديث والنهضة والعلمنة التي يدعوا لها أركون من خلال مشروعه الفكري، وفي نفس الوقت إبراز النقاط المضيئة في التراث الإسلامي، الذي يشتغل عليه أركون ليس كموضوع تاريخي محض ، إنما كعامل لا يزال حيا ومؤثرا في حياتنا الفكرية والسياسية الراهنة.
[1] - هاشم صالح، محمد أركون ومشروعه، جريدة الشرق الأوسط، العدد 8949، الجمعة 29 ربيع الأول 1424 هـ 30 مايو 2003.
الثلاثاء، سبتمبر 01، 2009
مظفر النواب
هو مظفر النواب الذي حمحم بشجن المحرمات على امتداد رحلة الحنين إلى" جسر المباهج القديمة "، في شعره إدانة لجميع الذين انبطحوا وغيروا جلودهم فقصيدته " القدس عروس عروبتكم " مثلت في تاريخ الشعر العربي المعاصر قمة الغضب الذي يمكن أن يصله شاعر ويعبر عنه بكل البذاءات التي لا يحتملها السمع.كان شيوعيا في زمن كانت الشيوعية موضة وهو المنحدر من أسرة ارستقراطية ، وحين انقلب الرفاق القدامى على مبادئهم ظل وفيا لذاته وللشعر وللغضب الذي يجعل الكلمات شهبا لرجم الذين باعوا الأحلام والوطن، كان متسكعا، صعلوكا وظل كما هو، رفيق المنافي والزنزانات الباردة، وصوت المتعبين، وهو الآن في طي الغياب، طي الترحال.ربما مات، ربما تحول لبائع لعب أطفال في شوارع دمشق القديمة، ليقول شعرا آخر للصغار الذين آمن بهم، وبأنهم وحدهم القادرين على محو عار " الندامى " ، هو الذي لم يكتب عبر مسيرته الشعرية الطويلة والمتذبذبة غير كلمات أرادها "رسائل حربية عاشقة"، فالحب والحرب كانا قضية حياته الجوهرية، أو قضيه شعره، مع أنه لا فرق بين شعر مظفر النواب وحياته.
