‏إظهار الرسائل ذات التسميات أساطير جزائري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أساطير جزائري. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، يونيو 26، 2017

مصطلحات جزائرية: البراني



 البراني في مخيالنا الجمعي هو دائما مجال للتطير والارتياب، إنه ذلك الذي لا يؤتمن جانبه لأنه مجهول وغريب، إنه الوافد الذي نضطر لمعايشته لكن نهمشه في الوقت نفسه، ونحصره في الزوايا الضيقة، إلى أن يثبت فعلا أنه "ولد عايلة"، لهذا يشعر البراني في المدينة والحي الذي يقطنه أو يعمل فيه، وفي المناطق التي تسود فيه الذهبية القبلية أنه مرفوض وأنه عاجز عن بناء علاقات سوية مع أهل المدينة الذين يتعاملون معه بتحفظ دائما ويحصرون معاملاتهم معه في الضروريات التي تفرضها المصلحة، إنهم يتجنبون المعاملات المالية والعلاقات الاجتماعية العميقة، خاصة بالنسبة لذلك البراني المفرد الذي يأتي تاركا اهله وعائلته في بلاد بعيدة، وهذا ما يعمق مجهولته وبالتالي يرفع حدة التطير منه، لهذا غالبا ما يجد البراني نفسه محروما من بناء علاقات صداقة متينة مع اهل المدينة نتيجة قوة الإحساس بالرفض، هذا ما يجعل البرانية داخل أية مدينة، يتجهون إلى التكتل فيما بينهم، إنهم يتعاملون مع بعضهم، يتصاحبون، ويتعاونون على المدينة وأهلها، التي تظل علاقتهم بها متشنجة؛ فبمقدار ما تمثل لهم فرصة تحقيق الذات، تشكل عبئا نفسيا كبيرا عليهم لأنهم يظلون على هامشها، خاصة وهم يواجهون بكم هائل من العبارات العنصرية التي يواجههم بها أهل المدينة كلما كان الموقف متوترا ومتشنجا: " كابتك ولايتك، البوبلاد، الزوفري، باع البحاير وجاء للدزاير" وهي الصفات التي تجعل البراني دائما على أهبة الرحيل لأن الشعور النفسي بالرفض الذي يجابه به يظل مؤثرا على نفسيته. إن رفض البراني مهما كان اصله وعرقه، متمكن في النفسية الجزائرية، وهو رفض يشمل القريب ويمتد ويتسع للأبعد فالأبعد. ويزداد حدة كلما نمى شعور ما بالتهديد والخطر الذي قد يجلبه هؤلاء البرانية.

الخميس، سبتمبر 01، 2016

أساطير جزائرية: الزوالي




الزوالي شعار شعبوي،وهو إدعاء انتماء للذين قامت عليهم وبهم ومن أجلهم الثورة، ثورة الكادحين والفلاحين الذين مجدهم الخطاب الرسمي منذ الاستقلال باعتبارهم يشكون الجماهير التي قامت الثورة على أكتافها وقامت الدولة لخدمتها لاحقا، لهذا كان الانتساب للزوالية مفخرة من لدن الطامعين في المناصب والارتقاء السياسي أولئك القادرين على بيع الأوهام للشعب في المناسبات السياسية، فكل سياسي يزعم انه ابن زوالي، وكل من ارتقى يذكر أنه ابن زوالي كمفخرة، فالزوالي دائما فحل وما يرضاش الذل كما تقول الأغنية الشهيرة التي يدندن بها الزوالية الحقيقيين الذين يسهل على الطامحين والطامحين وأهل المصلحة أن يبيعوهم الوهم في كلمات تدغدغ رجولة مجروحة تحت وطأة الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يستنزف الكرامة يوميا.
الزوالي هو المقتنع بأن من حقه، ولو تحايلا، أن ينتفع من الخدمات الاجتماعية للدولة ( السكن، التعليم، العلاج، منحة التمدرس، قفة رمضان، منح الشيخوخة، والمعاقين والأمراض المزمنة ....الخ) وكل ما تمنحه الدولة لمواطنيها كنوع من التوزيع غير العادل للريع البترولي في مقابل ضمان ولائهم السياسي للنظام القائم، مؤمنا بأن كل ذلك هو جزء من "حقه في البترول". لهذا يكون الانتساب للزوالية وسيلة، تكاد تكون وحيدة بالنسبة للكثيرين، من أجل الحصول على ذلك "الحق" الذي يحتكر القريبون من مراكز السلطة والنفوذ الحق في أن يغرفوا منه وينتفعوا أكثر من غيرهم أضعافا مضاعفة ( قروض، رشاوي وعمولات، اختلاسات، ورواتب مضخمة ومدعمة بالمنح والعلاوات ...).
الزوالي أيضا هو ذلك الذي يرى في الوظيفة العمومية ( على هشاشة راتبها) مجرد شهرية وفي الشهرية حقه في الدولة، أو الريع الذي تحتكر حق توزيعه الدولة، لهذا يتحول الزوالي إلى مفهوم سوسيولوجي متجاوزا كونه مجرد توصيف لوضع اقتصادي سمته الهشاشة والبؤس تنتمي إليه فئات واسعة من أفراد المجتمع، إنه مفهوم مركزي في خطاب سياسي ظل لعقود متمركزا على الفلاحين والكادحين ( الزوالية)، أيضا مفهوم في سياق العلاقات الاجتماعية بين مختلف الفئات والطبقات التي تربطه بالقيم الريفية الأصيلية: الشرف، النيف، الرجلة ... كتعويض رمزي عن المهانة الواقعية التي يعانيها الزوالية، وهو تعويض قوي التأثير على العلاقة بين الطبقات، فالمجتمع الجزائري واحد من المجتمعات القليلة التي يستطبن فيها المواطن العادي، ذلك المطحون طبقيا في الكثير من المجتمعات، إحساسا قويا بالمساواة، لهذا نجد الأغنياء وأهل السلطة والمستربلون بالجاه والوجاهة أكثر تأكيدا على الروابط القرابية والجهوية "دون ترفّع" واضح على الفقراء وأهل منطقة الانتماء، هذا الوضع يعطي تفسيرا لعمليات الواسطة الكثيرة والمتعددة التي يقوم بها المتنفذون ومالكوا السلطة أو وسطاؤها لصالح أقربائهم ومعارفهم وأبناء منطقتهم، مهما كان مستواهم الاقتصادي، والأهم مهما كانت القرابة الدموية هشة، لأن الواسطة تقدم لابن الدشرة، ابن المنطقة، بغض النظر عن هويته.

الجمعة، أبريل 17، 2015

أساطير جزائرية: اللي قرا قرا بكري


مالذي يجعل التعليم منبودا بهذا الشكل من لدن فئات واسعة من الجزائريين، حتى "عامة المتعلمين" أنفسهم لا يثقون أنهم يمتميزون، نتيجة ما يكتسبونه من معارف، عن غيرهم من الذين لم تتح لهم فرصة تحصيل تعليم مقبول، فالجزائري يؤمن بأن اللي قرا قرا بكري، دون أن تكون فكرة تجاوز العلم كخبرة مكتبسة وذات مردودية مجتمعية واضحة في وعيه، فهو عاجز عن تحديد مرجعية زمنية لهذا " البكري"، إنه لا يفكر في الأمر أصلا ولا يتعب نفسه في طرح التساؤل الجوهري حول الفرق الأساسي بين الآن وبكري، ولماذا قراية ( تعليم) الآن مرفوض اتكاءا على قراية زمان ؟. فتعليم زمان هو المرجعية وهو الأصل وهو المبتغى أو ما يجب أن يتسم به المتعلم ويحصله من معارف، ومن ثم ما يستطيع تأديته من وظائف اتكاءا على ما حصله من تعليم، دون أن يكون للفرد المتلفظ بهذا المثل دراية عن طرائق التعليم زمان وعن طبيعة المعارف المقدمة للمتعلم، ولا عن الدور الذي يشغله لمتعلم في المجتمع، إلا ما كان من تصورات بسيطة ومسطحة عن مكانة " الطالب " في المجتمع، والتي هي مكانة تبجيل وتقدير مجتمعي نتيجة ما يمتلكه هذا " الطالب " أو المتعلم من معارف دينية "بسيطة" تساعده على تبؤ صدارة بعض التجمعات، كالصلاة بالناس أو الخطبة وتفسير بعض الأحاديث وأحكام الدين الحنيف، وهي وظيفة جد خطيرة ولكنها بسيطة بساطة المجتمع التقليدي الذي لم يكن بحاجة لما نسميه الآن " القراية " أي نظام تعليمي يلبي احتياجات المجتمع لليد العاملة المؤهلة للقيام بوظائف متشعبة ومتنوعة وتتجاوز في معظمها العمل اليدوي الذي كان هو السائد في المجتمعات التقليدية التي كان " الطالب " يعد من نخبتها وممثلا للمعرفة فيها؛ المعرفة التي يشكل العلم الديني عمدتها. فمفهوم العلم قديما، وخاصة في المجتمعات المسلمة التي لم تعرف ازدهارا حضاريا كالمجتمع الجزائري، كان يعني حصرا العلم الديني وما يتفرع عنه من معارف تكون مساعدة له حتى وإن بدت في الظاهر مستقلة عنه كالرياضيات التي كان تدريسها يتم لغاية ديمية جوهرية وهي تلبية حاجيات "الفريضة " أو تقسيم المواريث، فالمفهوم المعاصر للعلم في العربية لم يكتسب وجوده إلا منذ فترة ليست بالطويلة، مما يجعل العودة إلى المعنى الأصلي والقديم لكلمة علم، عودة للأصل، وهي عودة تنفي ضمنيا، الدور الحديث للعلم المعاصر الذي يعانق المجتمع والناس وآفاق الكون، ملقية به في أحضان الدين الذي يتحول في حالتنا الجزائرية الراهنة، التي تحاول إرجاع العلم الحديث إلى الأصل الديني القديم من خلال المثل: " اللي قرا قرا بكري "، إلى مصدر شرعية ذات طبيعة متعالية ومرجعية لا يمكن لأي علم ينفي الانتساب إليها بشكل قاطع وأخذ بركتها، أن يحضى بقبول جمعي من لدن أفراد المجتمع، لهذا يكثر عندنا كعرب القرن العشرين والواحد والعشرين مفهوم التأصيل كلما تناولنا علما من " علوم الغرب" التي استطاعت النفاذ إلى منظومتنا التعليمية والجامعية، والتأصيل عملية علمية تؤديها النخب الأكاديمية كرد فعل على الإنكار الاجتماعي الذي تجابه به "العلوم الوافدة"، وكتأكيد على الأصالة والعودة نحو أصل نعتقد أنه موجود في الماضي فإن لم نجده اختلقناه ارضاءا للنزوع الماضوي لشعب لا يزال يصر بأن اللي قرا قرا بكري.
ذلك الأصرار على ماضوية غير محددة الصفات ولا واضحة في وعي من يصر على العودة إليها، تنفي عن المتعلم أية مشروعية ومن ثمة تجعل دوره الاجتماعي منفصل بشكل تام عن الدور الذي لعبه المتعلم منذ قرن فقط، وهذا الانفصال هو منبت التشكيك في جدوى ما يتعلمه هذا الفرد وما بتكسبه من معارف، مادام الوعي الشعبي مشدود نحو النموذج والمثال القابع في الماضي مجللا بالأبهة والوقار والتبجيل الذي يجعل أنموذجيته حقيقة لا يطالها التشكيك في وعي عامة الناس الذي يحتقب معاني خاصة محمية بهالة من التبجيل ومحاطة بتصورات عن نجاعتها الاجتماعية تجعلها طابو لا يمس. تلك النجاعة التي كانت مؤكدة وحقيقية في فترات سابقة لكنها فقدت إمكانية الوجود في حاضرنا دون أن تفقد انموذجيتها في المخيال الجمعي الذي يتكيء عليها لإدانة مخرجات الحاضر المتهم كمنظومة بالمروق والهرطقة مقارنة بالماضي الأليف والحميمي والفردوسي الذي يعيد المخيال الجمعي إنتاجه بشكل مستمر مصبغا عليه كلما تباعد الزمن صفات لم تكن فيه. 
في الوعي الشعبي الجزائري ارتبط العلم وما يتفرع عنه من عمليات اجتماعية: تعلم، تعليم، خطابة، فتوى، طبابة ... بغايتين: وجاهة دنيوية وحسن عاقبة في الآخرة، وهذا التصور المغرق في تقليديته يمزج العلم بالدين ويجعل من الأول خادما للثاني، فالمتعلم إلى وقت قريب كان هو " الطالب " بالمعنى الدارج للكلمة والتي تعني بشكل يكاد يكون حصريا طالب العلم الشرعي أو حافظ القرآن، وهذا المعنى الذي اتخذته الكلمة يرجع إلى طبيعة نظام التعليم في الجزائر، الذي كان، ولقرون طويلة، يضم العلم الشرعي وما يتفرع عنه على رأس المعارف التي يتم تلقيها وتداولها بين طلاب العلم. وهذا النظام التعليمي الذي استمر لقرون طويلة قبل أن تهدمه تدريجيا المدرسة الفرنسية، وتقضي عليه بشكل كامل المدرسة الجزائرية عقب الاستقلال باستثناء ما ظل يسمى بالتعليم الأصلي والذي حافظ على غايته الدينية من خلال بقائه تابعا لوزارة الشؤون الدينية بدل وزارتي التربية الوطنية والتعليم العالي من جهة، ومن جهة ثانية حافظ على مخرجاته التي لم تتعارض من التصور الشعبي عن "الطالب" الذي يتعلم الأمور الدينية من أجل تثقيف المجتمع دينيا، وهو الدور الذي يقوم به الأئمة والمرشديين الدينين من خريجي معاهد التعليم الأصلي، في الوقت لذي سارت فيه المدرسة في اتجاه " علماني " قطع بشكل حاد مع نظم التعليم القديم الذي توطد مؤسساتيا ومخياليا خلال الفترة التركية من تاريخ الجزائر واستمر كنوع من المقاومة خلال الفترة الاستعمارية، وطبيعته المقاومة والتي رسختها جمعية العلماء المسلمين، هي التي وطدت مكانته التي تمس في المخيال الجمعي، ومن ثم تحوله، أي التعليم القديم تاع بكري، إلى مرجعية ونموذج شديد التعارض مع طبيعة التعليم الحالي ذو الطبيعة العلمانية غير المعلنة، وذو الأهداف المتجاوزة بشكل كبير لأهداف التعليم القديم، وهذا ما يجعل مقولة: اللي قرا قرا بكري تكتسب مشروعيتها في الوعي الشعبي الجزائري كأسطورة تؤثث سلوك الجزائري في الحياة اليومية.

الثلاثاء، أكتوبر 28، 2014

الذهنية المحافظة وخلق أسطورة بنت الفاميليا


تتسم المجتمعات المسلمة عموما بذهنية محافظة، ذات بنية ثقافية أبوية تمجد قيم العائلة وما يتصل بها من قيم فرعية تكون علاقة الرجل والمرأة مجالا لبروزها واشتغالها بشكل يخدم التصور الأبوي لطبيعة تلك العلاقة التي تموضع المرأة في وضع حرج يحملها مسؤولية حمل شرف العائلة، بشكل يجعل حريتها مرهونة بتلك المسؤولية التي لا تتدخل المرأة في تحديد تبعاتها، إنما يفعل المجتمع الذكوري ذلك.
غير أن التحديث المتسارع الذي مس البنى التقلدية في المجتمعات المسلمة خلال القرن الأخير قد ساهم في تهشيم الكثير من القواعد الناظمة لعلاقة الرجال بالنساء، حيث إقتحام النساء المتزايد لمجال التعليم والعمل وحصول الكثير من النساء على استقلال اقتصادي مكنهن من تخفيف الضغط العائلي عليهن، قد خلق أزمة قيم، وهي أزمة تصور لا يلتقي بسلوكه في الواقع، حيث لا يزال الوعي الذكوري يستبطن تصورات ماضوية عن المرأة؛ تصورات تصادر حريتها في التصرف في جسدها، وتنمطها في صور نموذجية: الأم، الأخت، الزوجة ... أي تصورات تجعلها كائنا ملحقا بالذكر بالضرورة وتابعا له بشكل كامل. وهذا التصور لا يصمد أمام تغيرات الواقع التي تخبر عن تحرر متزايد للمرأة وعن افتكاكها لمساحات تصرف لم تكن متاحة أمامها في الماضي القريب. هذا الاستقلال الأنثوي انعكس على شعور المرأة بحرية اتجاه ذاتها وجسدها الذي صارت ترى أن من حقها التصرف فيه وفق ما تحب وترغب لا وفق ما يقره المجتمع من طرق ووسائل التشارك الجسدي بين الرجال والنساء، إنما وفق ما يتيحه لها واقعها الجديد من حرية.
هذا واقع زعزع الكثير من المفاهيم القديمة المتصلة بالمرأة كمفهوم بنت الفاميلية الذي تسعى الذهنية المحافظة لململته وأسطرته على المستوى الخطابي واللفظي على الأقل، بعد أن انفلت من التأطير واقعيا بامتلاك النساء تدريجيتا لجرأة اقامة علاقات عميقة ومتعددة خارج مؤسسة الزواج مستغلين ما يوفره الطب من أمكانية استعادة العذرية، بشكل وضع التصور الرجالي عن بنت الفاميلية في مأزق بين مثال مرتجى وواقع لا يجود بذلك المثال إلا نادرا، فالرجل مأزوم الرجولة يبحث عن بنت الفاميلية بحسب ما يتصورها إثباتا لرجولته المأزومة والمهزوزة، وهو إن لم يجد هذه البنت فاميليا اختلقها أو اقنع نفسه بأن من اختارها هي كذلك، رغم أننا كرجال نعلم أننا نغض الطرف إكراما لأمانينا وإرضاء لغرورنا، مع أننا، في الحالات السوية غير مطالبين بغض الطرف عما نعتبره خروج عن النموذج والمثال المرتجى من طرف الذات لا من طرف المجتمع، فالاصل ان نتقبل الحرية الشخصية لنا ولشريكاتنا سواء كن حبيبات أو صديقات أو زوجات.
فالرجل يريد ويتمنى امرأة يكون هو رجلها الأولى ويدرك بينه وبين نفسه أن ذلك مستحيل في الوقت الحاضر، لكن المراة ( الأم، الأخت، الحبيبة، الزوجة ...) تدفعه للتمسك بذلك الوهم، لأنها تهينه وتنظر إليه بارتياب اذا ما هو صارحها بأنه غير مهتم بالماضي الجنسي لمن تكون شريكة حياته باعتباره ماضيها لوحدها، والحياة المشتركة تبدأ من لحظة بداية علاقتهما، فهي تدفعه ليتوجها بنت فاميليا بداية من الكذبة الاسطورية التي ترد بها كل النساء حين يسألن السؤال التاريخي: هل عرفت رجلا من قبل، فترد بلا وفي الغالب نعم ولكن معرفة سطحية او هاتف او اعجاب لا غير، أي انها تبدأ علاقتها بكذبة يعلم هو انها لكاذبة وتعلم هي أنه غير مصدق لما تقول لكنهما يدخلان في حالة توطؤ غير معلن على الكذب اكراما للنموذج المرتجى وهو بنت الفاميليا، فهي تريد ان تكون كذلك حتى وان لم تكن فعلا تتصف بالصفات المطلوبة في بنت الفاميليا. فالمرأة مهما بلغ تمردها أو تحررها الاجتماعي الذي يرفقه بالضرورة تحرر من نمط العلاقات المحافظة والتقليدية وبالتالي شعور بحرية امتلاك الجسد وحرية التصرف فيه ومشاركته مع من ترغب وتحب، لا تزال تريد ان تكون " بنت فاميلية " لأن هذه الصفة هي رأس مال رمزي توظفه في صراعها ضد الاخرين: عائلته، خليلاته المحتملات، وحتى عائلتها بشكل من الاشكال، أي انها صفة ونتيجة هيمنة الذهنيات المحافظة على المجتمع ككل، تموضها في وضع أكثر اريحية وثبات في بيت الزوجية، والرجل، الذي كلما تقدم في العمر كلما ازداد ميلا نحو تبني القيم المحافظة خاصة ما يتعلق منها بقيم العائلة التي على رأسها الشرف والإلتزام يهمه أن تتصف زوجته بهذه الصفة كرأس مال رمزي أيضا لأن زوجته هي شرفه، وسمعتها هي تاج فوق رأسه أو أشواك يسير عليها، فيجتهد في خلق الصورة النمطية لزوجته المستقبلية منذ اللحظة التي يقرر أنها ستكون زوجته، فيعاملها باحترام ويتحدث عنها بحشمة ووقار، رغم أنه قد كان يتحدث عنها وهي حبيبته او صديقته بعبارات ماجنة وبفخر بما فعل معها، لكنه حين يقررأنها ستكون له زوجة يغير ملفوظاته عنها، مجتهدا قدر استطاعته في تسويق صورة بنت الفاميليا عنها، وهذه الصورة الموثثة تفاصيلها بعناية تكاد تضاهي في دقتها وتفاصيلها واستراتجياتها طريقة صناعة النجوم والشخصيات السياسية المرشحة للعب أدوار مهمة وشغل مناصب رفيعة، وتسويق تلك الصورة يبدأ في محيطه العائلي أولا ومحيط المعارف والجيران، أي في المحيط الجغرافي الذي يشمل كل من يمكن ان تشكل ألسنة السوء لديهم تعكيرا لصوف حياته وخدشا لكرامته في حالة ما اذا كانت زوجته غير متصفة بصفات بنت الفاميليا.
إن بنت الفاميليا هي أسطورة مطلوبة من الرجل والمرأة وهي أسطورة يخلقها الرجل أكثر مما تخلقها المرأة نفسها.

الأربعاء، يوليو 17، 2013

أساطير جزائرية: الرجلة

ليست الرجلة ذكورة ولا شهامة خلق يتجلى في حمية دم وأنفة: هي النيف عندنا؛ وهي نصرة الأهل والعشيرة ولو على ظلم يقترفونه، إنها ليست فحولة الذكر التي تحيل على قدرات بيولوجية بالأساس ولا هي القوة ولا الشجاعة، ليس المتصف بالرجلة عندنا شبيه قبضايات حواري الشام العتيقة ولا هو فتوة الحارة  لدى المصريين، فالرجلة عندنا ليست حكرا على فئة من الرجال الأشداء الذين ينذرون قوتهم للدفاع عن المستضعفين أو للتسلط عليهم، كما أنها ليست صفة لصيقة بالرجال رغم أنها تنحت اسمها من الرجل وتستعير صفاتها الغالبة من صفات رجالية نبيلة، لكن عندنا فقط قد تتسم المرأة بالرجلة والمرأة الشجاعة الثابتة على الحق عندنا هي الفحلة وهي عند إخواننا المشارقة أخت الرجال، والفحلة مالكة لصفات الرجلة، رغم أن الفحولة مفهوم رجالي بامتياز وبيولوجي أساسا يحيل على الخصب الجنسي، لكنه ينزاح ليطلق على المرأة المتصفة بصفات معنوية مفارقة لمعاني السكينة والخضوع والسلبية التي تتسم بها النساء في مجتمع يغيب المرأة عن واجهة الفعل.
تنتشر الرجلة كإدعاء، أكثر مما توجد كحالة، إنها استدعاء لصفات غائبة وتمثل تمثيلي لها، تمثل لا يصمد كثيرا أمام متطلبات الواقع وتحدياته، لهذا غالبا ما يكون مدعي الرجلة موضوع سخرية، لأن تمثيله مفضوح، وادعاءاته هشة، رغم أن محيطه غالبا ما يشجعه على خلق مثل تلك الادعاءات والتمادي فيها، وغالبا ما يكون المحيط الذي تزدهر فيه الرجلة هو الأحياء الشعبية، الحومة والكارثي، أو بين الشلل وجماعات الرفاق التي تسمح سيرورة تكونها بخلق الفرد الرجلوي وتعزيز ميولاته الرجلوية في ظل الترحيب المتزايد بها، واعتباره سند وحاميا لباقي أفراد الجماعة.

وإذا كانت الرجلة في وقتنا الحاضر إدعاء أكثر منها حالة ماثلة للعيان، فإنها، وفي ظل افتقاد النموذج الأصلي الذي يمكن القياس عليه، تبقى حالة اجتهاد من طرف مدعيها، وحين نقول أنها حالة ادعاء فالواقع يقول أنها ليست ادعاء كاملا، لأن من يدعي الرجلة غالبا ما يتكيء على صفات أساسية كالشجاعة والقوة التي يعد توفر حد أدنى منها أساسيا لأي نزعة رجلوية لدى أفراد معينين، رغم أن تلك النزعات غالبا ما تنتكس بعد فترة قصيرة نتيجة افتقاد الصفات المدعاة للأصالة، وحالة الانتكاس التي تتمثل غالبا في في التحول من حالة الرجلة التي قد تعني تقريبا: شجاعة وقوة وشهامة موظفة في خدمة ما يرى صاحبه انه حق. إلى حالة شبيهة بالفهلوة، وشخصية الفهلوي تشبه تقريبا ما نصفه عندنا كجزائريين بالبلاعطي، أي من يوظف قدراته الكلامية في تحصيل منافع دنيوية بغض النظر عن كون ما يستخلصه بفضل براعته الكلامية حق له أم لا، وهذا التحول المهم في شخصية الفرد الرجلوي هو ما وصفه مزراق علواش بتهكم وبسخرية مريرة في فيلم عمر قاتلاتو الرجلة.  

conter